﴿النَّدَامَةَ﴾ والإسرار من الأضداد يكون بمعنى الإخفاء والإظهار والله أعلم.
٧٤ - قال في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية: " قال كفار مكة: إنما يلقي هذا الوحي على لسان محمد شيطان فأنزل الله الآية ".
قلت: هذا التأول لا وجه له؛ لأن الخطاب للنبي - ﷺ - فلو كان سبب النزول قول الكفار لقال: (وإن كنتم في شك) لأن حينئذ كان الشك منهم ولا يجوز أن
[ ١٥٦ ]
يكون قول الكفار سبب الشك للنبي؛ لأن الشك يكون في القلب والله تعالى عَلِم من قلبه أنه لم يكن فيه شك؛ ولأنه رُوي أنه لما نزلت هذه الآية قال النبي - ﷺ - (ولا أشك ولا أسألهم).
٧٥ - قال: " فيها وجه آخر قال: الخطاب للرسول، والمراد به غيره من الشاكين ".
قلت: هذا خلاف الأصل إذ لو جاز ذلك لجاز أن ينهاه عن عبادة الأصنام ويلومه على ذلك (لم تعبد الأصنام يا محمد) وذلك خلاف المعقول والمنصوص.
٧٦ - قال: " كان الناس على عهد رسول الله - ﷺ - أصناف: مكذب ومصدق وشاك فخاطب الشاك ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ الشاك ".
قلت: الجواب ما ذكرنا أنه خلاف الأصل والدليل على أن الخطاب ليس لغيره من الشاكين أنه قال: ﴿مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ والإنزال لم يكن إِلا إلى النبي - ﷺ -.
[ ١٥٧ ]
٧٧ - قال: " إن بمعنى الجحد وتقديره فما كنت في شك، كما قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ ".
قلت: هذا أضعف من الكل؛ لأن قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ﴾ جاء بعده (لا) تأكيد النفي فتعين للنفي كقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ ولا كذلك
[ ١٥٨ ]
ههنا، لأن ههنا ذكر بعد إن (فسئل) وذكرم آخر الآية ﴿فَلَا تَكونَنَّ مِنَ الْمُمتَرينَ﴾ أي الشاكين. وحرف (إن) إذا جاء بعده الأمر بالفاء لا يُفهم منه إلا الشرط والجزاء كقوله: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ﴾ خصوصًا إذا كان الأمر أمرًا بالسؤال، وحرف الشرط دخل في قوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ﴾ والسؤال يناسب الشك وكلاهما خطاب الواحد، فجَعْلُ أحدهما وحدانًا والآخر جمعًا بعيد جدًا.
٧٨ - قال: " علم الله أنه لم يشك ولكن أراد أن يأخذ بقوله لا أشك كقصة عيسى ".
[ ١٥٩ ]
قلت: إنما يصح هذا أن لو سأله عن الشك، وهذا ليس بسؤال عن الشك، بل هو شرط وجزاء، والدليل على أنه لم يكن ليأخذه بقوله: (لا نشك) لأنه لم يذكر ذلك في القرآن كما ذكر عن قول عيسى: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ﴾.
٧٩ - قال: " علم الله تعالى أن النبي - ﷺ - غير شاك فقال له: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ﴾ وهذا كما تقول لغلامك الذي لا تشك أنه غلامك: إن كنت عبدي فأطعني ".
قلت: هذا أيضًا لا وجه له؛ لأن قول القائل لعبده: إن كنت عبدي فأطعني.
يقوله وهو متيقن أنه عبده فيلزم أن الله تعالى يعلم أن نبيه - ﷺ - شاك؛ لأنه قال: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ﴾ كقولنا: إن كنت غلامي. وهذا القائل لهذا الوجه غلط من حيث أنه تُوهم أن الكلام إنما وقع في شك الله لشك النبي، فقال: إن الله لم يشك في أن النبي لم يشك، وليس الكلام في شك الله. وإنما الكلام في شك النبي - ﷺ -. فما استشهد به من النظير يحقق شك النبي لا أنه ينفيه؛ لأنه يلزم من ذلك علم الله بأنه شاك كصورة النظير حَذْو القُذة بالقُذة، والذي يعلمه الله تعالى يستحيل خلافه، فإذا علم الشيء موجودًا يستحيل أن يكون معدومًا، وإذا علمه معدومًا يستحيل أن يكون موجودًا، فيلزم أن يكون النبي - ﷺ - شاكًا.
٨٠ - قال فيه وجهًا آخر: " الشاك في الشيء يضيق به صَدْره فيُقال للضيق الصدر شاك يقول: إنْ ضِقْتَ ذرْعًا بما تُعاين مِنْ بَغْيهم وأذاهم فاصبر واسأل
[ ١٦٠ ]
الذين يقرؤون الكتاب يخبروك بصبر الأنبياء على الأذى ".
قلت: هذا أيضًا لا وجه له لوجهين:
أحدهما: أن الشاك بمعنى الضيق الصَدْر غير مسموع، ولا مذكور في الكتب.
والثاني: وهو أنه يلزم من ذلك نسبة المحال إلى النبي - ﷺ - أنه قال: ﴿فَإِن كُنتَ﴾ نسبة للمحال إلى النبي - ﷺ -؛ لأنه قال: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ فيكون معناه فإن كنت ضيق الصدر من القرآن -وحاشاه من ذلك-؛ ولأنه قال في آخرها ﴿فَلَا تَكُونَن مِنَ المُمتَرينَ﴾ وهو مُفتَعِلُ من المرية وهي الشك.
٨١ - قال فيها وجهًا آخر قال: " كان جائزًا على الرسول - ﷺ - وسوسة الشيطان؛ لأن المجاهدة في ردها مما يُستَحقُ عليها الثواب ".
قلت: هذا أيضًا لا وجه له، لأن الله تعالى أمره بالسؤال عن أهل الكتاب، وبالسؤال عن أهل الكتاب لا تزول الوسوسة ولا الشك؛ لأن أهل الكتاب إن كانوا مؤمنين به لم يكن لهم شك مما أنزل الله، فلا يجوز أن يكون النبي في شك، ومؤمنو أهل الكتاب في غير شك، فيكون غير النبي أعلى شأنًا من النبي، ولو كان أهل الكتاب المسؤلون غير مؤمنين به لكانوا أكثر شكًا منه فكيف يزول الشك
[ ١٦١ ]
بالسؤال عن الشاك الذي هو أكثر شكًا من السائل ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾.
٨٢ - قال: " مع حرف الشرط لا يثبت الفعل ".
قلت: إذا كان الكلام من الله يَثبُتُ الفعلُ على حرف الشرط لأن حرف (إن) للشك، ولا يجوز الشك على الله تعالى بدليل قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقد ثبت إيمانهم. وكيف يجوز الشك على الله تعالى أو على النبي - ﷺ - والشك في حق واحد من المسلمين كفر؟ حتى أن من شك في وحدانية الله تعالى أو في حَقِّيَّة القرآن من أهل الإيمان يكون كمن أنكر الصلاة. والله الموفق والمستعان.
فإن قيل: فما وجه الآية؟.
قلت وجهها: أن الله تعالى خاطب النبي - ﷺ - والمراد به غيره كما ذكروا، هذا وإن كان خلاف الأصل، ولكنه سائغ في عرف العرب وغيره ولا يلزم أن يكون بطريق الاستفهام، فإن من أراد أن يوبخ شخصًا على سوء فعله يخاطب غيره بحضوره، فيكون زجرًا له بطريق التعريض، وذلك إما أن يكون لحقارة
[ ١٦٢ ]