مدنية، مائتان آية، ثلاثة آلاف وخمسمائة وثلاث كلمات، أربعة عشر ألفا وتسعمائة وسبعة وثمانون حرفا
الم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ أي الذي لا يموت ولا يزول الْقَيُّومُ (٢) أي القائم بذاته والقائم بتدبير خلقه.
قال الكلبي والربيع بن أنس، ومحمد بن إسحاق: نزلت هذه الآيات في شأن وفد نصارى نجران، وكانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله ﷺ ودخلوا المسجد حين صلّى العصر، عليهم ثياب الحبرات، وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم:
أحدهم: أميرهم واسمه عبد المسيح.
والثاني: مشيرهم وذو رأيهم واسمه الأيهم.
والثالث: حبرهم يقال له: أبو حارثة بن علقمة. فكلم الأيهم وعبد المسيح فقال لهما رسول الله ﷺ: «أسلما» قالا قد أسلمنا قبلك. قال: «كذبتما يمنعكما من الإسلام ثلاثة أشياء:
إثباتكما لله ولدا، وعبادتكم للصليب، وأكلكما الخنزير» . قالوا: إن لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه! وخاصموه ﷺ في عيسى. فقال لهم النبيّ صلّى الله عليه
وسلّم: «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟» . قالوا: بلى. قال: «ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟» .
قالوا: بلى. قال: «ألستم تعلمون أن ربنا قيّم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟» . قالوا: بلى. قال:
«فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟» . قالوا: لا. قال: «ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟» . قالوا: بلى. قال: «فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علمه الله؟» . قالوا:
لا. قال: «فإن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف يشاء فهل تعلمون ذلك؟» قالوا: بلى. قال:
«ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث؟» . قالوا: بلى، قال: «ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة، ثم غذي
[ ١٠٩ ]
كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟» قالوا: بلى. قال: «وكيف يكون هذا كما زعمتم؟!»»
. فسكتوا، فأنزل الله تعالى من ابتداء السورة إلى آية المباهلة تثبيتا لما احتج به النبي عليهم
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ أي القرآن.
وقرئ قراءة شاذة بتخفيف نزل ورفع الكتاب بِالْحَقِّ أي بالعدل في أحكامه أو بالصدق في أخباره وفي وعده ووعيده، أو بالحجج المحققة أنه من عند الله تعالى، أو بالقول الفصل وليس بالهزل ولا بالمعاني الفاسدة المتناقضة. مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي لما تقدمه من الكتب السالفة في الدعوة إلى الإيمان والتوحيد وتنزيه الله تعالى عما لا يليق بشأنه تعالى وفي الأمر بالعدل والإحسان، وفي أنباء الأنبياء والأمم الخالية وفي بعض الشرائع. وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ جملة على موسى بن عمران، وَالْإِنْجِيلَ (٣) جملة على عيسى ابن مريم مِنْ قَبْلُ أي من قبل تنزيل القرآن هُدىً لِلنَّاسِ أي حال كونهما هاديين من الضلالة، أو أنزل هذه الكتب الثلاثة لهداية الناس وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ قيل: المراد الزبور فإنه مشتمل على المواعظ الداعية إلى الخير، الزاجرة عن الشر، الفارقة بين الحق والباطل، ثم المختار عند الفخر الرازي أن المراد من الفرقان هو المعجزات التي قرنها تعالى بإنزال هذه الكتب الثلاثة لأنه لما أظهر الله تعالى تلك المعجزات على وفق دعوى الرسل حصلت المفارقة بين دعوى الصادق ودعوى الكاذب، فالمعجزة هي الفرقان.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أي القرآن وغيره كوفد بني نجران ونحوهم بأن كذبوا بالآيات الناطقة بالتوحيد والتنزيه المبشّرة بنزول القرآن ومبعث النبيّ ﷺ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بسبب كفرهم بها وَاللَّهُ عَزِيزٌ أي غالب لا يغلب ذُو انْتِقامٍ (٤) أي عقوبة عظيمة. فالعزيز إشارة إلى القدرة التامة على العقاب، وذو الانتقام إشارة إلى كونه فاعلا للعقاب. فالأول صفة الذات، والثاني صفة الفعل. إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ قصيرا أو طويلا، حسنا أو قبيحا، ذكرا أو أنثى، سعيدا أو شقيا. وهذه الآية واردة في الرد على النصارى. وذلك أن النصارى ادعوا إلهية عيسى بأمرين: بالعلم والقدرة. فإن عيسى كان يخبر عن الغيوب فيقول لهذا: أنت أكلت في دارك كذا، وصنعت في دارك كذا. وكان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا، ثم إنه تعالى استدل على بطلان قولهم في إلهية عيسى وفي التثليث بقوله تعالى: الْحَيُّ الْقَيُّومُ فالإله يجب أن يكون حيا قيوما، وعيسى لم يكن كذلك. فيلزم القطع بأنه لم يكن إلها. ولما قالوا: إن عيسى أخبر عن الغيوب فوجب أن يكون إلها، فرد الله عليهم بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ. والمعنى لا يلزم من كونه عالما ببعض المغيبات أن يكون إلها
_________________
(١) رواه السيوطي في الدر المنثور (٢: ٣) .
[ ١١٠ ]
لاحتمال أنه علم ذلك بتعليم الله تعالى له ذلك. ولما قالوا: إن عيسى كان يحيي الموتى فوجب أن يكون إلها، فرد الله عليهم بقوله: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ. والمعنى إن حصول الإحياء على وفق قوله ﵇ في بعض الصور لا يدل على كونه إلها لاحتمال أن الله تعالى أكرمه بذلك الإحياء إظهارا لمعجزته وإكراما له. ولما قالوا: يا أيها المسلمون أنتم توافقوننا على أن عيسى لم يكن له أب من البشر فوجب أن يكون ابنا لله، فأجاب الله تعالى عن ذلك أيضا بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ فإن هذا التصوير لما كان من الله تعالى فإن شاء صوّر من نطفة الأب، وإن شاء صوّره ابتداء من غير أب. ولما قالوا للرسول ﷺ: ألست تقول: إن عيسى روح الله وكلمته؟ فهذا يدل على أنه ابن الله! فأجاب الله عن ذلك بأن هذا اللفظ من باب المتشابهات فوجب رده إلى التأويل وذلك هو المراد بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فظهر بذلك المذكور أن قوله تعالى: الْحَيُّ الْقَيُّومُ إشارة إلى أن عيسى ليس بالإله ولا ابن الإله. وأما قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فهو جواب عن الشبهة المتعلقة بالعلم. وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ جواب عن تمسكهم بقدرة عيسى على الإحياء ونحوه. لأنه لو قدر على الإحياء لقدر على الإماتة، ولو قدر على الإماتة لأمات اليهود الذين قتلوه- وعلى زعم النصارى- فثبت أن حصول الإحياء في بعض الصور لا يدل على كونه إلها، وهو جواب أيضا عن تمسكهم بأن من لم يكن له أب من البشر وجب أن يكون ابنا لله، فكأنه تعالى يقول كيف يكون عيسى ولد الله وقد صوّره في الرحم والمصوّر لا يكون أبا للمصوّر. وأما قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ إلى آخر الآيات فهو جواب عن تمسكهم بما ورد في القرآن: أن عيسى روح الله وكلمته، ثم إنه تعالى لما أجاب عن شبهتهم أعاد كلمة التوحيد زجرا لسائر النصارى عن قولهم بالتثليث فقال: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى كمال العلم وهذا تثبيت لما تقدم من أن علم عيسى ببعض الغيوب وقدرته على الإحياء في بعض الصور لا يكفي في كونه إلها. فإن الإله لا بدّ وأن يكون كامل القدرة وهو العزيز وكامل العلم وهو الحكيم. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ أي القرآن مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ أي محكمة العبارة محفوظة من الاحتمال، قطعية الدلالة على المعنى المراد.
هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي أصل في الكتاب وعمدة ترد إليها آيات متشابهات. ومثال المتشابه قوله تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
[الإسراء: ١٦] . فظاهر هذا الكلام أنهم يؤمرون بأن يفسقوا والمحكم قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [الأعراف: ٢٨] ردا على الكفار فيما حكى عنهم وإذا فعلوا فاحشة قالوا: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها والآية المتشابهة قوله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧] . والآية المحكمة قوله تعالى: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا. [مريم: ٦٤] وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ أي وآيات أخر محتملات لمعان متشابهة لا يتضح
[ ١١١ ]
مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهرة إلا بنظر دقيق وتأمل أنيق فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ أي ميل عن الحق إلى الأهواء الباطلة فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ أي فيتعلقون بظاهر المتشابه من الكتاب ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أي طلب الفتنة في الدين- وهي الضلال عنه- فإنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين صار بعضهم مخالفا لبعض، وذلك يفضي إلى الهرج والتقاتل وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ أي وطلب تأويل المتشابه على ما ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان، والمنصف يحمل الأمر في الآيات على أقسام ثلاثة:
أحدها: ما يتأكد ظاهرها بالدلائل العقلية فذلك هو المحكم حقا.
وثانيها: الذي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله تعالى غير ظاهره.
وثالثها: الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه فيكون من حقه التوقف فيه، ويكون ذلك متشابها، بمعنى أن الأمر اشتبه فيه ولم يتميز أحد الجانبين
عن الآخر، إلا أن الظن الراجح حاصل في إجرائها على ظواهرها وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ أي وما يعلم تأويل المتشابه حقيقة إلا الله وحده. ونقل عن ابن عباس ﵄ أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير لا يمكن لأحد جهله، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها، وتفسير يعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى. وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ أي بالكتاب كُلٌّ أي كل واحد من المحكم والمتشابه مِنْ عِنْدِ رَبِّنا والراسخ في العلم: هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية، وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية، وعرف أنه تعالى لا يتكلم بالباطل والعبث، فإذا رأى شيئا متشابها ودل الدليل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى علم حينئذ قطعا أن مراد الله شيء آخر سوى ما دلّ عليه ظاهره، ثم فوض تعيين ذلك المراد إلى علمه تعالى وقطع بأن ذلك المعنى على أي شيء كان فهو الحق والصواب، لأنه علم أن ذلك المتشابه لا بدّ وأن يكون له معنى صحيح عند الله تعالى وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا أي وما يتعظ بما في القرآن إلا ذوو العقول الكاملة الخالصة عن الركون إلى الأهواء الزائفة- وهذا مدح للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر- وهذه الآية دالة على علو شأن المتكلمين الذين يبحثون عن الدلائل العقلية، ويتوسلون بها إلى معرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ولا يفسرون القرآن إلا بما يطابق دلائل العقول ويوافق اللغة والإعراب، ومن تكلم في القرآن من غير أن يكون متبحرا في علم الأصول وفي علم اللغة والنحو كان في غاية البعد عن الله تعالى. ولما آمن الراسخون في العلم بكل ما أنزل الله تعالى من المحكمات والمتشابهات تضرعوا إلى الله تعالى بقولهم: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا أي لا تمل قلوبنا عن دينك بعد إذ هديتنا لدينك أو يقال: يا ربنا لا تجعل
[ ١١٢ ]