لا ينتظم مع قوله: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ لأن قوله: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ مستقبل، فيستحيل أن تتعلق به الرؤية الماضية. وإنما معنى قوله: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ وأرأيت وأرأيتم أي ما تقولون معناه الاستخبار يقول أخبروني والله أعلم.
٥٠ - قال في قوله ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾: " فيه أربعة أوجه من التأويل:
الأول: أن إبراهيم - ﵇ - أراد أن يستدرجهم بهذا القول وُيعَرِّفَهم خطأهم وجهلهم في تعظيم ما عَظمُوه، وُيقيم عليهم الحجة فلما أَفَل (أراهم النقص) الداخل عليهم وكانوا يعظمون النجوم، قال: وهذا مثل
[ ١٢١ ]
الحواري الذي ورد على قوم يعبدون صنمًا فأظهر تعظيمه وعبده فأكرموه، إلى أن دهمهم عدو فدعوا الصنم فلم يكفهم، فقال لهم: ندعوا إله السماء، فدعوه فرفع عنهم فأسلموا.
الثاني: إن إبراهيم رآهم يعبدون النجوم فقال لهم على جهة الاستفهام ﴿هَذَا ربِي﴾ يعني أهذا ربي؟.
الثالث: أنه قاله على وجه الاحتجاج على قومه لا على معنى الشك، كأنه قال: هذا ربي عندكم فيما تظنون، فلما أفل قال: لو كان إلهًا لما غاب، كقوله: وانظروا إلى إلهكم بزعمك.
الرابع: أن في الآية إضمارًا أي قال: يقولون هذا ربي ".
قلت: كل هذه الوجوه للضعف من عِلَلِ النحويين: أما الأول قال: " إن إبراهيم أراد أن يستدرجهم ويعرفهم خطأهم " قلت: هذا لا يشبه الاستدراج؛ لأن هذا كله كان في ليلة واحدة، أو في ساعة من الليل في زمان غفلة الناس ونومهم وزمان الخلوة، وبحيث لا يسمعه إلا قليل منهم، والاستدراج إنما يكون إذا دام على ذلك مدةً واشتهر منه ذلك، وكثر سماعهم منه، كما حُكي عن الحواري، وأين هذا من حكاية الحواري؟ فإن الحواري عبد الصنم مدة حتى وثقوا به ثم أراهم عجزه عن الإجابة وعدم الكفاية، وذلك نقصان
[ ١٢٢ ]
ظاهر، أما ههنا لم يرهِم إبراهيم نقصًا؛ لأنه قال: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ والأفول الغيبة، ولا نقص في الغيبة فإن إله السماء والأرض أيضًا غائب عن الأبصار، وهو معنى قوله: ﴿يُؤمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾. ثم قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ ولم يقل لا أحب المسخرين، أو لا أحب المحدودين المتحيزين.
وأما الوجه الثاني: قال: " إن إبراهيم رآهم يعبدون النجوم فقال على جهة الاستفهام (أهذا ربي) قلت: هذا أيضًا بعيد من وجوه:
الأول: إن قوم نمروذ ما كانوا يعبدون النجوم وإنما كانوا يعبدون نمروذ والأصنام، بدليل سياق القصة فإن إبراهيم قال لأبيه: من ربك؟ قال: نمروذ ولم يقل النجوم، وبدليل كسر الأصنام، وبدليل قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾؛ ولأنه ما سُمع أن أحدًا من الأمم الضالة جمع بين عبادة الكوكب، والقمر، والشمس، وإنما كان بعضهم يعبدون نجمًا، وبعضهم يعبدون الشمس.
[ ١٢٣ ]
الثاني: أن إدراج ألف الاستفهام فيه خلاف الأصل.
الثالث: أن هذا لو كان استفهامًا منه لما كان تبرِّيه موقوفًا على الأفول بل تبرأ في الحال، وإنه ما تبرأ إلا بعد الأفول، والأفول الغيبة، ولا نقص في الغيبة فلا حجة فيها لأن استفهام الإنكار يكون نفيًا، فيكون نافيًا في الحال، والله أخبر أنه إنما نفي بعد الأفول.
وأما الوجه الثالث: قال: " إنما قاله على وجه الاحتجاج لا على وجه الشك كقوله: ﴿وَانظُر إِلى إِلهِكَ﴾ ".
قلت: هذا أيضًا بعيد؛ لأنه لا احتجاج في ذلك لما ذكرنا أن الأفول هو الغيبة، ولا نقص في الغيبة فلا حجة فيها، ولو قاله بطريق الاحتجاج على زعمهم لقال: (هذا ربكم) وما قال (ربي)، ولأنه لو قاله على زعمهم لكان هذا الكلام متصلًا بكلام آخر، كما حكي عن موسى حيث قال للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ الآية، وإنه قال هذا ربي ابتداءً مفردًا فلا زعم ولا احتجاج.
[ ١٢٤ ]
وأما الوجه الرابع: قال: " فيه إضمار معنى يقولون هذا ربي ".
قلت: هذا أيضًا بعيد؛ لأن الإضمار في المواضع الثلاثة خلاف الأصل؛ ولأنه لو كان كذا لقال: (يقولون هذا ربنا) ولتبدأ في الحال، وما انتظر الأفول بل ألزمهم لعيب آخر فيه أشد من الأفول كما ذكرنا.
فإن قيل فما الوجه؟ قلت: إنما قال هذا كله في صغره قبل البلوغ، وقوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ لام العاقبة، وقد صار من الموقنين بعد ذلك.
[ ١٢٥ ]