[١٤٥] ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ﴾ [آل عمران: ١٤٥] قَالَ الْأَخْفَشُ: اللَّامُ فِي (لِنَفْسٍ) منقولة من تموت تقديره: وما كان نَفْسٌ لِتَمُوتَ، ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] بقضائه وَقَدَرِهِ، وَقِيلَ: بِعِلْمِهِ، وَقِيلَ: بِأَمْرِهِ، ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥] أَيْ: كَتَبَ لِكُلِّ نَفْسٍ أَجَلًا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى تَغْيِيرِهِ وتأخيره، ونصب كتابا عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: كَتَبَ كِتَابًا، ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥] يَعْنِي: مَنْ يُرِدْ بِطَاعَتِهِ الدُّنْيَا وَيَعْمَلْ لَهَا نُؤْتِهِ مِنْهَا مَا يَكُونُ جَزَاءً لِعَمَلِهِ، يُرِيدُ نُؤْتِهِ منها ما يشاء مما قَدَّرْنَاهُ لَهُ، كَمَا قَالَ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٨] نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ تَرَكُوا الْمَرْكَزَ يَوْمَ أُحُدٍ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ، ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥] أَيْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ الْآخِرَةَ، قِيلَ: أَرَادَ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ أَمِيرِهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ حَتَّى قتلوا، ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥] أي المؤمنين المطيعين.
[١٤٦] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] معناه: وَكَمْ، وَهِيَ كَافُ التَّشْبِيهِ ضُمَّتْ إِلَى أَيٍّ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ، وَلَمْ يَقَعْ التنوين صُورَةٌ فِي الْخَطِّ إِلَّا فِي هذا الحرف خاصة، (قَاتَلَ) قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ بِضَمِّ الْقَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (قَاتَلَ) فَمَنْ قَرَأَ (قَاتَلَ) فَلِقَوْلِهِ: (فَمَا وَهَنُوا) وَيَسْتَحِيلُ وَصْفُهُمْ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَهِنُوا بَعْدَمَا قُتِلُوا، لِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: مَا سَمِعْنَا أَنَّ نَبِيًّا قُتِلَ فِي الْقِتَالِ، وَلِأَنَّ (قَاتَلَ) أَعَمُّ، قَالَ أبو عبيدة: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا حَمِدَ مَنْ قَاتَلَ كَانَ مَنْ قُتِلَ دَاخِلًا فِيهِ، وَإِذَا حَمِدَ مَنْ قَتَلَ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ غَيْرُهُمْ، فَكَانَ (قَاتَلَ) أَعَمُّ، وَمَنْ قَرَأَ (قُتِلَ) فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ رَاجِعًا إِلَى النَّبِيِّ وَحْدَهُ، فَيَكُونُ تَمَامُ الْكَلَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ (قُتِلَ)، وَيَكُونُ فِي الْآيَةِ إِضْمَارٌ مَعْنَاهُ: وَمَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، كَمَا يُقَالُ: قُتِلَ فَلَانٌ مَعَهُ جَيْشٌ كَثِيرٌ، أَيْ: وَمَعَهُ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ نَالَ النَّبِيَّ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الرِّبِّيِّينَ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ: بَعْضَ مَنْ مَعَهُ، تَقُولُ الْعَرَبُ قَتَلْنَا بَنِي فُلَانٍ، وَإِنَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَيَكُونُ قوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٦] رَاجِعًا إِلَى الْبَاقِينَ، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ لِلرِّبِّيِّينَ لَا غَيْرَ، وَقَوْلُهُ: (رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الرِّبِّيُّونَ الْأُلُوفُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ الرِّبِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ: عَشْرَةُ آلَافٍ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الرِّبِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ: أَلْفٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ: فُقَهَاءُ عُلَمَاءُ وَقِيلَ: هُمُ الْأَتْبَاعُ، وَالرَّبَّانِيُّونَ والربيون الولاة والرعية، وَقِيلَ: مَنْسُوبٌ إِلَى الرَّبِّ وَهُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ، (فَمَا وَهَنُوا) أي: فما جبنوا، ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا﴾ [آل عمران: ١٤٦] عَنِ الْجِهَادِ بِمَا نَالَهُمْ مِنْ أَلَمِ الْجِرَاحِ، وَقَتْلِ الْأَصْحَابِ. ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران: ١٤٦] قَالَ مُقَاتِلٌ: وَمَا اسْتَسْلَمُوا وَمَا خَضَعُوا لِعَدُوِّهِمْ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: وَمَا ذلوا، وقال عَطَاءٌ: وَمَا تَضَرَّعُوا، وَقَالَ أَبُو العالية: وما جبنوا ولكن صَبَرُوا عَلَى أَمْرِ رَبِّهِمْ وَطَاعَةِ نَبِيِّهِمْ وَجِهَادِ عَدُوِّهِمْ، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]
[١٤٧] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٧] نُصِبَ عَلَى خَبَرِ كَانَ، وَالِاسْمُ فِي أَنْ قَالُوا، وَمَعْنَاهُ: وَمَا كَانَ قَوْلُهُمْ عِنْدَ قَتْلِ نَبِيِّهِمْ، ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] أَيِ: الصَّغَائِرَ، ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] أي: الكبائر، ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] كَيْ لَا تَزُولَ، ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧] فيقول: فَهَلَّا فَعَلْتُمْ وَقُلْتُمْ مِثْلَ ذَلِكَ يا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ.
[١٤٨] ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤٨] النُّصْرَةَ وَالْغَنِيمَةَ، ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] أي الْأَجْرَ وَالْجَنَّةَ، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨]
[قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ] كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ. . . .
[١٤٩] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٤٩] يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁، يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِهِمْ: لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ: ارْجِعُوا إِلَى إِخْوَانِكُمْ وَادْخُلُوا فِي دينهم،
[ ١٥٠ ]
﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٩] يرجعوكم إلى أول أمركم من الشرك بالله، ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩] مَغْبُونِينَ.
[١٥٠] ثُمَّ قَالَ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٠] ناصركم وحافظكم على دينكم الإسلام، ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠]
[١٥١] ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَالْمُشْرِكِينَ لَمَّا ارْتَحَلُوا يَوْمَ أُحُدٍ مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ مَكَّةَ انْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا بَلَغُوا بَعْضَ الطَّرِيقِ، نَدِمُوا وَقَالُوا: بِئْسَ مَا صَنَعْنَا قَتَلْنَاهُمْ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ تَرَكْنَاهُمُ، ارْجِعُوا فَاسْتَأْصِلُوهُمْ، فَلَمَّا عَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، حَتَّى رَجَعُوا عما هموا به، فذلك قوله تعالى (سَنُلْقِي) أَيْ: سَنَقْذِفُ فِي قُلُوبِ الذين كفروا الرعب، الخوف ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١] حُجَّةً وَبُرْهَانًا، ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٥١] مَقَامُ الْكَافِرِينَ.
[١٥٢] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ إِلَى المدينة من أحد، قد أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ، قَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: مِنْ أَيْنَ أَصَابَنَا هَذَا؟ وَقَدْ وَعَدَنَا اللَّهُ النَّصْرَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢] وذلك أن الظفر كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الِابْتِدَاءِ، ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] وَذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ أُحُدًا خَلْفَ ظَهْرِهِ وَاسْتَقْبَلَ الْمَدِينَةَ وَجَعَلَ عَيْنَيْنَ وَهُوَ جَبَلٌ عَنْ يَسَارِهِ وَأَقَامَ عَلَيْهِ الرُّمَاةَ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وَقَالَ لَهُمُ: احْمُوا ظُهُورَنَا فَإِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا فَلَا تَشْرَكُونَا وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا نُقَتَّلُ فَلَا تَنْصُرُونَا، وَأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ فَأَخَذُوا فِي الْقِتَالِ فَجَعَلَ الرُّمَاةُ يَرْشُقُونَ خَيْلَ الْمُشْرِكِينَ بِالنَّبْلِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَضْرِبُونَهُمْ بِالسُّيُوفِ، حَتَّى وَلَّوْا هَارِبِينَ» فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ) أَيْ تَقْتُلُونَهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا بِقَضَاءِ اللَّهِ، قَالَ أَبُو عبيدة: (الحس): الِاسْتِئْصَالُ بِالْقَتْلِ ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] أَيْ إِنْ جَبُنْتُمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَلَمَّا فَشِلْتُمْ، ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] فالواو زائدة في (وَتَنَازَعْتُمْ) يعني: إِذَا فَشِلْتُمْ تَنَازَعْتُمْ، وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: حَتَّى إِذَا تَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ فَشِلْتُمْ، وَمَعْنَى التَّنَازُعِ الِاخْتِلَافُ، وَكَانَ اخْتِلَافُهُمْ أَنَّ الرُّمَاةَ اخْتَلَفُوا حِينَ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: انْهَزَمَ الْقَوْمُ فَمَا مُقَامُنَا؟ وَأَقْبَلُوا عَلَى الْغَنِيمَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُجَاوِزُوا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَثَبَتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ دُونَ الْعَشْرَةِ، فَلَمَّا رَأَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ذَلِكَ حَمَلُوا عَلَى الرُّمَاةِ فَقَتَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وَأَصْحَابَهُ، وأقبلوا على المسلمين وجاءت الرِّيحُ
[ ١٥١ ]
فَصَارَتْ دَبُوَرًا بَعْدَ مَا كَانَتْ صبا، وانقضت صُفُوفَ الْمُسْلِمِينَ وَاخْتَلَطُوا فَجَعَلُوا يَقْتُلُونَ عَلَى غَيْرِ شِعَارٍ يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مَا يَشْعُرُونَ مِنَ الدَّهَشِ، وَنَادَى إِبْلِيسُ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قتل، فكان ذلك سبب هزيمة المسلمين، قوله تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] يَعْنِي: الرَّسُولَ ﷺ وَخَالَفْتُمُ أَمْرَهُ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] الله ﴿مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الظَّفَرِ وَالْغَنِيمَةِ، ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٥٢] يَعْنِي: الَّذِينَ تَرَكُوا الْمَرْكَزَ وَأَقْبَلُوا عَلَى النَّهْبِ، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] يَعْنِي: الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ حَتَّى قُتِلُوا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا شَعَرْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ الدُّنْيَا حَتَّى كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] أَيْ رَدَّكُمْ عَنْهُمْ بِالْهَزِيمَةِ، ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] لِيَمْتَحِنَكُمْ، وَقِيلَ: لُيُنْزِلَ الْبَلَاءَ عَلَيْكُمْ ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة منكم لأمر نبيكم، ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]
[١٥٣] ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣] يَعْنِي: وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ إِذْ تصعدون هاربين وَالْإِصْعَادُ: السَّيْرُ فِي مُسْتَوَى الْأَرْضِ، وَالصُّعُودُ: الِارْتِفَاعُ عَلَى الْجِبَالِ وَالسُّطُوحِ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُقَالُ أَصْعَدْتَ إِذَا مَضَيْتَ حِيَالَ وَجْهِكَ، وَصَعِدْتَ إِذَا ارْتَقَيْتَ فِي جَبَلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: أَصْعَدَ إِذَا أبعد في الذهاب ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣] أَيْ: لَا تَعْرُجُونَ وَلَا تُقِيمُونَ على أحد، لا يَلْتَفِتُ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] أَيْ: فِي آخِرِكُمْ وَمِنْ وَرَائِكُمْ إلي عباد الله أنا رَسُولُ اللَّهِ مَنْ يَكِرُّ فَلَهُ الجنة، ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] فَجَازَاكُمْ، جَعَلَ الْإِثَابَةَ بِمَعْنَى الْعِقَابِ، وَأَصْلُهَا فِي الْحَسَنَاتِ لِأَنَّهُ وَضَعَهَا مَوْضِعَ الثَّوَابِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] جَعَلَ الْبِشَارَةَ فِي الْعَذَابِ، وَمَعْنَاهُ: جعل مكان الثواب الذين كنتم ترجون ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣] وَقِيلَ: الْبَاءُ بِمَعْنَى عَلَى، أَيْ: غَمًّا عَلَى غَمٍّ، وَقِيلَ: غَمَّا مُتَّصِلًا بِغَمٍّ، فَالْغَمُّ الْأَوَّلُ: مَا فَاتَهُمْ مِنَ الظَّفَرِ وَالْغَنِيمَةِ، وَالْغَمُّ الثاني: ما نالوا مِنَ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ، وَقِيلَ: الْغَمُّ الْأَوَّلُ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ والجراح، والغم الثاني: أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ قُتِلَ فَأَنْسَاهُمُ الْغَمَّ الْأَوَّلَ، وَقِيلَ الْغَمُّ الْأَوَّلُ: إِشْرَافُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِ الْمُشْرِكِينَ، وَالْغَمُّ الثَّانِي: حِينَ أَشْرَفَ عليهم أَبُو سُفْيَانَ، وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى وَقَفُوا بِبَابِ الشِّعْبِ، فَلَمَّا نَظَرَ الْمُسْلِمُونَ إليهم همهم ذَلِكَ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ يَمِيلُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقْتُلُونَهُمْ فَأَنْسَاهُمْ هَذَا مَا نَالَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا اللَّهُمَّ إِنْ تَقْتُلْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَا تُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ»، ثُمَّ نَدَبَ أَصْحَابَهُ فَرَمَوْهُمْ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى أَنْزَلُوهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ غَمُّوا الرَّسُولَ بِمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ، فَجَازَاهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ الْغَمَّ غَمَّ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] مِنَ الْفَتْحِ وَالْغَنِيمَةِ، ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] أَيْ: وَلَا عَلَى مَا أَصَابَكُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ، ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣]