[١٩٥]، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي﴾ [آل عمران: ١٩٥] أي: بأني: ﴿لَا أُضِيعُ﴾ [آل عمران: ١٩٥] لَا أُحْبِطُ، ﴿عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران: ١٩٥] قَالَ مُجَاهِدٌ: «قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْمَعُ اللَّهَ يَذْكُرُ الرِّجَالَ فِي الْهِجْرَةِ وَلَا يَذْكُرُ النِّسَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ»، ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥] قَالَ الْكَلْبِيُّ: فِي الدِّينِ وَالنُّصْرَةِ وَالْمُوَالَاةِ، وَقِيلَ: كُلُّكُمْ مِنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: رِجَالُكُمْ شَكْلُ نِسَائِكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ شَكْلُ رِجَالِكُمْ فِي الطَّاعَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧١] ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ [آل عمران: ١٩٥] أَيْ: فِي طَاعَتِي وَدِينِي، وَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ مكة، ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٩٥] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ (قتلوا) بِالتَّشْدِيدِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي أَنَّهُمْ قُطِّعُوا فِي الْمَعْرَكَةِ، وَالْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ: (وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا) يُرِيدُ أَنَّهُمْ قَاتَلُوا الْعَدُوَّ ثُمَّ أَنَّهُمْ قُتِلُوا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (قتلوا وَقَاتَلُوا) وَلَهُ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ وَقَاتَلَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ (وَقُتِلُوا) أَيْ: قُتِلَ بَعْضُهُمْ، تَقُولُ الْعَرَبُ قَتَلْنَا بَنِي فُلَانٍ وَإِنَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ (وَقُتِلُوا) وَقَدْ قَاتَلُوا، ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] نُصِبَ عَلَى الْقَطْعِ قَالَهُ الْكِسَائِيُّ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: مَصْدَرٌ، أَيْ: لَأُثِيبَنَّهُمْ ثَوَابًا، ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آلِ عُمْرَانَ: ١٩٥]
[١٩٦]، قَوْلُهُ ﷿: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي رَخَاءٍ وَلِينٍ مِنَ الْعَيْشِ يَتَّجِرُونَ وَيَتَنَعَّمُونَ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ أَعْدَاءَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا نَرَى مِنَ الْخَيْرِ، وَنَحْنُ فِي الْجَهْدِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [آلِ عمران: ١٩٦] وَضَرْبُهُمْ فِي الْأَرْضِ وَتَصَرُّفُهُمْ فِي الْبِلَادِ
[ ١٦٢ ]
لِلتِّجَارَاتِ وَأَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ، فَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ منه غيره.
[١٩٧]، ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧] أي: هو متاع قليل، بلغة فَانِيَةٌ وَمُتْعَةٌ زَائِلَةٌ، ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٧] مصيرهم، ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] الْفِرَاشُ.
[١٩٨] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا﴾ [آل عمران: ١٩٨] جَزَاءً وَثَوَابًا، ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] نُصِبَ عَلَى التَّفْسِيرِ، وَقِيلَ: جَعَلَ ذَلِكَ نُزُلًا، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] من متاع الدنيا.
[١٩٩]، قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] هو الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَأَنَسٌ وَقَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ ملك الحبشة، وَقَالَ عَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ نجران أَرْبَعِينَ رَجُلًا اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ مِنَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَثَمَانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ، كَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى ﵇، فَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ كُلِّهِمْ، ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩] يَعْنِي: الْقُرْآنَ، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩] يَعْنِي: التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] خَاضِعِينَ مُتَوَاضِعِينَ لِلَّهِ، ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ١٩٩] يَعْنِي: لَا يُحَرِّفُونَ كُتُبَهُمْ وَلَا يَكْتُمُونَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأَجْلِ الرِّيَاسَةِ وَالْمَأْكَلَةِ، كَفِعْلِ غَيْرِهِمْ مِنْ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]
[٢٠٠] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] قَالَ الْحَسَنُ: اصْبِرُوا عَلَى دِينِكُمْ ولا ندعوه لِشِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: اصبروا على طاعة أدته، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: عَلَى الْجِهَادِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ. على البلاء، وصابروا يعني: على قتال الْكُفَّارَ، وَرَابِطُوا يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ، قَالَ أبو عبيدة: أي دافعوا وَاثْبُتُوا، وَالرَّبْطُ الشَّدُّ، وَأَصْلُ الرِّبَاطِ أن يربط خُيُولَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ خُيُولَهُمْ، ثُمَّ قِيلَ: ذلك لكم مُقِيمٍ فِي ثَغْرٍ يَدْفَعُ عَمَّنْ وَرَاءَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مركب، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما عليها، ولروحة يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا»، وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِ النَّبِيُّ ﷺ غَزْوٌ يُرَابَطُ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ انْتِظَارُ الصلاة بعد الصلاة، ودليل هذا التأويل قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] قَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ اللِّسَانِ: اصْبِرُوا عَلَى النَّعْمَاءِ وَصَابِرُوا عَلَى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَرَابِطُوا فِي دَارِ الْأَعْدَاءِ وَاتَّقُوا إِلَهَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فِي دَارِ الْبَقَاءِ.