٤١ - قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: " تمام الكلام عند قوله: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ ثم افتتح قصة صلاة الخوف بغير واو العطف، بفال إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، يريد وإن خفتم كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ وقوله: ﴿مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾.
[ ١٠٩ ]
قلت: لا يستقيم هذا النظم؛ لأنه لو كان تمام الكلام عند قوله: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ لكان قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ﴾ شرطًا بغير جزاء، وكلامًا غير تمام ولا متناسب مع نفي الحرج سواء أضمرت فيه الواو، أو لم تضمر بخلاف قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ لأنه كلام تام، والدليل على أن قوله:
[ ١١٠ ]
﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ متصل بالكلام الأول حديث يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: فِيمَ قَصَر الناسُ الصلاةَ اليوم وإنما قال الله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد ذهبَ ذلك الخوفُ اليوم. فقال عمر: عجبتُ لما عجبتَ منه فذكرتُ ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: (صدقة تَصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته). فثبت القصر بالسنة لا بالكتاب إلا أن الآية نزلت على غالب أسفار النبي - ﷺ - وأكثرها لم يَخْلُ عن خوف العدو، والحكم إذا ثبت لسبب ثم زال ذلك السبب يثبت الحكم، كما قلنا في الرمل في الطواف فإنه كان في الأول إظهارًا للتجلد على المشركين فزال السبب وبقي الحكم كذلك ههنا، وإنما عرفنا بقاء الحكم بالحديث عن ابن عباس قال: " سافر رسول الله - ﷺ -
[ ١١١ ]
بين مكة والمدينة لا يخاف إلا الله يصلي ركعتين ". وليس هذا من باب نسخ الكتاب بالسنة؛ بل هو من باب البيان والتفصيل والله أعلم.
[ ١١٢ ]