فَقَالُوا: لَيْسَ لَكُمْ عَلَيْنَا حَقٌّ، وَلَا عِنْدَنَا قَضَاءٌ لِأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ دِينَكُمْ وَانْقَطَعَ الْعَهْدُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ ﷿ وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥] ثُمَّ قَالَ رَدًّا عَلَيْهِمْ:
[٧٦] ﴿بَلَى﴾ [آل عمران: ٧٦] أَيْ: لَيْسَ كَمَا قَالُوا بَلْ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: ﴿مَنْ أَوْفَى﴾ [آل عمران: ٧٦] أَيْ: وَلَكِنَّ مَنْ أَوْفَى ﴿بِعَهْدِهِ﴾ [آل عمران: ٧٦] أَيْ: بِعَهْدِ اللَّهِ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِ فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْقُرْآنِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَقِيلَ: الْهَاءُ فِي عَهْدِهِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمُوفِي ﴿وَاتَّقَى﴾ [آل عمران: ٧٦] الْكَفْرَ وَالْخِيَانَةَ وَنَقْضَ الْعَهْدِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦]
[٧٧] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] قَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي رُؤُوسِ الْيَهُودِ كَتَمُوا مَا عَهِدَ اللَّهَ إِلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَبَدَّلُوهُ وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ غَيْرَهُ وَحَلَفُوا أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِئَلَّا يَفُوتَهُمُ الْمَآكِلُ وَالرِّشَا الَّتِي كَانَتْ لهم من أتباعهم. (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ) أَيْ: يَسْتَبْدِلُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ، وَأَرَادَ الْأَمَانَةَ، وَأَيْمَانِهِمْ الْكَاذِبَةِ ثَمَنًا قَلِيلًا أَيْ: شَيْئًا قَلِيلًا مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا، ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] لَا نَصِيبَ لَهُمْ ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧] ونعيمها ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧] كَلَامًا يَنْفَعُهُمْ وَيَسُرُّهُمْ، وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْغَضَبِ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ: إِنِّي لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا إِذَا كَانَ غَضِبَ عَلَيْهِ، ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧] أَيْ: لَا يَرْحَمُهُمْ وَلَا يُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُنِيلُهُمْ خَيْرًا، ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] أَيْ: لَا يُثْنِي عَلَيْهِمْ بِالْجَمِيلِ وَلَا يُطَهِّرُهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]
[٧٨] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا﴾ [آل عمران: ٧٨] يَعْنِي: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَفَرِيقًا أَيْ: طَائِفَةً، وَهُمْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ وَحُيَيُّ بن أخطب وأبو يا سر وشعبة بن عمرو الشاعر، ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨] أَيْ: يَعْطِفُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّغْيِيرِ، وَهُوَ مَا غَيَّرُوا مِنْ صِفَةِ النَّبِيُّ ﷺ وَآيَةِ الرَّجْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، يُقَالُ: لوى لسانه عن كذا أي: غيره، ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ [آل عمران: ٧٨] أَيْ: لِتَظُنُّوا مَا حَرَّفُوا ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨] الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [آل عمران: ٧٨] عمدًا، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى جَمِيعًا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ حَرَّفُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَأَلْحَقُوا بِكِتَابِ اللَّهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ تَعَالَى مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ] وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ. . . .
[٧٩] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] الْآيَةَ، قَالَ مُقَاتِلٌ وَالضَّحَّاكُ: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ [آل عمران: ٧٩] يَعْنِي: عِيسَى ﵇، وَذَلِكَ أَنَّ نَصَارَى نَجْرَانَ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ عِيسَى أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوهُ رَبًّا فَقَالَ تَعَالَى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ يَعْنِي: عِيسَى ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] أي الْإِنْجِيلَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ [آل عمران: ٧٩] يَعْنِي مُحَمَّدًا ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] أَيِ الْقُرْآنَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا رَافِعٍ الْقُرَظِيَّ مِنَ الْيَهُودِ، وَالرَّئِيسَ مِنْ نَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ قَالَا: يَا مُحَمَّدُ تُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَكَ وَنَتَّخِذَكَ رَبًّا فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أن آمر بعبادة غير الله، وما بذلك أمرني الله، وما بذلك بعثني، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ [آل عمران: ٧٩] أَيْ مَا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور: ١٦] أَيْ مَا يَنْبَغِي لَنَا، وَالْبَشَرُ: جَمِيعُ بَنِي آدَمَ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، كَالْقَوْمِ وَالْجَيْشِ، وَيُوضَعُ مَوْضِعَ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ﴾ [آل عمران: ٧٩] الْفَهْمَ وَالْعِلْمَ، وَقِيلَ: إِمْضَاءَ الْحُكْمِ عَنِ اللَّهِ ﷿، ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ [آل عمران: ٧٩] المنزلة الرفيعة بالإنباء، ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا﴾ [آل عمران: ٧٩] أَيْ: وَلَكِنْ يَقُولُ كُونُوا، ﴿رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] اختلفوا فِيهِ، قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ: كُونُوا فُقَهَاءَ عُلَمَاءَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: حُكَمَاءَ وَعُلَمَاءَ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ:
[ ١٣٤ ]
الْعَالِمُ الَّذِي يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فُقَهَاءَ مُعَلِّمِينَ، وَقِيلَ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قبل كباره، وقال عطاء: حكماء وعلماء ونصحاء لِلَّهِ فِي خَلْقِهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: سَمِعْتُ رَجُلًا عَالِمًا يَقُولُ: الرَّبَّانِيُّ الْعَالِمُ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْأَمْرِ والنهي العارف بِأَنْبَاءِ الْأُمَّةِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَقِيلَ: الرَّبَّانِيُّونَ فَوْقَ الْأَحْبَارِ، والأحبار فوق الْعُلَمَاءُ، وَالرَّبَّانِيُّونَ الَّذِينَ جَمَعُوا مَعَ العلم البصائر بِسِيَاسَةِ النَّاسِ، قَالَ الْمُؤَرِّجُ: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ تَدِينُونَ لِرَبِّكُمْ، مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ، كَانَ فِي الْأَصْلِ رَبِّيٌّ فَأُدْخِلَتِ الْأَلِفُ لِلتَّفْخِيمِ، ثُمَّ أُدْخِلَتِ النُّونُ لِسُكُونِ الْأَلِفِ، كَمَا قِيلَ: صَنْعَانِيٌّ وَبَهْرَانِيٌّ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: هُمْ أَرْبَابُ الْعِلْمِ سُمُّوا بِهِ لِأَنَّهُمْ يُرَبُّونَ الْعِلْمَ، وَيَقُومُونَ بِهِ وَيُرَبُّونَ الْمُتَعَلِّمِينَ بِصِغَارِ الْعُلُومِ قَبْلَ كِبَارِهَا، وَكُلُّ من قام بإصلاح الشيء وَإِتْمَامِهِ فَقَدْ رَبَّهُ يَرُبُّهُ، وَاحِدُهَا: ربان كما قالوا: ربان وعطشان وشبعان، ثم ضمت إليه ياء النسبة، كما يقال: الحياني وَرَقَبَانِيٌّ، وَحُكِيَ عَنْ عَلَيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الذي يربي علمه بعمله، قال محمد ابن الحنفية يوم مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْيَوْمَ مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ [آل عمران: ٧٩] أَيْ: بِمَا أَنْتُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] أَيْ: مَنْ هُوَ فِي الْمَهْدِ ﴿تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] قرأ ابن عامر وعاصم وَالْكِسَائِيُّ تُعَلِّمُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّعْلِيمِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (تَعْلَمُونَ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْعِلْمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] أي: تقرؤون.
[٨٠] قوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ [آل عمران: ٨٠] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ بِنَصْبِ الرَّاءِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: (ثُمَّ يَقُولَ)، فَيَكُونُ مَرْدُودًا عَلَى الْبَشَرِ، أَيْ: وَلَا يَأْمُرُ ذَلِكَ الْبَشَرُ، وَقِيلَ: عَلَى إِضْمَارِ (أَنْ) أَيْ: وَلَا أَنْ يَأْمُرَكُمْ ذَلِكَ الْبَشَرُ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، مَعْنَاهُ: وَلَا يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٌ: وَلَا يَأْمُرُكُمْ مُحَمَّدٌ، ﴿أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: ٨٠] كَفِعْلِ قُرَيْشٍ وَالصَّابِئِينَ حَيْثُ قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حَيْثُ قَالُوا فِي الْمَسِيحِ وَعُزَيْرٍ مَا قَالُوا، ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] قالوا له عَلَى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ وَالْإِنْكَارِ، يَعْنِي: لا يقوله هَذَا.
[٨١] قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: ٨١] قَرَأَ حَمْزَةُ لِمَا بِكَسْرِ اللَّامِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا، فَمَنْ كَسَرَ اللَّامَ فَهِيَ لَامُ الْإِضَافَةِ دَخَلَتْ على ما الموصولة، ومعناه: إن الَّذِي يُرِيدُ لِلَّذِي آتَيْتُكُمْ، أَيْ: أَخَذَ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لِأَجْلِ الَّذِي آتاهم من الكتاب والحكمة وأنهم أَصْحَابُ الشَّرَائِعِ، وَمَنْ فَتَحَ اللَّامَ فَمَعْنَاهُ: لِلَّذِي آتَيْتُكُمْ، بِمَعْنَى الْخَبَرِ، وَقِيلَ: بِمَعْنَى الْجَزَاءِ، أَيْ لَئِنْ آتَيْتُكُمْ وَمَهْمَا آتَيْتُكُمْ، وَجَوَابُ الْجَزَاءِ، قوله: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) قَوْلُهُ (لَمَا آتَيْتُكُمْ) قَرَأَ
[ ١٣٥ ]
نَافِعٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ (آتَيْنَاكُمْ) عَلَى التَّعْظِيمِ كَمَا قَالَ: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٦٣] ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١٢] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ لِمُوَافَقَةِ الْخَطِّ، وَلِقَوْلِهِ، (وَأَنَا مَعَكُمْ) وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْذَ الْمِيثَاقِ عَلَى النَّبِيِّينَ خَاصَّةً أن يبلغوا كتاب الله ورسالته إِلَى عِبَادِهِ، وَأَنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهُمْ بعضا، وأخذ العهود عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ أَنْ يُؤْمِنَ بِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وينصره إن أدركه، فإن لَمْ يُدْرِكْهُ أَنْ يَأْمُرَ قَوْمَهُ بِنُصْرَتِهِ إِنْ (أَدْرَكُوهُ)، فَأَخَذَ الْمِيثَاقَ مِنْ مُوسَى أَنْ يُؤْمِنَ بِعِيسَى، وَمِنْ عِيسَى أَنْ يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: بِمَا أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْهُمْ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَعَلَى هَذَا اختلفوا فمنهم مَنْ قَالَ: إِنَّمَا أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ أَرْسَلَ مِنْهُمُ النَّبِيِّينَ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] وَإِنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ مَبْعُوثًا إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ دُونَ النَّبِيِّينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وإنما الْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] فَأَرَادَ: أَنَّ اللَّهَ أَخَذَ مِيثَاقَ النبيين أن يأخذوا الميثاق إلى أُمَمِهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَيُصَدِّقُوهُ وَيَنْصُرُوهُ، إِنْ أَدْرَكُوهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ عَلَى النَّبِيِّينَ، وَأُمَمِهِمْ جَمِيعًا فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَاكْتَفَى بذكر الأنبياء لأن العهد على الْمَتْبُوعِ عَهْدٌ عَلَى الْأَتْبَاعِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَمْ يبعث الله نبيا آدم فمن بعده إلا أخذ عليه الميثاق والعهد فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ، وَأَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى قَوْمِهِ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَئِنْ بُعِثَ وَهُمْ أَحْيَاءٌ لَيَنْصُرُنَّهُ، قَوْلُهُ: (ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ)، يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) قال: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْأَنْبِيَاءِ حِينَ اسْتَخْرَجَ الذُّرِّيَّةَ مِنْ صُلْبِ آدَمَ ﵇ وَالْأَنْبِيَاءُ فِيهِمْ كَالْمَصَابِيحِ وَالسُّرُجِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ فِي أَمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٨١] أَيْ: قَبِلْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ عَهْدِي، وَالْإِصْرُ: الْعَهْدُ الثَّقِيلُ، ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ﴾ [آل عمران: ٨١] الله تعالى ﴿فَاشْهَدُوا﴾ [آل عمران: ٨١] أَيْ: فَاشْهَدُوا أَنْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَعَلَى أَتْبَاعِكُمْ، ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] عَلَيْكُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاشْهَدُوا، أَيْ فَاعْلَمُوا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ فَاشْهَدُوا عَلَيْهِمْ كِنَايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ.
[٨٢] ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٨٢] الإقرار، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢] العاصون الخارجون عن الإيمان.
[٨٣] قَوْلُهُ ﷿: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] وَذَلِكَ «أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ اخْتَلَفُوا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ "، فَغَضِبُوا وَقَالُوا: لَا نَرْضَى بِقَضَائِكَ وَلَا نَأْخُذُ بِدِينِكَ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ [آل عمران: ٨٣] خَضَعَ وَانْقَادَ، ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آلُ عِمْرَانَ: ٨٣] فَالطَّوْعُ: الِانْقِيَادُ وَالِاتِّبَاعُ بِسُهُولَةٍ، وَالْكُرْهُ: مَا كَانَ بِمَشَقَّةٍ وَإِبَاءٍ مِنَ النَّفْسِ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: (طَوْعًا وَكَرْهًا) قَالَ الْحَسَنُ: أَسْلَمَ أَهْلُ السموات طَوْعًا وَأَسْلَمَ مَنْ فِي الْأَرْضِ بَعْضُهُمْ طَوْعًا وَبَعْضُهُمْ كَرْهًا خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ وَالسَّبْيِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: طَوْعًا الْمُؤْمِنُ، وَكَرْهَا ذَلِكَ الْكَافِرُ، وَقِيلَ: هَذَا يَوْمُ الْمِيثَاقِ حِينَ قَالَ لَهُمْ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٧٢] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: طَوْعًا وَبَعْضُهُمْ: كَرْهًا، وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمُؤْمِنُ من أسلم طوعًا فنفعه الإيمان، وَالْكَافِرُ أَسْلَمَ كَرْهًا فِي وَقْتِ اليأس فلم ينفعه الإسلام، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ اسْتِعَاذَتُهُمْ بِهِ عِنْدَ اضْطِرَارِهِمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٦٥]
[ ١٣٦ ]
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: طَوْعًا الَّذِي وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ، وَكَرْهًا الَّذِينَ أُجْبِرُوا عَلَى الْإِسْلَامِ مِمَّنْ يُسْبَى مِنْهُمْ فَيُجَاءُ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] لأن مرجح جَمِيعِ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ ﷿.
[٨٤] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤] ذَكَرَ الْمِلَلَ وَالْأَدْيَانَ وَاضْطِرَابَ النَّاسِ فِيهَا، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّ يَقُولَ: آمَنَّا بِاللَّهِ الْآيَةَ.