قلت: لا يلزم أن يكون هذا بطريق التمني للموت، بل يجوز أن يكون معناه: إذا توفيتني توفني مسلمًا، سأل الله أن يكون موته على الإسلام يوم يتوفاه، كما قال: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ والدليل على أنه لم يكن متمنيًا للموت أن هذا الكلام متصل بقوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ وكان ذلك عند اجتماعه بيعقوب وعاش بعد قوله: ﴿تَوَفَّنِي﴾ نيفًا وثلاثين سنة؛ لأنه مات بعد أبيه يعقوب بخمسين سنة، ويعقوب عاش بمصر نيفًا وعشرين سنة فلا يجوز أن يتمنى الموت في ذلك الوقت لوجهين:
أحدهما: أن دعاءه يكون حينئذ غير مستجاب إلى ثلاثين سنة وذلك لا يلائم أدعية الأنبياء.
[ ١٨٤ ]
الثاني: أن يوسف ويعقوب كان كل واحد منهما يَحِنُّ إلى صاحبه أربعين سنة في أشد حزن وأصعبه، فلما اجتمعا يتمنى الموت، ويتمنى أن يعود حزن يعقوب أشد مما كان! هذا بعيد. مع أن الأنبياء كان بقاؤهم خيرًا لهم خاصة، وللناس عامة، ولهذا لم يتمنّ نبي الموت؛ بل كانوا يحبون الحياة لازدياد الخيرات، والإكثار من الطاعات، كما نقل في قصة موسى وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام.
وقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسلَمًا﴾ كما جاء في الدعاء المأثور: (توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين). ولا يجوز أن يكون ذلك تمنيًا للموت؛ لأنه منهي عنه لقوله:
[ ١٨٥ ]
(لا يتمنين أحدكم الموت) كذا ههنا.