سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)
سقمت بصائر الكفار فلم يلح لهم وجه الصواب فى جميع أحوال المؤمنين، فطالعوها بعين الاستقباح، وانطلقت ألسنتهم بالاعتراض «١» فى كل ما كان ويكون منهم، فلم يروا شيئا جديدا إلا أتوا عليه باعتراض جديد.
فمن ذلك تغير أمر القبلة حينما حوّلت إلى الكعبة قالوا إن كانت قبلتهم حقا فما الذي ولّاهم «٢» عنها؟ فقال جل ذكره:
قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
يتعبّد العباد إلى أي قطر و() ونحو شاءوا، وكذلك أصحاب الغيبة والحجبة- عن شهود تصريف الحق لأوليائه- يطلبون وجوها من الأمر، يحملون عليها أحوالهم، ولو طالعوا الجميع من عين واحدة لتخلصوا عن ألم توزّع الفكر، وشغل ترجّم الخاطر، ومطالبات تقسّم الظنون، ولكنّ الله يهدى لنوره من شاء.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢): آية ١٤٣]
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)
الوسط الخيار، فجعل هذه الأمة خيار الأمم، وجعل هذه الطائفة «٣» خيار هذه الأمة فهم خيار الخيار. فكما أن هذه الأمة شهداء على الأمم فى القيامة فهذه الطائفة هم الأصول، وعليهم المدار، وهم القطب، وبهم يحفظ الله جميع الأمة، وكلّ من قبلته قلوبهم فهو المقبول، ومن ردّته «٤» قلوبهم فهو المردود. فالحكم الصادق لفراستهم، والصحيح حكمهم، والصائب نظرهم
_________________
(١) وردت (بالأعراض) وربما يقبلها المعنى، ولكن النطق (بالاعتراض) أكثر ملاءمة، خصوصا وقد جاءت (الاعتراض) بعد قليل. []
(٢) وردت (وليهم) وهى خطأ فى الكتابة.
(٣) يقصد أهل الحقائق.
(٤) فى النسخة (روية) ومصححة فى الهامش (ردّته) وهى الصحيحة.
[ ١ / ١٣٢ ]
عصم جميع الأمة (عن) «١» الاجتماع على الخطأ، وعصم هذه الطائفة عن الخطأ فى النظر والحكم، والقبول والرد، ثم إن بناء أمرهم مستند إلى سنّة الرسول ﷺ. وكل ما لا يكون فيه اقتداء بالرسول «٢» ﵇ فهو عليه ردّ «٣»، وصاحبه على لا شىء.
قوله جل ذكره: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ، وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ.
بيّن أن الحكم فى تقرير أمر القبلة إلى وقت التحويل، وتحويلها من وقت التبديل كان اختبارا لهم من الحق ليتميز الصادق من المارق «٤»، ومن نظر إلى الأمر بعين التفرقة لكبر عليه أمر التحويل، ومن نظر بعين الحقيقة ظهرت لبصيرته وجوه الصواب. ثم قال:
«وما كان الله ليضيع إيمانكم» أي من كان مع الله فى جميع الأحوال على قلب واحد فالمختلفات من الأحوال له واحدة، فسواء غيّر أو قرّر، وأثبت أو بدّل، وحقّق أو حوّل فهم به له فى جميع الأحوال، قال قائلهم:
كيفما دارت الزجاجة درنا يحسب الجاهلون أنّا جننّا
فإن قابلوا شرقا أو واجهوا غربا، وإن استقبلوا حجرا أو قاربوا مدرا، فمقصود قلوبهم واحد، وما كان للواحد فحكم الجميع فيه واحد.
قوله جل ذكره: