٥٤ - قال في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾: " إن شئت نصبته أي (جعلنا مجرميها أكابر) وإن شئت خفضته على الإضافة ".
قلت: خفضه بالإضافة لا وجه له؛ لأن الجَعْل ههنا لو لم يكن له مفعولان لم يتم الكلام؛ لأنك إذا قلت: جعلتُ غلامَ زيد لا يتم الكلام حتى تقول: رئيسها. فلو قدَّرت مجرميها خفضًا بالإضافة كان كقولك: جعلت غلام زيد، وقوله: ﴿فِى كُل قَرْيَةٍ﴾ لا يصلح مفعوله الثاني؛ لأن الكلام لا يتم به؛ لأنه لا يصلح عَرَضًا.
٥٥ - قال في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾:
[ ١٢٨ ]
" يعني قدر مدة ما بين بعثهم إلى دخولهم النار ".
قلت: لا يصح على هذا الوجه، لأن الاستثناء إخراج الشيء مما دخل فيه غيرُه. وهذا الخطاب إنما يكون لهم في القيامة، وفي القيامة قَدْر مُدَة ما بين بعثهم إلى دخول النار مضى وانعدم؛ لأنه استثناء من الخلود، والخلود يكون بعد الدخول؛ لأنه يستحيل الخلود في النار قبل الدخول فيها، ولا يصح الاستثناء المعدوم من الموجود.
٥٦ - قال: " عن بعضهم هذا الاستثناء هو أن لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه بالجنة أو النار ".
قلت: ذلك في الأشخاص المعينين، أَمَا يجوز أن يُحكم للكفار مطلقًا بالنار، وللمؤمنين مطلقًا على العموم بالجنة لورود العمومات؟.
٥٧ - قال: " إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ فكان ما شاء الله الأبد ".
قلت: هذا أيضًا لا يصح؛ لأن الأبد والخلود واحد، ولا يجوز استثناء
[ ١٢٩ ]
الشيء من نفسه، كما لا يجوز أن يقال جاءني العشرة إلا العشرة، ولو قال: أنت طالق (ثلاثًا) إلا ثلاثًا يبطل الاستثناء، لأن ذلك استثناء الكل من الكل (فكذلك) ههنا.
٥٨ - قال ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾: " يعني سوى ما شاء الله من أنواع العذاب ".
قلت: هذا أيضًا لا يصح؛ لأن أنواع العذاب زائد على نفس الخلود، ولا يجوز استثناء الأكثر من الأقل، كما لا يجوز جاءني عشرة إلا عشرون.
٥٩ - وقال: " إلا ما شاء الله من إخراج أهل التوحيد من النار ".
قلت: هذا أيضًا لا يصح؛ لأن هذا الخطاب مع الكفار لأن أول الآية: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ﴾ وأولياؤهم كفار؛ ولأن عموم هذا الخطاب وهو قوله: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ لا يجوز أن يكون لجماعة فيها المؤمنون الموحدون.
٦٠ - قال: " إِلا مَا شَاءَ اللهُ أن يزيدهم من العذاب فيها ".
قلت: قد ذكرنا أنه لا يجوز استثناء الأكثر من الأقل، حتى أن من قال لفلان علي درهمان إلا أربعة دراهم يبطل الاستثناء.
[ ١٣٠ ]
٦١ - قال: " إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ من كونهم في الدنيا بغير عذاب ".
قلت: قد ذكرنا أن هذا الخطاب إنما يكون لهم يوم القيامة، ويوم القيامة يكون كونُهم في الدنيا بلا عذاب ماضيًا منعدمًا، ولا يصح استثناء المعدوم من الموجود؛ لأن الاستثناء إخراجٌ، والمعدوم خارج، وإخراج الخارج محال.
٦٢ - قال: " إِلا مَا شَاءَ اللهُ يعني من سبق في علمه أنه يؤمن ".
قلت: هذا الخطاب إنما يكون لهم يوم القيامة؛ لأنه قال: ﴿وَيَومَ يحشُرُهُم﴾ ويوم القيامة لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
فإن قيل فما وجه الآية؟.
قلت: وجهها أنه استثنى الذين آمنوا وإن ارتكبوا الكبائر، ويجوز أن يسمى مرتكب الكبائر ولي الجن أو مطيع الشيطان، فيكون التقدير: النار مثواكم خالدين فيها إلا من آمن منكم في الدنيا فيكون (ما) بمعنى (مَنْ) ويجوز أن يكون هذا استثناء غير واقع وذلك كثير في كلامهم.
[ ١٣١ ]