وأهل الشام ﴿أَفَمَنْ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ﴾ بضم الهمزة والنون، فيكون تقديره (فما أُسس بنيانه على التقوى خير أم ما أُسس بناينه على شفير جهنم) ومن قرأ (أَسس) يكون معناه والله أعلم (أفما أَسس بنيانه المؤسَس على التقوى خير أم ما أَسس على الشفا)، أو نقول معناه (فمن أَسس بنيان دينه على التقوى خير أم من أَسسه على قاعدة ضعيفة وحالِ الباطل).
٧٠ - قال في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾: " أنها نزلت في أبي طالب، وأنه لما حضرته الوفاة دخل عليه
[ ١٤٢ ]
النبي - ﷺ - وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال - ﷺ -: (أي عم إنك أعظم الناس عليَّ حقًا، وأحسنهم عندي يدًا، فقل كلمة تجب لك بها شفاعتي لا إله إلا الله). فقال أبو جهل: أترغب عن ملة عبد المطلب، ففال: أنا على ملة عبد المطلب، فقال - ﷺ -: (لأستغفرن لك ما لم أُنه). فنزل قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية ".
قلت: هذا بعيد لأن السورة من آخر ما نزل من القرآن، ومات أبو طالب في عنفوان الإسلام بمكة، فكيف يكون سبب نزول هذه الآية استغفاره له؟
[ ١٤٣ ]
والذي نُقل عنه أنه قال بل على ملة عبد المطلب ليس فيه ما يَدُلُ على كفره؛ لأن عبد المطلب مات في الفترة، ولم تبلغه الدعوة، ولم يَكفر بالنبي - ﷺ -، بل نُقل عنه ما يدل على إيمانه وهو حبه للنبي - ﷺ - وتربيته له، وقوله: إن لهذا البيت ربًا ينصره لأبرهة، ودعاؤه وإجابة الله دعاءه في وجدان النبي - ﷺ - حين فقده، وفي الاستسقاء وغيرها، فما نقل منه شيء يدل على الكفر بالله
[ ١٤٤ ]
ولا بالنبي - ﷺ -، فلا يكون عبد المطلب من أهل النار بالكتاب والسنة، أما الكتاب قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ أما السنة فقد جاء في الحديث: (ثلاثة يأتون يوم القيامة بحجة وعذرٍ منهم رجل مات في الفترة).
أما ما ذكر من حديث عليٍّ أنه قال: (إن عمَّك الضال قد مات)
[ ١٤٥ ]
فقال: (اذهب فواره فواراه، فدعا لعلي). ليس فيه أيضًا ما يدل على كفره، لأن الضال قد يطلق على غير الكافر قال الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾، ولا يجوز الكفر على الأنبياء في حال من الأحوال، وقول إخوة
[ ١٤٦ ]
يوسف: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾، وقوله لحاطب بن أبي بلتعة: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ بل دُعاء النبي - ﷺ - لعلي عقيب دفنه أبا طالب يدل على إسلامه؛ لأن بدفن المسلم يستوجب الدعاء لا بدفن الكافر، وعدم شهود النبي - ﷺ - دفنه لا يدل على كفره؛ لأن حينئذ لم يكن صلاة الجنازة مشروعة بعد، وأما ما رُوي من شِعْره فذاك أيضًا لا يدل على كفره وهو قوله:
والله لَنْ يَصلُوا إلَيكَ بجَمْعِهمْ حَتَى أُوَسَّدَ فِي التُرَابِ دَفِيْنًا
فاصْدَعْ بأمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ وَابْشِرْ وَقَرّ بذَلِكَ مِنْكَ عُيُونًا
وَلَقدْ دَعَوْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنكَ نَاصحِي وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أَمِيْنًا
وَعَرَضْتَ دِينًا لا مَحالَةَ أَنه مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ البَرَّيةِ دِيْنًا
لولا الملاَمَةِ أَو حِذاري سَبَّة لَوَجَدتَنِي سَمْحًا بذَلِكَ مُبيْنًا
أما الأبيات الأربعة فكلها تدل على إسلامه حيث صرّح فيها بتصديقه، ومدحه، ونصرته، وأما البيت الأخير فلا يدل على كفره؛ لأنه قال:
[ ١٤٧ ]
(لوجدتني سمحًا بذاك مبينًا) والمبين المظهر، ويجوز أن يكون قد تكلم بكلمة الإسلام سرًا ولم يظهرها بدليل ما نُقل عن ابن عباس أنه قال: " أسرَّ أبو طالب بكلمة الشهادة "، وكذلك قوله: (إن أبا طالب لفي ضحضاح من النار) لا يدل على كفره؛ لأن المؤمن قد يكون في أكثر من الضحضاح لتقصير صدر منه، ثم يخرج من النار ويدخل الجنة لإيمانه، على أن هذا الحديث
_________________
(١) * لا يخفي ما في هذه التأويلات من تكلف، والراجح عند المحققين أن أبا طالب مات على الكفر. والله أعلم.
[ ١٤٨ ]
وأمثاله من أخبار الآحاد وأخبار الآحاد لا توجب العلم، وإنما توجب العمل، والذي نحن فيه من باب العلم، فلا تكون هذه الأخبار فيه حجة. على أنها معارَضَةُ بحديث جبربل لمحمد: (أن الله حرم على النار حِجْرًا أكفلك وبطنًا حملك وثديًا أرضعك) (١) (٢).
والدليل على إسلام أبي طالب أنه ثبت بطريق التواتر أنه كان يحب النبي - ﷺ - وينصره ويوقره، ويكفُّ عنه أذى المشركين وهذا كله دلائل الإسلام، لأن الكافر لا يحب النبي ولا ينصره، بل يبغضه ويخذله، ولا يُحْمَلُ ذلك على القرابة، فإن أبا لهب كان عمه وكان مُظهرًا للبغض والعداوة، فإن من كان
_________________
(١) حديث موضوع، أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ١٠) برقم (٥٤٥) في كتاب الفضائل.
(٢) من عجيب صنيع الرازي أنه يرد الأحاديث الثابتة الصحيحة بحجة أنها أخبار آحاد ثم يعارضها بالأحاديث الموضوعة!!.
[ ١٤٩ ]
كافرًا فدينه وطبعه يحملانه على عداوة المسلمين فعلًا وقولًا.
والثاني: أنه ثبت أيضًا بالنقل المتواتر أن النبي - ﷺ - كان يحبه ويصاحبه، والنبي - ﷺ - لا يحب الكافر شرعًا وطبعًا، مع أنه مأمور بمجانبة الكافر، ومعاداة المشركين الفجار قال الله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ وقال: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ ولا يُحمل ذلك على القرابة فإن أبا لهب كان أيضًا عمه وما كان يحبه. كيف وقد نفى الله تعالى المحبة من المسلم للكافر مع وجود القرابة القريبة بقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ الآية.
[ ١٥٠ ]
الثالث: أنه ثبت بالنقل عن الرواة والثقات: أن النبي - ﷺ - كان يدعوا له، ويشكره ولا يليق بحال النبوة الثناء على المشركين، والدعاء لهم بما يُدْعى به للمسلمين المؤمنين، من ذلك ما رُوي في حديث الاستسقاء أنه قال: (لله در أبي طالب لو كان حيًا لقرت عيناه) ثم قال: (أيكم ينشدنا شعره) فأنشده عليُ ابن أبي طالب:
وأبيَض يُسْتَسْقى الغَمام بوَجْهِهِ ثِمَال اليَتَامَى عِصْمَة لِلأَرَامِلِ
يَلوذ بِهِ الهَلاكُ مِنْ آل هَاشِم فَهمْ عِنْدَهُ فِي نِعْمَةٍ وَفَوَاضلِ
كذبْتُمْ وَبَيْتُ الله نُبَزى مُحَمَّدًا وَلَمَّا نُقاتِل دُوْنَهُ وَنَنَاضلِ
ومن ذلك ما روى محمد بن كعب أن النبي - ﷺ - دخل على أبي طالب في
[ ١٥١ ]
مرضه فجلس إليه فقال: (يا عم جُزيت عني خيرًا كفلتني صغيرًا وحضنتني كبيرًا فجزيت عني خيرًا) وفي حديث سعيد بن المسيب قال له: (يا عم إنك أعظم الناس عليَّ حقًّا وأحسنهم عندي يدًا، ولأنت أعظم عليَّ حقًا من والدي) ولو لم يكن أبو طالب أهلًا للإسلام لما وفقه الله تعالى لمثل تلك الصنائع المعروفة إذ لا يليق بحكمة الحكيم أن يُجري تلك الأمور على يد المشرك، أو لا يرزق الإسلام من كان على مثل تلك الأفعال والأقوال، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ والله لا يخلف الميعاد. وأما ما نقلوه في التفاسير أنه نزلت فيه آيات مثل قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وقوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ فكل ذلك ورد بطريق
[ ١٥٢ ]
الآحاد عن بعض المفسرين وقد ذكرنا أن أخبار الآحاد لا توجب العلم ولا تعارِض ما ذكرنا من الأخبار المتواترة (١)، والدلائل القطعية من النقلية والعقلية. كيف وإن النبي - ﷺ - كان يدعوا للأجانب بالهداية والتوفيق؟ فلا يُظن به وهو أوصل الناس للأرحام، وأحرصهم على الإسلام أنه لم يكن يدعوا لأبي طالب مع ما له من الأيادي، ودفع العوادي من الأعادي، ولا يستجيب الله تعالى دعاءه فيه ولا يحقق ما يأمله ويرتجيه والله واسع حكيم.
_________________
(١) لم أجد فيما ذكر من دليل أنه متواتر! بل هي للضعف والوضع أقرب.
[ ١٥٣ ]