[ ٢ / ١٣٨ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
- ١ - الْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
قال ابن عباس ﵄: كُنْتُ لَا أَدْرِي مَا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ، فَقَالَ أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها أي بدأتها، وقال ابن عباس: ﴿فَاطِرِ السماوات والأرض﴾: أي بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: فَهُوَ خَالِقُ السماوات والأرض، وقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ أَيْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِ، ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ أَيْ يَطِيرُونَ بِهَا لِيُبَلِّغُوا مَا أُمِرُوا بِهِ سَرِيعًا ﴿مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ أَيْ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ جَنَاحَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ ثَلَاثَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَرْبَعَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رأى جبريل ﵇ (لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ) وَلَهُ سِتُّمَائَةِ جَنَاحٍ بَيْنَ كُلِّ جَنَاحَيْنِ كَمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلِهَذَا قَالَ جلَّ وعلا: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ: يَزِيدُ فِي الْأَجْنِحَةِ وَخَلْقِهِمْ مَا يَشَاءُ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ﴾ يَعْنِي حُسْنَ الصوت (رواه البخاري في الأدب، وقرئ في الشاذ (يَزِيدُ فِي الخلق) بالحاء المهملة).
[ ٢ / ١٣٨ ]
- ٢ - مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى ولا معطي لما منع، رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، كان يقول إذا انصرف من الصَّلَاةِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الجد» (أخرجاه في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة)، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ يَقُولُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ ⦗١٣٩⦘ حَمْدُهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مَلْءَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، اللَّهُمَّ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ ﵎: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لفضله﴾ ولها نظائر كثيرة.
[ ٢ / ١٣٨ ]
- ٣ - يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
يُنَبِّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ وَيُرْشِدُهُمْ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى تَوْحِيدِهِ، فِي إِفْرَادِ الْعِبَادَةَ لَهُ، كَمَا أَنَّهُ الْمُسْتَقِلُّ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ، فَكَذَلِكَ فَلْيُفْرَدْ بِالْعِبَادَةِ وَلَا يُشْرَكْ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ والأوثان، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فأنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أَيْ فَكَيْفَ تُؤْفَكُونَ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ، وَوُضُوحِ هَذَا الْبُرْهَانِ، وَأَنْتُمْ بَعْدَ هَذَا تَعْبُدُونَ الْأَنْدَادَ وَالْأَوْثَانَ؟ والله أعلم.
[ ٢ / ١٣٩ ]
- ٤ - وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
- ٥ - يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ
- ٦ - إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أصحاب السعير
يقول ﵎: وإن يكذبوك يَا مُحَمَّدُ - هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ - وَيُخَالِفُوكَ فِيمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، فَلَكَ فِيمَنْ سَلَفَ قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ أُسْوَةٌ، فَإِنَّهُمْ كَذَلِكَ جَاءُوا قَوْمَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ، وَأَمَرُوهُمْ بِالتَّوْحِيدِ فَكَذَّبُوهُمْ وَخَالَفُوهُمْ، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أَيْ وَسَنَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أوفر الجزاء، ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أَيِ الْمَعَادُ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أَيِ الْعِيشَةُ الدَّنِيئَةُ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَتْبَاعِ رُسُلِهِ مِنَ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ، فَلَا تَتَلَهَّوْا عَنْ ذَلِكَ الْبَاقِي بِهَذِهِ الزَّهْرَةِ الْفَانِيَةِ، ﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ وهو الشيطان، أي لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان ويصرفكم عَنِ اتِّبَاعِ رُسُلِ اللَّهِ وَتَصْدِيقِ كَلِمَاتِهِ، فَإِنَّهُ غرار كذاب أفاك، وهذه كَالْآيَةِ الَّتِي فِي آخِرِ لُقْمَانَ: ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور﴾، وقال زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هُوَ الشَّيْطَانُ، كَمَا قَالَ المؤمنون للمنافقين يوم القيامة: ﴿وَغرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بالله الغرور﴾ ثُمَّ بيَّن تَعَالَى عَدَاوَةَ إِبْلِيسَ لِابْنِ آدَمَ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ أَيْ هُوَ مُبَارِزٌ لَكُمْ بِالْعَدَاوَةِ، فَعَادُوهُ أَنْتُمْ أَشَدَّ الْعَدَاوَةِ وَخَالِفُوهُ، وَكَذِّبُوهُ فِيمَا يَغُرُّكُمْ بِهِ، ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ أَيْ إِنَّمَا يَقْصِدُ أَنْ يُضِلَّكُمْ حَتَّى تَدْخُلُوا مَعَهُ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ، فَهَذَا هُوَ الْعَدُوُّ المبين، وهذه كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ؟ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾.
[ ٢ / ١٣٩ ]
- ٧ - الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
- ٨ - أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ
[ ٢ / ١٣٩ ]
سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يصنعون
لما ذكر تعالى أن أتباع إبليس مصيرهم إلى السَّعِيرِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ لِأَنَّهُمْ أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ وَعَصَوُا الرَّحْمَنَ، وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ أَيْ لِمَا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ ذَنْبٍ ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ عَلَى مَا عَمِلُوهُ من خير، ثم قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ يَعْنِي كَالْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ، يَعْمَلُونَ أَعْمَالًا سَيِّئَةً وَهُمْ في ذلك يعتقدون ويحسبون أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أي فمن كَانَ هَكَذَا قَدْ أَضَلَّهُ اللَّهُ، أَلَكَ فِيهِ حيلة؟ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ أَيْ بِقَدَرِهِ كَانَ ذَلِكَ، ﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ أَيْ لَا تَأْسَفْ عَلَى ذلك، فإن الله حكيم في قدره، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بما يصنعون﴾ (في اللباب: أخرج جوبير: نزلت ﴿أفمن زين﴾ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ اللَّهُمَّ أعز دينك بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل فهدى الله عمر وأضل أبا جهل)، روى ابن أبي حاتم عند هذه الآية عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ وَهُوَ فِي حَائِطٍ بِالطَّائِفِ يُقَالُ لَهُ الْوَهْطُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: "إن الله تعالى خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ مِنْهُ ضَلَّ، فَلِذَلِكَ أَقُولُ: جفَّ الْقَلَمُ عَلَى مَا عَلِمَ اللَّهُ ﷿".
[ ٢ / ١٤٠ ]
- ٩ - وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ
- ١٠ - مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ
- ١١ - وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
كَثِيرًا مَا يَسْتَدِلُّ تَعَالَى عَلَى الْمَعَادِ بِإِحْيَائِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ موتها، يُنَبِّهُ عِبَادَهُ أَنْ يَعْتَبِرُوا بِهَذَا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْأَرْضَ تَكُونُ مَيِّتَةً هَامِدَةً لَا نَبَاتَ فِيهَا، فَإِذَا أَرْسَلَ إِلَيْهَا السَّحَابَ تَحْمِلُ الْمَاءَ وَأَنْزَلَهُ عَلَيْهَا، ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زوج بهيج﴾، كذلك الأجساد إذا أراد الله تعالى بَعْثَهَا وَنَشُورَهَا أَنْزَلَ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مَطَرًا يعم الأرض جميعًا، ونبتت الأجساد في قبورها كما تنبت الحبة فِي الْأَرْضِ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلَى إِلَّا عَجْبَ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ»، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾. وَتَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ حَدِيثُ أَبِي رَزِينٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ ﷺ: «يَا أَبَا رَزِينٍ أَمَا مَرَرْتَ بِوَادِي
[ ٢ / ١٤٠ ]
قومك ممحلًا ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا» قُلْتُ: بَلَى، قال ﷺ: «فكذلك يحيي الله الموتى»، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أَيْ مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عَزِيزًا في الدنيا والآخرة فليلزم طاعة الله تعالى فإنه يحصل له مقصوده، لأن الله تعالى مالك الدنيا والآخرة، وله العزة جميعًا، كما قال تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، وقال ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ بِعِبَادَةِ الأوثان ﴿فَلِلَّهِ العزة جَمِيعًا﴾، وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أَيْ فَلْيَتَعَزَّزْ بِطَاعَةِ اللَّهِ ﷿، وقوله ﵎: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ يَعْنِي الذِّكْرَ وَالتِّلَاوَةَ والدعاء؛ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قال: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله تعالى، إِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ إِذَا قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ تَبَارَكَ اللَّهُ، أَخَذَهُنَّ ملَك فَجَعَلَهُنَّ تَحْتَ جَنَاحِهِ، ثُمَّ صَعِدَ بِهِنَّ إِلَى السَّمَاءِ فَلَا يَمُرُّ بِهِنَّ عَلَى جَمْعٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا اسْتَغْفَرُوا لِقَائِلِهِنَّ، حَتَّى يَجِيءَ بِهِنَّ وَجْهَ الله ﷿، ثم قرأ عبد الله ﵁: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. وقال كعب الأحبار: إن لسبحان اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، لَدَوِيًّا حَوْلَ الْعَرْشِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يذكرن لصاحبهن، والعمل الصالح في الخزائن.
وقوله تعالى: ﴿والعمل الصالح يَرْفَعُهُ﴾ قال ابن عباس: الكلم الطيب ذكر الله تعالى يُصْعَدُ بِهِ إِلَى اللَّهِ ﷿، وَالْعَمَلُ الصالح أداء الفريضة، فمن ذكر الله تعالى في أداء فرائضه حمل عمله ذكر الله تعالى يصعد به إلى الله ﷿، ومن ذكر الله تعالى وَلَمْ يُؤَدِّ فَرَائِضَهُ رُدَّ كَلَامُهُ عَلَى عَمَلِهِ فَكَانَ أَوْلَى بِهِ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: الْعَمَلُ الصالح يرفع الكلام الطيب، وقال إياس بن معاوية: لَوْلَا الْعَمَلُ الصَّالِحُ لَمْ يُرْفَعِ الْكَلَامُ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: لَا يُقْبَلُ قَوْلٌ إِلَّا بِعَمَلٍ، وقوله تعالى: ﴿والذين يَمْكُرُونَ السيئات﴾ قال مجاهد: هم المراؤون بِأَعْمَالِهِمْ، يَعْنِي يَمْكُرُونَ بِالنَّاسِ، يُوهِمُونَ
أَنَّهُمْ فِي طاعة الله تعالى وهم بغضاء إلى الله ﷿ يراؤون بأعمالهم ﴿وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قليلا﴾، وقال ابن أَسْلَمَ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا عَامَّةٌ، وَالْمُشْرِكُونَ داخلون بطريق الأولى، ولهذا قال تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ أَيْ يَفْسَدُ وَيَبْطُلُ، وَيَظْهَرُ زَيْفُهُمْ عَنْ قَرِيبٍ لأولي البصائر والنُّهَى، فإنه مَا أَسَرَّ أَحَدٌ سَرِيرَةً إِلَّا أَبْدَاهَا اللَّهُ تعالى عَلَى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ، وَمَا أَسَرَّ أَحَدٌ سَرِيرَةً إِلَّا كَسَاهُ اللَّهُ رِدَاءَهَا إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ، فَالْمُرَائِي لَا يَرُوجُ أَمْرُهُ وَيَسْتَمِرُّ إِلَّا عَلَى غَبِيٍّ، أَمَّا المؤمنون المتفرسون فلا يروج لهم ذلك عليهم بل ينكشف لَهُمْ عَنْ قَرِيبٍ، وَعَالَمُ الْغَيْبِ لَا تَخْفَى عليه خافية، وقوله ﵎: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ أَيِ ابْتَدَأَ خَلْقَ أَبِيكُمْ آدَمَ مِن تُرَابٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَاءٍ مَهِينٍ، ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أَيْ ذَكَرًا وَأُنْثَى لُطْفًا مِنْهُ وَرَحْمَةً أَنْ جَعَلَ لَكُمْ أَزْوَاجًا من جنسكم لتسكنوا إليها، وقوله ﷿: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ أَيْ هُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ بَلْ ﴿مَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ وقوله ﷿: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ أَيْ مَا يُعْطَى بَعْضُ النُّطَفِ مِنَ الْعُمُرِ
[ ٢ / ١٤١ ]
الطَّوِيلِ يَعْلَمُهُ وَهُوَ عِنْدَهُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ ﴿وَماَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْجِنْسِ، لأن الطويل العمر في الكتاب وفي علم الله تعالى لَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ، وَإِنَّمَا عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْجِنْسِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ عندي ثوب ونصفه، أي ونصف ثوب آخر.
وروي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ الآية، يقول: ليس أحد قضيت له بطول العمر والحياة إِلَّا وَهُوَ بَالِغٌ مَا قَدَّرْتُ لَهُ مِنَ الْعُمُرِ، وَقَدْ قَضَيْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَإِنَّمَا يَنْتَهِي إِلَى الْكِتَابِ الَّذِي قَدَّرْتُ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ، وليس أحد قدرت له أنه قصير العمر، والحياة ببالغ العمر، وَلَكِنْ يَنْتَهِي إِلَى الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبْتُ لَهُ، فذلك قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يَقُولُ: كُلُّ ذلك في كتاب عنده، وقال زيد بن أسلم ﴿وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ قَالَ: مَا لَفَظَتِ الْأَرْحَامُ مِنَ الْأَوْلَادِ مِنْ غَيْرِ تَمَامٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي تَفْسِيرِهَا: أَلَا تَرَى النَّاسَ يَعِيشُ الْإِنْسَانُ مِائَةَ سَنَةٍ وَآخَرُ يَمُوتُ حِينَ يُولَدُ فَهَذَا هَذَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَالَّذِي يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ فَالَّذِي يَمُوتُ قَبْلَ سِتِّينَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ أَيْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ يُكْتَبُ لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُقِ الْخَلْقَ عَلَى عُمُرٍ واحد، بل لهذا عمر، ولهذا عمر، فكل ذَلِكَ مَكْتُوبٌ لِصَاحِبِهِ بَالِغٌ مَا بَلَغَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مَعْنَاهُ ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ﴾ أَيْ مَا يُكْتَبُ مِنَ الْأَجَلِ ﴿وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ وَهُوَ ذَهَابُهُ قَلِيلًا قَلِيلًا الْجَمِيعُ معلوم عند الله تعالى سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ وَشَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ، وَجُمُعَةً بعد جمعة، وَسَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ الْجَمِيعُ مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ تعالى في كتابه، نقله ابن جرير عن أبي مالك، واختار ابن جرير الأول، ويؤيده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» (رواه البخاري ومسلم والنسائي واللفظ له)، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: ذَكَرْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال: «إن الله تعالى لَا يُؤَخِّرُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجْلُهَا، وَإِنَّمَا زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقه الْعَبْدَ فَيَدْعُونَ لَهُ مِن بَعْدِهِ فَيَلْحَقُهُ دُعَاؤُهُمْ في قبره فذلك زيادة العمر»، وقوله ﷿: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أَيْ سَهْلٌ عليه يسير لديه، فإن عمله شامل للجميع لا يخفى عليه شيء منها.
[ ٢ / ١٤٢ ]
- ١٢ - وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ فِي خلقه الأشياء المختلفة، خلق الْبَحْرِينِ الْعَذْبَ الزُّلَالَ، وَهُوَ هَذِهِ الْأَنْهَارُ السَّارِحَةُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ كِبَارٍ وَصِغَارٍ، بِحَسْبِ الْحَاجَةِ إليها في كل الأقاليم والأمصار، وَهِيَ عَذْبَةٌ سَائِغٌ شَرَابُهَا لِمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ ﴿وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ أي مر وَهُوَ الْبَحْرُ السَّاكِنُ الَّذِي تَسِيرُ فِيهِ السُّفُنُ الْكِبَارُ، وَإِنَّمَا تَكُونُ مَالِحَةً زُعاقًا مُرَّةً، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ أَيْ مُرٌّ، ثُمَّ قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يَعْنِي السَّمَكَ ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾، كما قال ﷿: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ والمرجان﴾، وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ أَيْ تَمْخُرُهُ وَتَشُقُّهُ بِحَيْزُومِهَا وَهُوَ مُقَدِّمُهَا الْمُسَنَّمُ الَّذِي يُشْبِهُ جُؤْجُؤَ الطَّيْرِ وَهُوَ صَدْرُهُ، وَقَالَ
[ ٢ / ١٤٢ ]
مُجَاهِدٌ: تَمْخُرُ الرِّيحُ السُّفُنَ وَلَا يَمْخُرُ الرِّيحُ من السفن إلا العظام، وقوله جلَّ وعلا: ﴿لِتَبْتَغُواْ مِّن فَضْلِهِ﴾ أَيْ بِأَسْفَارِكُمْ بِالتِّجَارَةِ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ وَإِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ تَشْكُرُونَ رَبَّكُمْ عَلَى تَسْخِيرِهِ لَكُمْ هَذَا الْخَلْقَ الْعَظِيمَ وَهُوَ الْبَحْرُ، تَتَصَرَّفُونَ فِيهِ كَيْفَ شِئْتُمْ وَتَذْهَبُونَ أَيْنَ أَرَدْتُمْ، وَلَا يَمْتَنِعُ عليكم شيء منه، الجميع من فضله ورحمته.
[ ٢ / ١٤٣ ]
- ١٣ - يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ
- ١٤ - إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ
وَهَذَا أَيْضًا مِنْ قُدْرَتِهِ التَّامَّةِ وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ، فِي تَسْخِيرِهِ اللَّيْلَ بِظَلَامِهِ وَالنَّهَارَ بِضِيَائِهِ، وَيَأْخُذُ مِنْ طُولِ هَذَا فَيَزِيدُهُ فِي قِصَرِ هَذَا فَيَعْتَدِلَانِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ هَذَا فِي هَذَا فَيَطُولُ هَذَا وَيَقْصُرُ هَذَا، ثُمَّ يَتَقَارَضَانِ صَيْفًا وَشِتَاءً ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقمر﴾ أي والنجوم السيارات، الجميع يسيرون بمقدار مبين، وَعَلَى مِنْهَاجٍ مُقَنَّنٍ مُحَرَّرٍ، تَقْدِيرًا مِنْ عَزِيزٍ عَلِيمٍ، ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أَيْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أَيِ الَّذِي فَعَلَ هَذَا هُوَ الرَّبُّ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ أَيْ من الأصنام والأنداد الَّتِي هِيَ عَلَى صُورَةِ مَنْ تَزْعُمُونَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ قَالَ ابن عباس: الْقِطْمِيرُ هُوَ اللِّفَافَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلَى نَوَاةِ التَّمْرَةِ، أَيْ لَا يَمْلِكُونَ مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا بِمِقْدَارِ هَذَا الْقِطْمِيرِ، ثُمَّ قَالَ تعالى: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ﴾ يَعْنِي الْآلِهَةَ التي تدعونها من دون الله لا تسمع دُعَاءَكُمْ لِأَنَّهَا جَمَادٌ لَا أَرْوَاحَ فِيهَا، ﴿وَلَوْ سَمِعُواْ مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ أَيْ لَا يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مما تَطْلُبُونَ مِنْهَا، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أَيْ يتبرأون منكم، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزًّا * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ
وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أَيْ وَلَا يُخْبِرُكَ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ وَمَآلِهَا وَمَا تَصِيرُ إِلَيْهِ، مِثْلُ خَبِيرٍ بِهَا، قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي نَفْسَهُ ﵎ فَإِنَّهُ أَخْبَرُ بِالْوَاقِعِ لَا مَحَالَةَ.
[ ٢ / ١٤٣ ]
- ١٥ - يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
- ١٦ - إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
- ١٧ - وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
- ١٨ - وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
يُخْبِرُ تَعَالَى بِغَنَائِهِ عَمَّا سِوَاهُ وَبِافْتِقَارِ الْمَخْلُوقَاتِ كلها إليه، وتذللها بين يديه، فقال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ هُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْحَرَكَاتِ والسكنات، وهو تعالى الغني عنهم بالذات، ولهذا
[ ٢ / ١٤٣ ]
قال ﷿ ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أَيْ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْغِنَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ الْحَمِيدُ فِي جَمِيعِ مَا يَفْعَلُهُ وَيَقُولُهُ وَيُقَدِّرُهُ وَيُشَرِّعُهُ، وقوله تَعَالَى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أَيْ لَوْ شَاءَ لَأَذْهَبَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَأَتَى بِقَوْمٍ غَيْرِكُمْ وَمَا هَذَا عَلَيْهِ بِصَعْبٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ أَيْ وَإِنْ تَدْعُ نَفْسٌ مُثْقَلَةٌ بِأَوْزَارِهَا إِلَى أَنْ تُسَاعَدَ عَلَى حَمْلِ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْأَوْزَارِ أَوْ بَعْضِهِ ﴿لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قربى﴾ أي وإن كَانَ قَرِيبًا إِلَيْهَا حَتَّى وَلَوْ كَانَ أَبَاهَا أو ابنها، كل مشغول بنفسه وحاله، قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ الْآيَةَ، قَالَ: هُوَ الْجَارُ يَتَعَلَّقُ بِجَارِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ سَلْ هَذَا لِمَ كَانَ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونِي، وَإِنَّ الْكَافِرَ لَيَتَعَلَّقُ بِالْمُؤْمِنِ يَوْمَ القيامة فيقوله لَهُ: يَا مُؤْمِنُ إِنَّ لِي عِنْدَكَ يَدًا قد عرفت كيف كنت لك في الدينا، وَقَدِ احْتَجْتُ إِلَيْكَ الْيَوْمَ، فَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يَشْفَعُ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ، حَتَّى يَرُدَّهُ إِلَى مَنْزِلٍ دُونَ مَنْزِلِهِ، وَهُوَ فِي النَّارِ، وَإِنَّ الْوَالِدَ لَيَتَعَلَّقُ بِوَلَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ يَا بُنَيَّ أَيُّ وَالِدٍ كُنْتُ لَكَ فَيُثْنِي خَيْرًا، فَيَقُولُ لَهُ يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدِ احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى، فَيَقُولُ لَهُ وَلَدُهُ: يَا أَبَتِ مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ مَا تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا، ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِزَوْجَتِهِ فَيَقُولُ: يَا فُلَانَةُ أَوْ يَا هَذِهِ، أَيُّ زَوْجٍ كُنْتُ لَكِ فَتُثْنِي خَيْرًا، فَيَقُولُ لَهَا: إِنِّي أَطْلُبُ إِلَيْكِ حَسَنَةً واحدة تهبين لِي لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَيْنَ، قَالَ، فَتَقُولُ: مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا إِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الذي تتخوف، يقول الله تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ الْآيَةَ. وَيَقُولُ ﵎: ﴿لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن ولده شيئًا﴾، وَيَقُولُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يغنيه﴾، ثم قال ﵎: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ﴾ أَيْ إِنَّمَا يَتَّعِظُ بِمَا جِئْتَ بِهِ أُولُو الْبَصَائِرِ وَالنُّهَى، الْخَائِفُونَ مِنْ رَبِّهِمْ الْفَاعِلُونَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، ﴿وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ أَيْ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّمَا يَعُودُ عَلَى نَفْسِهِ، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أَيْ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، وَسَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شرا فشر.
[ ٢ / ١٤٤ ]
- ١٩ - وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ
- ٢٠ - وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ
- ٢١ - وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ
- ٢٢ - وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلاَ الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ
- ٢٣ - إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ
- ٢٤ - إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ
- ٢٥ - وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ
- ٢٦ - ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ
يَقُولُ تَعَالَى: كَمَا لَا تَسْتَوِي هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْمُتَبَايِنَةُ الْمُخْتَلِفَةُ كَالْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ، لَا يَسْتَوِيَانِ بَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَبَوْنٌ كَثِيرٌ، وَكَمَا لَا تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ، كَذَلِكَ لَا تَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلاَ الْأَمْوَاتُ، وهذا
[ ٢ / ١٤٤ ]
مثل ضربه الله تعالى لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُمُ الْأَحْيَاءُ، وَلِلْكَافِرِينَ وَهُمُ الْأَمْوَاتُ، كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿أَوْ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ منها﴾. وقال ﷿: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾؟ فالمؤمن بصير سميع فِي نُورٍ يَمْشِي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ حَتَّى يَسْتَقِرَّ بِهِ الْحَالُ فِي الجنات ذات الظلال والعيون، والكافر أعمى وأصم فِي ظُلُمَاتٍ يَمْشِي لَا خُرُوجَ لَهُ مِنْهَا، بَلْ هُوَ يَتِيهُ فِي غَيِّهِ وَضَلَالِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، حَتَّى يُفْضِيَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْحَرُورِ وَالسَّمُومِ وَالْحَمِيمِ ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ﴾ أَيْ يَهْدِيهِمْ إِلَى سَمَاعِ الْحُجَّةِ وَقَبُولِهَا وَالِانْقِيَادِ لَهَا ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ أَيْ كَمَا لا يَنْتَفِعُ الْأَمْوَاتُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَصَيْرُورَتِهِمْ إِلَى قُبُورِهِمْ وَهُمْ كُفَّارٌ بِالْهِدَايَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة لا حلية لَكَ فِيهِمْ، وَلَا تَسْتَطِيعُ هِدَايَتَهُمْ ﴿إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ﴾، أَيْ إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَالْإِنْذَارُ وَاللَّهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أَيْ بَشِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ وَنَذِيرًا لِلْكَافِرِينَ، ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أَيْ وَمَا مِنْ أُمَّةٍ خَلَتْ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَّا وَقَدْ بَعَثَ الله تعالى إِلَيْهِمُ النُّذُرَ وَأَزَاحَ عَنْهُمُ الْعِلَلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الْآيَةَ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. وَقَوْلُهُ ﵎: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وَهِيَ الْمُعْجِزَاتُ الْبَاهِرَاتُ وَالْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَاتُ، ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ وَهِيَ الْكُتُبُ، ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ أَيِ الْوَاضِحُ الْبَيِّنُ، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أَيْ وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ كَذَّبَ أُولَئِكَ رُسُلَهُمْ فِيمَا جَاءُوهُمْ بِهِ فَأَخَذْتُهُمْ أَيْ بِالْعِقَابِ وَالنَّكَالِ، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾ أَيْ فَكَيْفَ رَأَيْتَ إِنْكَارِي عَلَيْهِمْ عظيمًا شديدًا بليغًا؟ والله أعلم.
[ ٢ / ١٤٥ ]
- ٢٧ - أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ
- ٢٨ - وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العلماء إِنَّ الله عَزِيزٌ غفور
قول تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ فِي خَلْقِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُتَنَوِّعَةَ الْمُخْتَلِفَةَ مِنَ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يُنْزِلُهُ مِنَ السَّمَاءِ، يُخْرِجُ بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا مِنْ أَصْفَرَ وَأَحْمَرَ وَأَخْضَرَ وَأَبْيَضَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَلْوَانِ الثِّمَارِ، كما هو الشاهد مِنْ تَنَوُّعِ أَلْوَانِهَا وَطَعُومِهَا وَرَوَائِحِهَا، كَمَا قَالَ تعالى في الآية الأخرى: ﴿يُسْقَى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لِآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، وَقَوْلُهُ ﵎: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ أَيْ وَخَلَقَ الْجِبَالَ كَذَلِكَ مُخْتَلِفَةَ الْأَلْوَانِ كَمَا هُوَ الْمُشَاهِدُ أَيْضًا مِنْ بِيضٍ وَحُمْرٍ، وَفِي بَعْضِهَا طَرَائِقُ وَهِيَ الْجُدَدُ جَمْعُ جُدَّةٍ مُخْتَلِفَةُ الْأَلْوَانِ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ عباس: الجدد الطرائق، ومنها غرابيب سُودٌ، قَالَ عِكْرِمَةُ: الْغَرَابِيبُ الْجِبَالُ الطِّوَالُ السُّودُ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْعَرَبُ إِذَا وَصَفُوا الْأَسْوَدَ بِكَثْرَةِ السَّوَادِ، قَالُوا: أَسْوَدُ غِرْبِيبٌ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هَذَا مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ أي سود غرابيب، فيما قَالَهُ نَظَرٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ أي كذلك
[ ٢ / ١٤٥ ]
الْحَيَوَانَاتُ مِنَ الْأَنَاسِيِّ (وَالدَّوَابِّ) وَهُوَ كُلُّ مَا دب على القوائم (وَالْأَنْعَامِ) مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِ كَذَلِكَ هِيَ مُخْتَلِفَةٌ أَيْضًا، فَالنَّاسُ مِنْهُمْ بَرْبَرٌ وحبوش فِي غَايَةِ السَّوَادِ، وَصَقَالِبَةٌ وَرُومٌ فِي غَايَةِ الْبَيَاضِ، وَالْعَرَبُ بَيْنَ ذَلِكَ، وَالْهُنُودُ دُونَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الدَّوَابُّ وَالْأَنْعَامُ مُخْتَلِفَةُ الْأَلْوَانِ، حَتَّى فِي الجنس الواحد بل النوع الواحد، بَلِ الْحَيَوَانُ الْوَاحِدُ يَكُونُ أَبْلَقَ فِيهِ مِنْ هَذَا اللَّوْنِ، وَهَذَا اللَّوْنِ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخالقين، وقد روى الحافظ البزار في مسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقال: أيصبغ ربك؟ قال ﷺ: «نَعَمْ صَبْغًا لَا يُنْفَضُّ أَحْمَرَ وَأَصْفَرَ وَأَبْيَضَ» (قال ابن كثير: روي مُرْسَلًا وَمَوْقُوفًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ)، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ أَيْ إِنَّمَا يَخْشَاهُ حَقَّ خَشْيَتِهِ الْعُلَمَاءُ الْعَارِفُونَ بِهِ، لِأَنَّهُ كُلَّمَا كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ لِلْعَظِيمِ القدير أَتَمُّ وَالْعِلْمُ بِهِ أَكْمَلَ، كَانَتِ الْخَشْيَةُ لَهُ أعظم وأكثر.
قال ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قَالَ: الَّذِينَ يَعْلَمُونَ إن الله على كل شيء قدير، وعنه قال: العالم بالرحمن من عباده من لم يترك بِهِ شَيْئًا، وَأَحَلَّ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، وَحَفِظَ وَصِيَّتَهُ، وَأَيْقَنَ أَنَّهُ مُلَاقِيهِ وَمُحَاسَبٌ بِعَمَلِهِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْخَشْيَةُ هِيَ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﷿، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْعَالِمُ مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَرَغِبَ فِيمَا رَغِبَ اللَّهُ فِيهِ، وَزَهِدَ فِيمَا سَخِطَ اللَّهُ فِيهِ، ثُمَّ تَلَا الْحَسَنُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ الْعِلْمُ عَنْ كَثْرَةِ الْحَدِيثِ وَلَكِنَّ الْعِلْمَ عَنْ كَثْرَةِ الْخَشْيَةِ، وَقَالَ مالك: إِنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ وَإِنَّمَا الْعِلْمُ نور يجعله الله في القلب، وقال سفيان الثوري: كان يقال: العلماء ثلاثة، عالم بالله وعالم بِأَمْرِ اللَّهِ، وَعَالِمٌ بِاللَّهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَعَالِمٍ بِأَمْرِ اللَّهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِاللَّهِ، فَالْعَالِمُ بِاللَّهِ وَبِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِي يَخْشَى اللهَ تعالى وَيَعْلَمُ الْحُدُودَ وَالْفَرَائِضَ، وَالْعَالِمُ بِاللَّهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِي يَخْشَى اللَّهَ وَلَا يَعْلَمُ الحدود والفرائض، وَالْعَالِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِاللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ الْحُدُودَ وَالْفَرَائِضَ وَلَا يَخْشَى اللَّهَ ﷿.
[ ٢ / ١٤٦ ]
- ٢٩ - إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ
- ٣٠ - لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عِبَادِهِ المؤمنين، الذين يتلون كتابه ويؤمنون به، ويعلمون بِمَا فِيهِ مِنْ إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَالْإِنْفَاقِ مِمَّا رزقهم الله تعالى سرًا وعلانية بأنهم ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ أَيْ يَرْجُونَ ثَوَابًا عند الله لا بد من حصوله، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ﴾ أي ليوفيهم ثواب ما عملوه وَيُضَاعِفَهُ لَهُمْ بِزِيَادَاتٍ لَمْ تَخْطُرْ لَهُمْ، ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ أَيْ لِذُنُوبِهِمْ، ﴿شَكُورٌ﴾ لِلْقَلِيلِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ مُطَرَّفُ ﵀ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَقُولُ: هَذِهِ آيَةُ الْقُرَّاءِ.
[ ٢ / ١٤٦ ]
- ٣١ - وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ
⦗١٤٧⦘
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْكِتَابِ وَهُوَ الْقُرْآنُ ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أَيْ مِنَ الكتب المتقدمة يصدقها، كا شهدت هي لَهُ بِالتَّنْوِيهِ وَأَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ أَيْ هُوَ خَبِيرٌ بِهِمْ بَصِيرٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ مَا يُفَضِّلُهُ بِهِ عَلَى مَنْ سِوَاهُ، وَلِهَذَا فَضَّلَ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ عَلَى جَمِيعِ الْبَشَرِ، وَفَضَّلَ النَّبِيِّينَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ، وَجَعَلَ مَنْزِلَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوْقَ جَمِيعِهِمْ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
[ ٢ / ١٤٦ ]
- ٣٢ - ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
يَقُولُ تَعَالَى: ثُمَّ جَعَلْنَا الْقَائِمِينَ بِالْكِتَابِ الْعَظِيمِ، الْمُصَدِّقُ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وَهُمْ هَذِهِ الْأُمَّةُ ثُمَّ قسمهم إلى ثلاثة أنواع فقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وَهُوَ الْمُفَرِّطُ فِي فِعْلِ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ الْمُرْتَكِبُ لِبَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ، ﴿وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ وَهُوَ الْمُؤَدِّي لِلْوَاجِبَاتِ التَّارِكُ لِلْمُحَرَّمَاتِ وَقَدْ يَتْرُكُ بَعْضَ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَيَفْعَلُ بَعْضَ الْمَكْرُوهَاتِ، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللَّهِ﴾ وَهُوَ الْفَاعِلُ لِلْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات، قال ابن عباس فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ قَالَ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ورثهم الله تعالى كُلُّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ، فَظَالِمُهُمْ يُغْفَرُ لَهُ، وَمُقْتَصِدُهُمْ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَسَابِقُهُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حساب، روى الطبراني عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَالْمُقْتَصِدُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ وَأَصْحَابُ الْأَعْرَافِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ عِوَجٍ وَتَقْصِيرٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الأمة ولا من المصطفين الوارثين للكتاب. رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ قال: هو الكافر، وقال مجاهد فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ قَالَ: هم أصحاب المشأمة، وقال الحسن وَقَتَادَةَ: هُوَ الْمُنَافِقُ، ثُمَّ قَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ كَالْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ وَآخِرِهَا. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ، وَكَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ طُرُقٍ يَشُدُّ بعضها بعضًا، ونحن إن شاء الله تعالى نُورِدُ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَالَ الْإِمَامُ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللَّهِ﴾ قَالَ: «هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَكُلُّهُمْ فِي الجنة» (الحديث غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ لم يسم، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ أخرى يتقوى بها هذا الحديث)، وَمَعْنَى قَوْلِهِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ: أَيْ فِي أَنَّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ فَرْقٌ فِي الْمَنَازِلِ فِي الجنة. الحديث الثاني: قال الإمام أحمد عن أبي
[ ٢ / ١٤٧ ]
الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللَّهِ﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يُحَاسِبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَمَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُحْبَسُونَ فِي طُولِ الْمَحْشَرِ، ثُمَّ هم الذين تلافاهم الله بِرَحْمَتِهِ، فَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يسمنا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ ". الحديث الثالث: قال الحافظ الطبراني عَنْ أُسامة بْنِ زَيْدٍ ﵄: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله﴾ الْآيَةَ، قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ»، الْحَدِيثُ الرابع: قال ابن أبي حاتم عن عوف بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أمتي ثلاثة أثلاث، فَثُلُثٌ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، وَثُلُثٌ يُحَاسَبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَثُلُثٌ يُمَحَّصُونَ وَيُكْشَفُونَ، ثُمَّ تَأْتِي الْمَلَائِكَةُ فَيَقُولُونَ: وَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، يقول الله تعالى: صَدَقُوا، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا أَدْخِلُوهُمُ الْجَنَّةَ، بِقَوْلِهِمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ وَاحْمِلُوا خَطَايَاهُمْ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ (أخرجه ابن أبي حاتم وهو غريب جدًا كما قال ابن كثير).
(أثر عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁).
قَالَ ابن جرير عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قال: إن هذه الأمة ثلاث أَثْلَاثٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُلُثٌ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَثُلُثٌ يُحَاسَبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَثُلُثٌ يَجِيئُونَ بذنوب عظام حتى يقول الله ﷿ مَا هَؤُلَاءِ؟ وَهُوَ أَعْلَمُ ﵎، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: هَؤُلَاءِ جَاءُوا بِذُنُوبٍ عِظَامٍ إِلَّا أَنَّهُمْ لم يشركوا بك شيئًا، فَيَقُولُ الرَّبُّ ﷿: أَدْخِلُوا هَؤُلَاءِ فِي سعة رحمتي، وتلا عبد الله ﵁ هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الْآيَةَ. أَثَرٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عن عقبة بن صبهان الْهُنَائِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عن قول اللَّهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ الْآيَةَ، فَقَالَتْ لِي: «يَا بُنَيَّ هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ، أَمَّا السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ فَمَنْ مَضَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَيَاةِ والرزق، وأما المقتصد فمن اتبع أثرًا مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى لَحِقَ بِهِ، وَأَمَّا الظَّالِمُ لنفسه فمثلي ومثلكم، قال فجعلت نفسها ﵂ مَعَنَا»، وَهَذَا مِنْهَا ﵂ مِنْ بَابِ الْهَضْمِ وَالتَّوَاضُعِ، وَإِلَّا فَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ السَّابِقَيْنِ بِالْخَيْرَاتِ لِأَنَّ فَضْلَهَا عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ. وقال عوف الأعرابي، عن كعب الأحبار ﵀ قال: إن للظالم لنفسه من هذه الأمة، والمتقصد، وَالسَّابِقَ بِالْخَيْرَاتِ كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا - إلى قوله ﷿ - وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ قَالَ: فَهَؤُلَاءِ أهل النار (رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَوْفٍ عن كعب الأحبار)، وعن محمد بن الحنفية ﵁ قَالَ: إِنَّهَا أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، الظَّالِمُ مَغْفُورٌ لَهُ،
[ ٢ / ١٤٨ ]
وَالْمُقْتَصِدُ فِي الْجِنَانِ عِنْدَ اللَّهِ، وَالسَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ في الدرجات عند الله. فَهَذَا مَا تَيَسَّرَ مِنْ إِيرَادِ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا الْمَقَامِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَإِنَّ الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة في هذه الأمة، والعلماء أَغْبَطُ النَّاسِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِهَذِهِ الرحمة، فإنهم كما روى الإمام أحمد ﵀ عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: قَدِمَ رَجُلٌ من أهل المدينة إلى أبي الدرداء ﵁ وَهُوَ بِدِمَشْقَ، فَقَالَ: مَا أَقْدَمَكَ أَيْ أَخِي؟ قَالَ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قال: أَمَا قَدِمْتَ لِتِجَارَةٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَمَا قَدِمْتَ لِحَاجَةٍ؟ قَالَ" لَا. قَالَ: أَمَا قَدِمْتَ إِلَّا فِي طَلَبِ هَذَا الْحَدِيثِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قال ﵁، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «من سلك طريقًا يطلب فيها علمًا سلك الله تعالى بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِلْعَالَمِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى الحِيتان فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالَمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ على سائر الكواكب، وإن الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فمن أخذ به أحذ بحظ وافر» (أخرجه الإمام أحمد ورواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة). وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ (سُورَةِ طه) حَدِيثُ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْعُلَمَاءِ إِنِّي لَمْ أَضَعْ عِلْمِي وَحِكْمَتِي فِيكُمْ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَغْفِرَ لَكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ وَلَا أُبَالِي».
[ ٢ / ١٤٩ ]
- ٣٣ - جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ
- ٣٤ - وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
- ٣٥ - الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لغوب
يخبر تعالى أن هَؤُلَاءِ الْمُصْطَفَيْنَ مِنْ عِبَادِهِ الَّذِينَ أَوْرَثُوا الْكِتَابَ المنزل من رب العالمين يوم القيامة، مأواهم جَنَّاتُ عَدْنٍ، أَيْ جَنَّاتُ الْإِقَامَةِ يَدْخُلُونَهَا يَوْمَ معادهم وقدومهم على الله ﷿ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁
عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ»
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾، وَلِهَذَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِمْ في الدنيا فأباحه الله تعالى لهم في الْآخِرَةِ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ». وقال: «هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ». وقال ابن أبي حاتم، عن أبي أُمَامَةَ ﵁ حدَّث أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ذكر حُلِيَّ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَقَالَ: «مُسَوَّرُونَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، مُكَلَّلَةٌ بِالدُّرِّ، وَعَلَيْهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ مُتَوَاصِلَةٌ، وَعَلَيْهِمْ تَاجٌ كَتَاجِ الْمُلُوكِ، شَبَابٌ جُرْدٌ مرد مكحولون». ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ وَهُوَ الْخَوْفُ مِنَ الْمَحْذُورِ أَزَاحَهُ عَنَّا وَأَرَاحَنَا مِمَّا كُنَّا نَتَخَوَّفُهُ وَنَحْذَرُهُ مِنْ هُمُومِ الدُّنْيَا والآخرة، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ عَلَى أَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وحشة في قبورهم ولا نشورهم، وَكَأَنِّي بِأَهْلِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) يَنْفُضُونَ التراب عن رؤوسهم وَيَقُولُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ» (أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عمر مرفوعًا). وروى الطبراني، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ عَلَى أَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وحشة في الموت ولا في
[ ٢ / ١٤٩ ]
القبور وَلَا فِي النُّشُورِ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ عِنْدَ الصحية ينفضون رؤوسهم مِنَ التُّرَابِ يَقُولُونَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ"، قَالَ ابن عباس: غَفَرَ لَهُمُ الْكَثِيرَ مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَشَكَرَ لَهُمُ الْيَسِيرَ مِنَ الْحَسَنَاتِ ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ يَقُولُونَ: الَّذِي أَعْطَانَا هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ، وَهَذَا الْمَقَامَ مِنْ فَضْلِهِ وَمَنِّهِ وَرَحْمَتِهِ، لَمْ تَكُنْ أَعْمَالُنَا تُسَاوِي ذَلِكَ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عملُه الجنةَ» قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ تعالى بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ» ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ أَيْ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا عَنَاءٌ وَلَا إِعْيَاءٌ، والنَصب وَاللُّغُوبُ كُلٌّ مِنْهُمَا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّعَبِ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ يَنْفِي هَذَا وَهَذَا عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا تَعَبَ عَلَى أَبْدَانِهِمْ وَلَا أَرْوَاحِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَدْئَبُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي الْعِبَادَةِ فِي الدُّنْيَا، فَسَقَطَ عَنْهُمُ التَّكْلِيفُ بِدُخُولِهَا، وَصَارُوا فِي راحة دائمة مستمرة، قال الله ﵎: ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُوا هَنِيئًَا بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الخالية﴾.
[ ٢ / ١٥٠ ]
- ٣٦ - وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ
- ٣٧ - وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نصير
لما ذكر ﵎ حال السعداء شرع في بيان ما للأشقياء، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ﴾، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا ولا يحيى﴾، وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَلَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يحيون»، وقال ﷿: ﴿وَنَادَوْاْ يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إنكم ماكثون﴾ فهم في حالهم يَرَوْنَ مَوْتَهُمْ رَاحَةً لَهُمْ، وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾، كما قال ﷿: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مبلسون﴾، وقال جلَّ وعلا: ﴿كلما خبت زنادهم سعيرًا﴾، ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إلا عذابًا﴾، ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كفور﴾ أي هذا الجزاء كُلِّ مَنْ كَفَرَ بِرَبِّهِ وَكَذَّبَ بِالْحَقِّ، وَقَوْلُهُ جلت عظمته: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ أَيْ يُنَادُونَ فِيهَا يَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ ﷿ بِأَصْوَاتِهِمْ: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ أَيْ يَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا لِيَعْمَلُوا غَيْرَ عَمَلِهِمْ الْأَوَّلِ، وَقَدْ عَلِمَ الرَّبُّ ﷻ أَنَّهُ لَوْ رَدَّهُمْ إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا ﴿لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فَلِهَذَا لَا يُجِيبُهُمْ إلى سؤالهم، ولذا قال ههنا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النذير﴾؟ أي أو ما عِشْتُمْ فِي الدُّنْيَا أَعْمَارًا، لَوْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يَنْتَفِعُ بِالْحَقِّ لَانْتَفَعْتُمْ بِهِ فِي مُدَّةِ عُمْرِكُمْ؟ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مِقْدَارِ الْعُمُرِ الْمُرَادِ ههنا، فروي أنه مقدار سبع عشرة سنة (هذا قول علي ابن الحسين زين العابدين ﵄)، وَقَالَ قَتَادَةُ: اعْلَمُوا أَنَّ طُولَ الْعُمُرِ حُجَّةٌ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نُعَيَّرَ بِطُولِ الْعُمُرِ، قَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ وَإِنَّ فِيهِمْ لِابْنِ ثَمَانِي عشرة سنة، وقال وهب بن منبه ﴿أَوَلَمْ
[ ٢ / ١٥٠ ]
نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ قَالَ: عشرين سنة، وقال الحسن: أربعين سنة، وقال مسروق: إِذَا بَلَغَ أَحَدُكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَلْيَأْخُذْ حِذْرَهُ مِنَ اللَّهِ ﷿ (وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنِ ابن عباس ﵄). وروى ابن جرير عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: العمر الذي أعذر الله لابن آدَمَ ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ أربعون سنة، وهذا هو اختيار ابن جرير، ثم روي عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ لِابْنِ آدَمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ سِتُّونَ سَنَةً، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أصح عن ابن عباس ﵄، وَهِيَ الصَّحِيحَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَيْضًا، لِمَا ثبت في ذلك من الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لقد أعذر الله تعالى إِلَى عَبْدٍ أَحْيَاهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ أَوْ سبعين سنة، لقد أعذر الله تعالى إليه، لقد أعذر الله تعالى إليه» (أخرجه الإمام أحمد وفي لفظ للنسائي «من عمّره الله تعالى سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ إِلَيْهِ فِي الْعُمْرِ». وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَعْذَرَ اللَّهُ ﷿ إِلَى امْرِئٍ أخر عمره حتى بلغ ستين سنة»، وفي رواية: «مَنْ أَتَتْ عَلَيْهِ سِتُّونَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ الله ﷿ إليه في العمر» (أخرجه ابن أبي حاتم والإمام أحمد). وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْعُمُرَ الطَّبِيعِيَّ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَالْإِنْسَانُ لَا يَزَالُ فِي ازْدِيَادٍ إِلَى كَمَالِ السِّتِّينَ، ثُمَّ يَشْرَعُ بَعْدَ هَذَا فِي النَّقْصِ وَالْهَرَمِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا بَلَغَ الْفَتَى سِتِّينَ عَامًا * فَقَدْ ذَهَبَ الْمَسَرَّةُ وَالْفَتَاءُ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا هُوَ الْعُمُرُ الذي يعذر الله تعالى إلى عباده به، ويزيح عَنْهُمُ الْعِلَلَ، كَانَ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَعْمَارِ هذه الأمة، كما ورد بذلك الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ وأقلهم من يجوز ذلك» (أخرجه الترمذي وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ). وقوله تعالى: ﴿وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وقتادة أَنَّهُمْ قَالُوا: يَعْنِي الشَّيْبَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ وَعَبْدُ الرحمن بن زيد: يعني بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأولى﴾ وهذا هو الصحيح عن قتادة أَنَّهُ قَالَ: احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِالْعُمُرِ وَالرُّسُلِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ أَيْ لَقَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْحَقَّ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ فَأَبَيْتُمْ وَخَالَفْتُمْ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وَقَالَ ﵎: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ * فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ أَيْ فَذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ، جَزَاءً عَلَى مُخَالَفَتِكُمْ لِلْأَنْبِيَاءِ فِي مدة أعمالكم، فَمَا لَكَمَ الْيَوْمَ نَاصِرٌ يُنْقِذُكُمْ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالْأَغْلَالِ.
[ ٢ / ١٥١ ]
- ٣٨ - إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
- ٣٩ - هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ⦗١٥٢⦘ الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا
يُخْبِرُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ يَعْلَمُ ما تكنه السرائر، ما تنطوي عَلَيْهِ الضَّمَائِرُ، وَسَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، ثُمَّ قال ﷿ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ يخلف قوم لآخرين وجيل لجيل قبلهم، ﴿فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أَيْ فَإِنَّمَا يَعُودُ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ ﴿وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتًا﴾ أَيْ كُلَّمَا اسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ أَبْغَضُهُمُ اللَّهُ تعالى، وَكُلَّمَا اسْتَمَرُّوا فِيهِ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُمْ كُلَّمَا طَالَ عُمُرُ أَحَدِهِمْ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، ارْتَفَعَتْ دَرَجَتُهُ وَمَنْزِلَتُهُ فِي الْجَنَّةِ وَزَادَ أَجْرُهُ، وَأَحَبَّهُ خَالِقُهُ وَبَارِئُهُ رَبُّ العالمين.
[ ٢ / ١٥١ ]
- ٤٠ - قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا
- ٤١ - إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا
يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ، ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أَيْ لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ﴾ أَيْ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ كتابًا بما يقولونه مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ﴿بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا﴾ أَيْ بَلْ إِنَّمَا اتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ أَهْوَاءَهُمْ وَأَمَانِيَّهُمُ الَّتِي تَمَنَّوْهَا لِأَنْفُسِهِمْ، وَهِيَ غُرُورٌ وَبَاطِلٌ وَزُورٌ، ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ، الَّتِي بِهَا تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ عَنْ أَمْرِهِ، وَمَا جُعِلَ فِيهِمَا مِنَ الْقُوَّةِ الْمَاسِكَةِ لَهُمَا فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولاَ﴾ أَيْ أَنْ تَضْطَرِبَا عَنْ أَمَاكِنِهِمَا كَمَا قال ﷿ ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾، ﴿وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾ أَيْ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَوَامِهِمَا وَإِبْقَائِهِمَا إِلَّا هُوَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ حَلِيمٌ غَفُورٌ، أَيْ يَرَى عِبَادَهُ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِهِ وَيَعْصُونَهُ، وَهُوَ يَحْلُمُ فَيُؤَخِّرُ وَيَنْظُرُ وَيُؤَجِّلُ وَلَا يَعْجَلُ، ويستر آخرين ويغفر، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إن الله تعالى لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ أَوِ النَّارُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ».
[ ٢ / ١٥٢ ]
- ٤٢ - وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا
- ٤٣ - اسْتِكْبَارًا فِي الأرض ومكر السيء وَلاَ يَحِيقُ المكر السيء إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ
[ ٢ / ١٥٢ ]
فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ أَنَّهُمْ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ قَبْلَ إِرْسَالِ الرَّسُولِ إِلَيْهِمْ ﴿لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ أَيْ مِنْ جَمِيعِ الأمم الذين أرسل إليهم الرسل، كقوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وهدى ورحمة﴾، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ المخلصين. فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يعلمون﴾، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِمَا أُنْزِلَ مَعَهُ مِنَ الْكِتَابِ الْعَظِيمِ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْمُبِينُ ﴿مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا﴾ أي ما زادوا إِلَّا كُفْرًا إِلَى كُفْرِهِمْ، ثُمَّ بيَّن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ أَيِ اسْتَكْبَرُوا عَنِ اتباع آيات الله، ﴿وَمَكْرَ السيء﴾ أَيْ وَمَكَرُوا بِالنَّاسِ فِي صَدِّهِمْ إِيَّاهُمْ عَنْ سبيل الله، ﴿وَلاَ يَحِيقُ المكر السيء إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ أَيْ وَمَا يَعُودُ وَبَالُ ذَلِكَ إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: ثَلَاثٌ مِنْ فَعَلَهُنَّ لَمْ يَنْجُ حَتَّى يَنْزِلَ بِهِ، مِنْ مَكْرٍ، أَوْ بَغْيٍ، أَوْ نَكْثٍ، وَتَصْدِيقُهَا فِي كتاب الله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِيقُ المكر السيء إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾، ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ﴾، ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ﴾، وقوله ﷿: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ يَعْنِي عُقُوبَةَ اللَّهِ لَهُمْ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ وَمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَهُ، ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ أَيْ لَا تُغَيَّرُ وَلَا تُبَدَّلُ بَلْ هِيَ جَارِيَةٌ كَذَلِكَ فِي كُلِّ مُكَذِّبٍ ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ أَيْ ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ﴾ ولا يكشف ذلك عنهم ولا يتولهم عنهم أحد، والله أعلم.
[ ٢ / ١٥٣ ]
- ٤٤ - أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا
- ٤٥ - وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا
يَقُولُ تعالى: قل يا محد لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ، بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الرِّسَالَةِ، سِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ، كَيْفَ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فخلت مِنْهُمْ مَنَازِلُهُمْ، وَسُلِبُوا مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ النعيم، بَعْدَ كَمَالِ الْقُوَّةِ وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ، وَكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، فَمَا أَغْنَى ذَلِكَ شَيْئًا وَلَا دَفَعَ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، لأنه تعالى لا يعجزه شيء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ أَيْ عَلِيمٌ بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ، قَدِيرٌ عَلَى مَجْمُوعِهَا، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ﴾ أَيْ لَوْ آخَذَهُمْ بِجَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ لَأَهْلَكَ جميع أهل السماوات والأرض، وما يملكونه من دواب وأرزاق، قال سعيد بن جبير والسدي في قوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ﴾ أَيْ لَمَا سَقَاهُمُ الْمَطَرُ فَمَاتَتْ جَمِيعُ الدَّوَابِّ ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أَيْ وَلَكِنْ يُنْظِرُهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيُحَاسِبُهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَيُوَفِّي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، فَيُجَازِي بِالثَّوَابِ أَهْلَ الطَّاعَةِ، وَبِالْعِقَابِ أهل المعصية، ولهذا قال ﵎: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بصيرًا﴾.
[ ٢ / ١٥٣ ]