وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١)
عموم قوله الأسماء يقتضى الاستغراق، واقتران قوله سبحانه بكلها يوجب الشمول والتحقيق، وكما علّمه أسماء المخلوقات كلها- على ما نطق به تفسير ابن عباس وغيره- علّمه أسماء الحق سبحانه، ولكن إنما أظهر لهم «٢» محل تخصصه فى علمه أسماء المخلوقات وبذلك المقدار بان رجحانه عليهم، فأما انفراده بمعرفة أسمائه- سبحانه- فذلك سرّ لم يطّلع عليه ملك مقرّب. ومن ليس له رتبة مساواة آدم فى معرفة أسماء المخلوقات فأى طمع فى مداناته فى أسماء الحق، ووقوفه على أسرار الغيب؟
وإذا كان التخصيص بمعرفة أسماء المخلوقات يتقضى أن يصحّ (به سجود) «٣» الملائكة
_________________
(١) الصدار قميص صغير يلى الجسد، ولاحظ مقابلة القشيري بين الصدار للملائكة وبين الثوب والرداء للإنسان لتدرك مقاصده البعيدة.
(٢) أي للملائكة.
(٣) وردت فى ص (بسجود) ونرجح أنها كما أثبتنا.
[ ١ / ٧٦ ]
فما الظن بالتخصيص بمعرفة أسماء الحق سبحانه؟ ما الذي يوجب لمن أكرم به؟
ويقال خصوصية الملائكة بالتسبيح والتقديس وهذه طاعات تليق بالمخلوقين فإنّ الطاعة سمة العبيد ولا تتعداهم، والعلم فى الجملة صفة مدح يجب فى نعت الحق سبحانه واجبا لا يصحّ لغيره، فالذى يكرمه بما يتصف هو سبحانه (بيانه وإن كان للمساواة أتم من الكرام بما يكون مخلوقا على جنس المخلوقات) «١» .
ويقال أكرمه فى السر بما علّمه ثم بيّن تخصيصه يوم الجهر وقدّمه. ويقال قوله: «ثُمَّ عَرَضَهُمْ» ثم: حرف تراخ ومهلة.. إمّا على آدم فإنه أمهله من الوقت ما تقرر ذلك فى قلبه، وتحقق المعلوم له بحقه ثم حينئذ استخبره عما تحقّق به واستيقنه. وإمّا على الملائكة فقال لهم على وجه الوهلة: «أَنْبِئُونِي» فلمّا لم يتقدم لهم تعريف تحيّروا، ولمّا تقدم لآدم التعليم أجاب وأخبر، ونطق وأفلح، إظهارا لعنايته السابقة- سبحانه- بشأنه.
وقوله: «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» فيه إشارة إلى أنهم تعرّضوا لدعوى الخصوصية، والفضيلة والمزية على آدم، فعرّفهم أن الفضل ليس بتقديم تسبيحهم لكنه فى قديم تخصيصه. ولمّا علم الحقّ سبحانه تقاصر علومهم عن معرفة أسماء المخلوقات ثم كلّفهم الإنباء عنها صار فيه أوضح دلالة على أنّ الأمر أمره، والحكم حكمه، فله تكليف المستطيع، ردا على من توهّم أن أحكام الحق سبحانه معلّلة باستحسان أرباب الغفلة بما يدعونه من قضايا العقول، لا بل له أن يلزم ما يشاء لمن يشاء، الحسن ما حكم بتحسينه والقبيح ما حكم بتقبيحه «٢» .
قوله جلّ ذكره: