٤٨ - قال في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾: " أنه نزل حين سألوه - ﷺ - عن الذين ماتوا وهم يشربون الخمر فيما طعموا، أي شربوا من الخمر ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ الشرك ﴿وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الخمر والميسر بعد تحريمهما ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ ما حرم الله عليهم كله، ﴿وَأَحْسَنُوا﴾ ".
[ ١١٨ ]
قلت: لا يصح هذا التفسير؛ لأنه كما ذكر نزل في الذين ماتوا شاربين قبل التحريم فكيف اتقوا الخمر بعد التحريم؟ والاتقاء من الميت محال. وإنما الصحيح أن يقال: ليس عليهم جناح فيما طعموا أي شربوا من الخمر قبل التحريم إذا ما اتقوا الشرك، وآمنوا، وعملوا الصالحات، ثم اتقوا ما حرم الله عليهم كله، وآمنوا، وثبتوا على الإيمان، ثم اتقوا أي ثبتوا على التقوى وأحسنوا، والدليل على أن هذه الآية نزلت في الذين ماتوا شاريين قبل التحريم ما رُوي أن جماعة في إمارة عمر بن الخطاب شربوا الخمر فقيل لهم هذا (شربتم الخمر؟ قالوا: هي حلال) علينا لأن الله تعالى يقول: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا) ونحن اتقينا وآمنا
[ ١١٩ ]
فذكر ذلك إلى عمر فشاور في ذلك جماعة من الصحابة فبعضهم أفتى بقتلهم، وبعضهم بتركهم، وبعضهم سكتوا، فسأل علي بن أبي طالب فقال: " يُستحضرون ويسألون هل بلغكم التحريم؟ فإن قالوا: لا، يُبَلغون ويعلمون أن الآية نزلت في الذين ماتوا شاربين قبل التحريم ويستتابون فإن تابوا تركوا، وإن قالوا: بلغنا التحريم ونُأوِلُ هذه الآية يعلمون تأويلها فإن قبلوا وتابوا وإلا ضربت أعناقهم، ففعلوا فقبلوا وتابوا.
* * *