ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)
سرعة العفو على عظيم الجرم تدل على حقارة قدر المعفو عنه، يشهد لذلك قوله تعالى (مخاطبا أمهات المسلمين): «مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ»، هؤلاء بنو إسرائيل عبدوا العجل فقال الله تعالى: «ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ»، وقال لهذه الأمة (يقصد أمة محمد ﷺ): «وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢): آية ٥٣]
وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)
فرقان هذه الأمة الذي اختصّوا به نور فى قلوبهم، به يفرّقون بين الحق والباطل، قال النبي ﷺ لوابصة: «استفت قلبك» «٢» .
وقال: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» «٣» .
وقال الله تعالى: «إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا» وذلك الفرقان ميراث ما قدّموه من الإحسان.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢): آية ٥٤]
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)
أي ما أضررتم إلا بأنفسكم فيما ارتكبتم من ذنوبكم، فأمّا الحق سبحانه فعزيز الوصف، لا يعود إلى عزّه من ظلم الظالمين شىء، ومن وافق هواه واتّبع مناه فعجله ما علّق به همّه، وأفرد له قصده.
_________________
(١) وردت (ينقصون) بالصاد والأقوى أن تكون بالضاد لأن المقصود هو تمسك أمة محمد (ص) بعدم (نقض) التوحيد. []
(٢) هكذا رواه أحمد فى مسنده والبخاري فى تاريخه والدارمي فى سننه وحسنه النووي فى رياض الصالحين بلفظ «استفت نفسك وإن أفتاك المفتون» .
(٣) الترمذي والطبراني من حديث أبى أمامة والترمذي من حديث أبى سعد والطبراني وابو نعيم عن انس
[ ١ / ٩١ ]
قوله جل ذكره: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ.
الإشارة إلى حقيقة التوبة بالخروج إلى الله بالكلية.
قوله جل ذكره: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ.
التوبة بقتل النفوس غير () «١» إلا أن بنى إسرائيل كان لهم قتل أنفسهم جهرا، وهذه الأمة توبتهم بقتل أنفسهم في أنفسهم سرا، فأوّل قدم فى القصد إلى الله الخروج عن النفس.
[فصل] ولقد توهم الناس أن توبة بنى إسرائيل كانت أشق، ولا كما توهموا فإن ذلك كان مقاساة القتل مرة واحدة، وأمّا أهل الخصوص من هذه (الأمة) «٢» ففى كل لحظة قتل، ولهذا:
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
وقتل النفس فى الحقيقة التبري عن حولها وقوتها أو شهود شىء منها، ورد دعواها إليها، وتشويش تدبيرها عليها، وتسليم الأمور إلى الحق- سبحانه- بجملتها، وانسلاخها من اختيارها وإرادتها، وانمحاء آثار البشرية عنها، فأمّا بقاء الرسوم والهياكل فلا خطر له ولا عبرة به.
قوله جل ذكره: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
كونه لكم عنكم أتمّ من كونكم لأنفسكم.
قوله جل ذكره: