قلت: يشبه أن يكون هذا سهوًا؛ لأن هذا الكلام كلام من يظن أن الرفد من الترادف، وليس كذلك؛ لأن الترادف تفاعل من الردف، لا من الرفد، وإنما الرفد العون والعطاء، فقوله: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ أي بئس العطاء المعطى، أو العون المعان اللعنة من سب رجلًا ثم قال: بئس المدح.
٨٨ - قال في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: " قال ابن عباس: ﴿مَا دَامَتِ
[ ١٦٨ ]
السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ من ابتداء كونهما إلى وقت فنائهما ".
قلت: هذا يشعر بفناء أهل النار وبفناء عذابهم.
٨٩ - قال فيه وجهًا آخر ﴿إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وهو أن يأمر النار أن تأكلهم وتفنيهم ".
قلت: هذا أيضًا يشعر بفناء أهل النار، وفناء عذابهم.
٩٠ - قال: " ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعد أن يلبثوا فيها أحقابًا ".
قلت: هذا أيضًا يشعر بفناء أهل النار، وفناء عذابهم.
٩١ - قال: " عن الشعبي: " جهنم أسرع الدارين عمرانًا وأسرعهما خرابًا ".
[ ١٦٩ ]
قلت: هذا أيضًا يشعر بفناء أهل النار، ففناء عذابهم.
٩٢ - قال: " أخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي غيرمقطوع، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار فلم يقل عقيب الاستثناء (عذاب غير مقطوع) بل اقتصر على الاستثناء ".
قلت: هذا أيضًا يشعر بفناء أهل النار، وفناء عذابهم.
قال: " هو جزاؤه إلا أن يشاء ربُّك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار، وفي وصف نار جنهم إلا ما شاء ربك فلا يُخلدهم الجنة ".
قلت: كل ذلك محال، أما الأشقياء فمحال أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار؛ لأن الله لا يغفر أن يشرك به، وأما السعداء فمحال أن لا يُخلدهم في الجنة بعد الدخول، وقد قال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ والاستثناء إخراج الشيء مما دخل فيه غيره،
[ ١٧٠ ]
ويستحيل أن نخرج المحال، لأن المحال خارج بإحالة، وإخراج الخارج محال.
٩٤ - قال: " ﴿إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ من الفريقين من تعميرهم في الدنيا قبل مصيرهم إلى الجنة والنار ".
قلت: هذا أيضًا لا وجه له " لأن الاستثناء إخراج الشيء مما دخل فيه غيره، وتعميرهم في الدنيا بعد مصيرهم إلى الجنة والنار قد مضى وانعدم، والمعدوم خارج، وإخراج الخارج محال؛ لأن الاستثناء إنما وقع بعد الخلود، والخلود إنما يكون بعد الدخول وحينئذ يستحيل استثناء كونهم في الدنيا.
٩٥ - قال: " ﴿إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ من احتباس الفريقين في البرزخ ما بين الموت والبعث ".
قلت: جوابه ما ذكرنا أن ذلك يكون معدومًا بعد الدخول واستثناء المعدوم محال والله أعلم.
٩٦ - قال: " (إلا) هنا بمعنى (سِوَى) كما يقال: ما معنا رجل إلا زيد والمعنى: سوى ما شاء ربك من الخلود ".
قلت: لا يصح هذا النظير؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات (ومن الإثبات
[ ١٧١ ]
نفي، فقوله: ما معنا رجل إلا زيد استثناء) من النفي فيكون إثباتًا لزيد، فيكون صحيحًا أما ما ربنا استثناء من الإثبات، فيكون منفيًا، فيكون نظيره: معنا القوم إلا زيدًا، فيكون نفيًا لزيد كذلك. ههنا ينبغي أن يكون نفيًا للخلود، ولأنه لو كان بمعنى (سوى) يصير تقديره لهم فيها الخلود سوى الخلود، ولا يقال: لزيد هذا الغلام سوى هذا الغلام.
٩٧ - قال: " استثنى الإخراج وهو لا يريد أن يخرجهم منها، كما تقول في الكلام: (أردت أن أفعل كذا إلا أن أشاء غيره)، وأنت مقيم على ذلك الفعل، فالمعنى: أنه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم، ولكن لا يشاء ".
قلت: هذا أيضًا لا وجه له؛ لأنه استثنى من الخلود ما شاء من نفي الخلود، وأثبت مشيئته بلفظ الماضي، ولا كذلك في صور النظير؛ لأن مشيئة العباد يجوز أن توجد ويجوز أن لا توجد، خصوصًا إذا ذكرت بلفظ المستقبل، وعلى تقدير الوجود يكون مجازًا من حيث أنه غير مستقل بنفسه، قال الله تعالى: (وَمَا تَشَاَءُونَ إِلا أن يَشَاءَ اللهُ)؛ ولأن الخُلفَ في كلام العباد جائز، ولا كذلك في كلام الله إذ لا يجوز الخلف فيه، وإنه تعالى أثبت المشيئة مشيئة الإخراج
[ ١٧٢ ]
بلفظ الاستثناء من الخلود فيكون الإخراج مراد، ومشيئته أزلية قديمة، فيكون الإخراج ثابتًا لا محالة فينتفي الخلود لا محالة.
٩٨ - قال: " ﴿إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ من مقدار موقفهم على رؤوس قبورهم وللمحاسبة ".
قلت: قد ذكرنا أن الاستثناء إخراج الشيء مما دخل فيه غيره، وإنه استثناء من الخلود والخلود يكون بعد الدخول، وموقفهم على رؤوس قبورهم بعد الدخول مضى وانعدم، ولا يصح استثناء المعدوم؛ لأن المعدوم خارج من الوجود، وإخراج الخارج محال والله أعلم.
٩٩ - قال: " وقع الاستثناء على الزيادة، في النعيم والعذاب، أي: إلا ما شاء ربك من زيادة النعيم أو العذاب ".
قلت: هذا أيضًا لا وجه له؛ لأنه يكون استثناء الأكثر من الأقل، واستثناء الأكثر من الأقل والكل من الكل باطل.
١٠٠ - قال: " معناه: وقد شاء ربك خلود هؤلاء وهؤلاء، و(إلا) بمعنى
الواو سائغ في اللغة قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾
[ ١٧٣ ]
أي ولا الذين ظلموا.
قلت: (إلا) بمعنى الواو غير مسموع ولا مذكور في قواعد اللغة، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بمعنى: ولا الذين ظلموا قول واحد من المفسرين وعلى تقدير الصحة، لا يصلح نظيرًا؛ لأنه لو جُعل إلا لمعنى: ولا ههنا لكان تقديره: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ولا ما شاء ربك) وهو محال، قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بمعنى: ولا الذين ظلموا. هو رواية عن أبي عبيدة وحده.
١٠١ - قال: " معناه كما شاء ربك، كقوله: ﴿إِلا مَا قَد سَلَف﴾، أي: كما قد سلف ".
[ ١٧٤ ]
قلت: ذاك قول أبي زكريا العنبري وحده، أن: ﴿إِلا مَا قَد سَلَف﴾، بمعنى: كما قد سلف لا قول الكل، والحاصل أن القول بزوال النعيم والعذاب قول، الجهمية، والقول بزوال العذاب قول الجاحظ والجهمية وجماعة من المتكلمين، واحتجوا بقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وبقوله: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾؛ ولأن
[ ١٧٥ ]
الخُلْف في الوعيد جائز؛ بل هو لازم؛ ولأن العذاب المؤبد المخلد لكفر أيام معدودات لا يليق بالحكيم الكريم الرحيم، والعقوبة على ذنب لم يوجد غير جائز؛ بل العدل يقتضي أن يكون العذاب المؤبد في مقابلة وجود الكفر المؤبد حقيقة قال الله تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ والمماثلة منتفية، والله أعلم بالصواب.
والمفسرون لم يزيدوا على هذه الأقوال، وهي كلها ضعيفة، والأشبه أن يكون هذا استثناء غير واقع؛ بل عادة العرب أن يستثنوا في الكلام تأدبًا ولم
[ ١٧٦ ]