[٥٧]، ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧] في التيه تقيكم حرَّ الشَّمْسِ والغمامُ مِنَ الْغَمِّ، وَأَصْلُهُ: التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ، سُمي السَّحَابُ غَمَامًا لِأَنَّهُ يُغطي وَجْهَ الشَّمْسِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي التِّيهِ كُنٌّ يَسْتُرُهُمْ فَشَكَوْا إِلَى مُوسَى فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى غَمَامًا أَبْيَضَ رَقِيقًا أَطْيَبَ مِنْ غَمَامِ الْمَطَرِ، وَجَعَلَ لَهُمْ عَمُودًا مِنْ نُورٍ يُضيء لَهُمُ اللَّيْلَ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَمَرٌ، ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧] أي: في التيه، والأكثرون: عن أَنَّ الْمَنَّ هُوَ التَّرَنْجَبِينُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ شَيْءٌ كَالصَّمْغِ كَانَ يَقَعُ عَلَى الْأَشْجَارِ طَعْمُهُ كَالشَّهْدِ، وَقَالَ وَهْبٌ: هُوَ الْخُبْزُ الرُّقَاقُ، قال الزجاج: جملة المنّ من يَمُنُّ اللَّهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تعب ﴿كُلُوا﴾ [البقرة: ٥٧] أَيْ: وَقُلْنَا لَهُمْ كُلُوا: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ [البقرة: ٥٧] حلالات، ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧] وَلَا تَدَّخِرُوا لغدٍ، فَفَعَلُوا فَقَطَعَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، ودوَّد وَفَسَدَ مَا ادَّخَرُوا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] أَيْ: وَمَا بَخَسُوا بِحَقِّنَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بِاسْتِيجَابِهِمْ عَذَابِي، وَقَطْعِ مَادَّةِ الرِّزْقِ الَّذِي كَانَ يُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ بِلَا مُؤْنَةٍ فِي الدُّنْيَا وَلَا حِسَابٍ فِي الْعُقْبَى.
[٥٨]، قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] سُمِّيَتِ الْقَرْيَةُ قَرْيَةً لِأَنَّهَا تَجْمَعُ أَهْلَهَا، وَمِنْهُ الْمِقْرَاةُ لِلْحَوْضِ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ الْمَاءَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: هِيَ أَرِيحَاءُ وَقِيلَ: بَلْقَاءُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ الرَّمْلَةُ وَالْأُرْدُنُّ وَفِلَسْطِينُ وَتَدْمُرُ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِيلِيَا، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: الشَّامُ، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة: ٥٨] موسعًا عليكم ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾ [البقرة: ٥٨] يَعْنِي: بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْقَرْيَةِ، وَكَانَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴿سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨] أَيْ: رُكّعًا خُضَّعًا مُنْحَنِينَ، وَقَالَ وَهْبٌ: فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَاسْجُدُوا شُكْرًا لله تعالى، ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] قَالَ قَتَادَةُ: حُطَّ عَنَّا خَطَايَانَا، أمروا بالاستغفار، وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، لأنها تحط الذنوب ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] مِنَ الْغَفْرِ وَهُوَ السَّتْرُ، فَالْمَغْفِرَةُ: تستر الذنوب ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨] ثوابًا من فضلنا.
[٥٩] ﴿فَبَدَّلَ﴾ [البقرة: ٥٩] فغير ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩] أَنْفُسَهُمْ، وَقَالُوا: ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ بَدَّلُوا قَوْلَ الْحِطَّةِ بالحنطة استخفافًا بأمر الله تعالى ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٥٩] قِيلَ: أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَاعُونًا فَهَلَكَ مِنْهُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] يَعْصُونَ وَيَخْرُجُونَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تعالى.
[قوله تَعَالَى وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب] بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا
[٦٠] ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى﴾ [البقرة: ٦٠] طلب السقيا ﴿لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَطِشُوا فِي التِّيهِ فَسَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ فَفَعَلَ، فَأَوْحَى إِلَيْهِ كَمَا قَالَ: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ﴾ [البقرة: ٦٠] وكانت مِنْ آسِ الْجَنَّةِ حَمَلَهَا آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَوَارَثَهَا الْأَنْبِيَاءُ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى شُعَيْبٍ ﵇، فأعطاها موسى ﵇، قوله تعالى: ﴿الْحَجَرَ﴾ [البقرة: ٦٠] اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ وَهْبٌ: لَمْ يَكُنْ حَجَرًا مُعَيَّنًا بَلْ كَانَ مُوسَى يَضْرِبُ أَيَّ حَجَرٍ كَانَ مِنْ عُرْضِ الْحِجَارَةِ فَيَنْفَجِرُ عُيُونًا، لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا ثُمَّ تُسِيلُ كُلُّ عَيْنٍ فِي جَدْوَلٍ إِلَى السِّبْطِ الَّذِي أُمِرَ أَنْ يَسْقِيَهُمْ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: كَانَ حَجَرًا مُعَيَّنًا بِدَلِيلٍ أنه عرّفه بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ حَجَرًا خَفِيفًا مُرَبَّعًا عَلَى قَدْرِ رَأْسِ الرَّجُلِ، كَانَ يَضَعُهُ فِي مِخْلَاتِهِ فَإِذَا احْتَاجُوا إِلَى الماء وضعه وضربه بعصاه، قوله تعالى: ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] أَيْ:
[ ٣١ ]
فَضَرَبَ فَانْفَجَرَتْ أَيْ سَالَتْ، ﴿مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠] عَلَى عَدَدِ الْأَسْبَاطِ، ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠] مَوْضِعَ شُرْبِهِمْ، لَا يُدْخِلُ سِبْطٌ عَلَى غَيْرِهِ فِي شُرْبِهِ، ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦٠] أَيْ: وَقُلْنَا لَهُمْ: كُلُوا مِنْ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى وَاشْرَبُوا مِنَ الْمَاءِ فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَا مَشَقَّةٍ، ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠] والعثي، أَشَدُّ الْفَسَادِ، يُقَالُ: عَثَى يَعْثِي عثيًا، وعثا يعثوا عثوًا، وعاث يعيث عيثًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى:
[٦١] ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا وَسَئِمُوا مِنْ أَكْلِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى وَإِنَّمَا قَالَ: عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ وَهُمَا اثْنَانِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُعَبِّرُ عَنِ الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ كَمَا تُعَبِّرُ عَنِ الواحد بلفظ الاثنين وَقِيلَ: كَانُوا يَأْكُلُونَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ فكانا كطعام واحد ﴿فَادْعُ لَنَا﴾ [البقرة: ٦١] فسل لِأَجْلِنَا ﴿رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا﴾ [البقرة: ٦١] قال ابن عباس: الفوم الْخُبْزُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: الْحِنْطَةُ، وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤكل كُلُّهَا، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الثوم، ﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ﴾ [البقرة: ٦١] لَهُمْ مُوسَى ﵇: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ [البقرة: ٦١] أخس وأردأ ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] أشرف وأفضل ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١] يَعْنِي: فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا ذَلِكَ فَانْزِلُوا مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ مِصْرُ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَهُ لَمْ يَصْرِفْهُ، ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١] من نبات الأرض، ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ [البقرة: ٦١] جُعلت عليهم، وألزموا: ﴿الذِّلَّةُ﴾ [البقرة: ٦١] والذل والهوان، قيل: بالجزية ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] الْفَقْرُ، سُمي الْفَقِيرُ مِسْكِينًا لِأَنَّ الْفَقْرَ أَسْكَنَهُ وَأَقْعَدَهُ عَنِ الْحَرَكَةِ، فَتَرَى الْيَهُودَ وَإِنْ كَانُوا مَيَاسِيرَ كَأَنَّهُمْ فُقَرَاءُ، وَقِيلَ: الذِّلَّةُ هِيَ فَقْرُ الْقَلْبِ فَلَا تَرَى فِي أَهْلِ الْمِلَلِ أَذَلَّ وَأَحْرَصَ عَلَى الْمَالِ مِنَ الْيَهُودِ، ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١] رجعوا، ولا يقال: باءَ إلّا بالشر، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: احْتَمَلُوا وَأَقَرُّوا بِهِ، وَمِنْهُ الدُّعَاءُ أبوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وأبوءُ بِذَنْبِي، أَيْ: أقر، ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦١] أَيِ: الْغَضَبُ، ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١] بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَآيَةِ الرَّجْمِ فِي التَّوْرَاةِ، وَيَكْفُرُونَ بِالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ٦١] تَفَرَّدَ نَافِعٌ بِهَمْزِ النَّبِيِّ وَبَابِهِ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: الْمُخْبِرُ، مِنْ أَنْبَأَ يُنبئ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ تَرْكُ الْهَمْزَةِ، وَلَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا هُوَ أَيْضًا مِنَ الْإِنْبَاءِ تُرِكَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَالثَّانِي: هُوَ بِمَعْنَى الرَّفِيعِ مَأْخُوذٌ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ (النَّبِيِّينَ) عَلَى الْأَصْلِ، ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١] أي بلا جرم ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١] يَتَجَاوَزُونَ أَمْرِي وَيَرْتَكِبُونَ مَحَارِمِي.
[ ٣٢ ]
[٦٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة: ٦٢] يَعْنِي: الْيَهُودَ، سُمُّوا بِهِ لِقَوْلِهِمْ إِنَّا هُدنا إِلَيْكَ، أَيْ: مِلْنَا إِلَيْكَ، وَقِيلَ. لِأَنَّهُمْ هَادُوا، أَيْ: تَابُوا عَنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ مَالُوا عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَعَنْ دِينِ مُوسَى ﵇ ﴿وَالنَّصَارَى﴾ [البقرة: ٦٢] سُموا بِهِ لِقَوْلِ الْحَوَارِيِّينَ: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا قَرْيَةً يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ، وَقِيلَ: لِاعْتِزَائِهِمْ إِلَى نَصِرَةَ وَهِيَ قَرْيَةٌ كَانَ يَنْزِلُهَا عِيسَى ﵇ ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٢] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالصَّابِينَ وَالصَّابُونَ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ، وَالْبَاقُونَ بِالْهَمْزَةِ، وَأَصْلُهُ الْخُرُوجُ، يُقَالُ: صَبَأَ فُلَانٌ أَيْ خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ آخر، قال عمر بن الخطاب وَابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ أهل الكتاب، قال عمر: تحل ذبائحهم مثل ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا مناكحتهم، ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٦٢] فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي ابْتِدَاءِ الْآيَةِ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا؟ قِيلَ: اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْآيَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى التَّحْقِيقِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ الْمَبْعَثِ وَهُمْ طُلَّابُ الدِّينِ، مِثْلَ حَبِيبٍ النَّجَّارِ، وَقُسِّ بْنِ ساعدة، وسلمان الفارسي، فَمِنْهُمْ مَنْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وتابعه، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَقِيلَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَقِيلَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالَّذِينَ هَادُوا الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ مُوسَى ﵇ وَلَمْ يُبَدِّلُوا، وَالنَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى ﵇ وَلَمْ يُغَيِّرُوا وَمَاتُوا عَلَى ذَلِكَ وَالصَّابِئُونَ زَمَنَ اسْتِقَامَةِ أَمْرِهِمْ، مَنْ آمَنَ أَيْ: مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الإيمانِ بالوفاة، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ مُضْمَرًا، أَيْ: وَمَنْ آمَنَ بَعْدَكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمَذْكُورِينَ بِالْإِيمَانِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِالْأَنْبِيَاءِ الْمَاضِينَ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِكَ وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِمُ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ اعْتَقَدُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ بَعْدَ التَّبْدِيلِ، وَالصَّابِئُونَ بَعْضُ أَصْنَافِ الْكُفَّارِ، مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر من هَذِهِ الْأَصْنَافُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٦٢] وَإِنَّمَا ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِأَنَّ (مَن) يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وَالْمُذَكِّرِ وَالْمُؤَنَّثِ ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦٢] فِي الدُّنْيَا ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] فِي الْآخِرَةِ.
[٦٣] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ [البقرة: ٦٣] عَهْدَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣] وهو الجبل بالسريانية قال ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى جَبَلًا مِنْ جِبَالِ فِلَسْطِينَ فَانْقَلَعَ مِنْ أَصْلِهِ حَتَّى قَامَ عَلَى رؤوسهم، وذلك أن اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ
[ ٣٣ ]
عَلَى مُوسَى ﵇، فَأَمَرَ مُوسَى قَوْمَهُ أَنْ يَقْبَلُوهَا وَيَعْمَلُوا بِأَحْكَامِهَا، فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوهَا لِلْآصَارِ والأنفال الَّتِي هِيَ فِيهَا، وَكَانَتْ شَرِيعَةً ثَقِيلَةً، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ ﵇ فَقَلَعَ جَبَلًا عَلَى قدر عسكرهم فرفعه فوق رؤوسهم مثل قَامَةِ الرَّجُلِ كَالظُّلَّةِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ لَمْ تَقْبَلُوا التَّوْرَاةَ أَرْسَلْتُ هذا الجبل عليكم ﴿خُذُوا﴾ [البقرة: ٦٣] أَيْ: قُلْنَا لَهُمْ خُذُوا ﴿مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٦٣] أعطيناكم ﴿بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣] بجدّ واجتهاد ومواظبة، ﴿وَاذْكُرُوا﴾ [البقرة: ٦٣] وادرسوا ﴿مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] وقيل: احفظوا واعملوا ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣] لِكَيْ تَنْجَوْا مِنَ الْهَلَاكِ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ فِي العُقبى، فَإِنَّ قَبِلْتُمْ وَإِلَّا رَضَخْتُكُمْ بِهَذَا الْجَبَلِ فَلَمَّا رَأَوْا أنْ لَا مَهْرَبَ لَهُمْ عَنْهَا قَبِلُوا وَسَجَدُوا، وَجَعَلُوا يُلَاحِظُونَ الْجَبَلَ وَهُمْ سُجُودٌ فَصَارَ سنة في اليهود لا يَسْجُدُونَ إِلَّا عَلَى أَنْصَافِ وُجُوهِهِمْ وَيَقُولُونَ بِهَذَا السُّجُودِ رُفِعَ الْعَذَابُ عنا.
[٦٤] ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [البقرة: ٦٤] أعرضتم ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٤] من بعدما قَبِلْتُمُ التَّوْرَاةَ، ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [البقرة: ٦٤] يَعْنِي بِالْإِمْهَالِ وَالْإِدْرَاجِ وَتَأْخِيرِ الْعَذَابِ عنكم، ﴿لَكُنْتُمْ﴾ [البقرة: ٦٤] لصرتم ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤] مِنَ الْمَغْبُونِينَ بِالْعُقُوبَةِ وَذَهَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقِيلَ: مِنَ الْمُعَذَّبِينَ فِي الحال كأنه رحمهم بالإمهال.
[٦٥]، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] أَيْ: جَاوَزُوا الْحَدَّ، وَأَصْلُ السَّبْتِ الْقَطْعُ، قِيلَ: سُمي يَوْمُ السَّبْتِ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَطَعَ فِيهِ الْخَلْقَ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْيَهُودَ أُمروا فِيهِ بِقَطْعِ الْأَعْمَالِ وَالْقِصَّةُ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا زَمَنَ دَاوُدَ ﵇ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْدَ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ، فَكَانَ إِذَا دَخَلَ السَّبْتُ لَمْ يَبْقَ حُوتٌ فِي البحر إلا اجتمع، فإذا مضى السبت تفرقن ولزمن قعر الْبَحْرِ فَلَا يُرى شَيْءٌ مِنْهَا، ثُمَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ وَسْوَسَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: إِنَّمَا نُهيتم عَنْ أَخْذِهَا يَوْمَ السَّبْتِ، فَعَمَدَ رِجَالٌ فَحَفَرُوا الْحِيَاضَ حَوْلَ الْبَحْرِ، وَشَرَّعُوا مِنْهُ إِلَيْهَا الْأَنْهَارَ، فإِذا كَانَتْ عَشِيَّةُ الْجُمْعَةِ فَتَحُوا تِلْكَ الْأَنْهَارَ فَأَقْبَلَ الْمَوْجُ بِالْحِيتَانِ إِلَى الْحِيَاضِ فَلَا يَقْدِرْنَ عَلَى الْخُرُوجِ لِبُعْدِ عُمْقِهَا وَقِلَّةِ مَائِهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ أَخَذُوهَا، وَقِيلَ: كَانُوا يَسُوقُونَ الْحِيتَانَ إِلَى الْحِيَاضِ يَوْمَ السَّبْتِ وَلَا يَأْخُذُونَهَا، ثُمَّ يَأْخُذُونَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ، وَقِيلَ كَانُوا يَنْصِبُونَ الْحَبَائِلَ وَالشُّخُوصَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، ويُخرجونها يَوْمَ الْأَحَدِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ زَمَانًا وَلَمْ تنزل عليهم عقوبة، فتجرؤوا على الذنب وقالوا: وَقَدْ أحِلّ لَنَا، فَأَخَذُوا وَأَكَلُوا وَمَلَّحُوا وَبَاعُوا وَاشْتَرَوْا وَكَثُرَ مَالُهُمْ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ صَارَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ - وَكَانُوا نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا - ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ أَمْسَكَ وَنَهَى، وَصِنْفٌ أَمْسَكَ وَلَمْ يَنْهَ، وَصِنْفٌ انْتَهَكَ الْحُرْمَةَ، وَكَانَ النَّاهُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَلَمَّا أَبَى الْمُجْرِمُونَ قَبُولَ نُصْحِهِمْ قَالُوا: وَاللَّهِ لَا نُساكِنكم فِي قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَسَّمُوا الْقَرْيَةَ بِجِدَارٍ وَعَبَرُوا بِذَلِكَ سَنَتَيْنِ، فَلَعَنَهُمْ دَاوُدُ ﵇ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَخَرَجَ النَّاهُونَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ بَابِهِمْ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمُجْرِمِينَ أَحَدٌ وَلَمْ يَفْتَحُوا بَابَهُمْ، فلما أبطؤوا تَسَوَّرُوا عَلَيْهِمُ الْحَائِطَ فَإِذَا هُمْ جميع قِرَدَةً لَهَا أَذْنَابٌ يَتَعَاوَوْنَ، قَالَ قَتَادَةُ: صَارَ الشُّبَّانُ قِرَدَةً وَالشُّيُوخُ خَنَازِيرَ، فَمَكَثُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ هلكوا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥] أمر تحويل وتكوين، ﴿خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] مُبعدين مطرودين والخسأ: الطرد والإبعاد.