خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)
الختم على الشيء يمنع ما ليس فيه أن يدخله وما فيه أن يخرج منه، وكذلك حكم الحقّ سبحانه بألا يفارق قلوب أعدائه ما فيها من الجهالة والضلالة، ولا يدخلها شىء من البصيرة والهداية. على أسماع قلوبهم غطاء الخذلان، سدّت تلك المسامع عن إدراك خطاب الحق من حيث الإيمان، فوساوس الشيطان وهواجس النفوس شغلتها عن استماع خواطر الحق.
وأمّا الخواص فخواطر العلوم وجولان تحقيقات المسائل فى قلوبهم شغلت قلوبهم عن ورود أسرار الحق عليهم بلا واسطة، وإنما ذلك لخاص الخاص، لذا قال رسول الله ﷺ: «لقد كان فى الأمم محدّثون فإن يكن فى أمتى فعمر» «١» فهذا المحدّث مخصوص من الخواص كما أن صاحب العلوم مخصوص من بين العوام. وعلى بصائر الأجانب غشاوة فلا يشهدون لا ببصر العلوم ولا ببصيرة الحقائق، ولهم عذاب عظيم لحسبانهم أنهم على شىء، وغفلتهم عما منوا من المحنة (و)»
فى الحال والمال «٣»، فى العاجل فرقته، وفى الآجل حرقته.
قوله جلّ ذكره:
[سورة البقرة (٢): آية ٨]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)
_________________
(١) للحديث صورة أخرى «إن من أمتى مكلّمين ومحدّثين وإن عمر منهم» .
(٢) مشتبهة فى ص.
(٣) والأرجح أنها (فى الحال والمآل) حتى تنسجم مع العاجل والآجل.
[ ١ / ٦٠ ]
ثبتوا على نفاقهم، ودأبوا على أن يلبّسوا على المسلمين، فهتك الله أستارهم بقوله: وما هم بمؤمنين كذا قيل:
من تحلى بغير ما هو فيه فضح الامتحان ما يدّعيه
ولما تجردت أقوالهم عن المعاني كان وبال ما حصلوه منها أكثر من النفع الذي توهموه فيها، لأنه تعالى قال: «إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» ولولا نفاقهم لم يزدد عذابهم.
ويقال لما عدموا صدق الأحوال لم ينفعهم صدق الأقوال، فإن الله تعالى قال: «وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ» فكانوا يقولون نشهد إنك لرسول الله، وكذلك من أظهر من نفسه ما لم يتحقق به افتضح عند أرباب التحقيق فى الحال، وقيل:
أيها المدعى سليمى هواها لست منها ولا قلامة ظفر
إنما أنت فى هواها كواو ألصقت فى الهجاء ظلما بعمرو
قوله جلّ ذكره: