مدنية، مائة وعشرون آية، ألفان وثمانمائة وسبع وثلاثون كلمة، اثنا عشر ألفا ومائتان وستة أحرف
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وهي جميع ما ألزمه الله تعالى عباده من التكاليف والأحكام الدينية، وما يعقدونه فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به أو يحسن دينا أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ أي أحل لكم أحل البهيمة من الأنعام، وهي الأزواج الثمانية المعدودة في سورة الأنعام. وقيل: المعنى أحلت لكم ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس البهائم في الاجترار وعدم الأنياب، وذلك كالظباء وبقر الوحش ونحوهما من صيد البرية كحمر الوحش فأضيفت البهيمة إلى الأنعام لحصول المشابهة أي أحلت لكم البهيمة الشبيهة بالأنعام. وقيل: المعنى أحلت لكم أجنة الأنعام. وهذان القولان مرويان عن ابن عباس، وهذا الثالث مروي أيضا عن ابن عمر وهذا الوجه يدل على صحة مذهب الشافعي في أن الجنين مذكى بذكاة الأم إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ في هذه السورة غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أي إلا إن كانت الأنعام ميتة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو افترسها السبع أو ذبحت على غير اسم الله فهي محرمة وإلا أن تحلوا الصيد في حال إحرامكم أو في حال كونكم في الحرم فإنه لا يحل لكم ذلك إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١) من التحليل وغيره لا اعتراض عليه ولا معقب لحكمه فموجب التكليف والحكم هو إرادته لا مراعاة المصالح يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا أي يا أيها الذين آمنوا أقروا بالإيمان لا تحلوا معالم دين الله. أي لا تهاونوا شيئا من فرائضه تعالى ولا تحلوا الشهر الحرام: ذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم ورجب بالقتال فيه والغارة.
قال أبو السعود: والمراد بالشهر الحرام شهر الحج. وقال عكرمة: هو ذو القعدة. واختار ابن جرير أنه رجب لأنه أكمل الأشهر الأربعة. ولا تحلوا الهدي بالعصب أو بالمنع عن بلوغ محله، وهو ما أهدي إلى بيت الله من إبل أو بقر أو شاة. ولا تحلوا ذوات القلائد من الهدي
[ ٢٤٨ ]
وهي: البدن. ولا تحلوا قوما قاصدين زيادة المسجد الحرام بصدهم عن ذلك بأي وجه كان.
وقرأ عبد الله «ولا آميّ البيت الحرام» بالإضافة حال كونهم مبتغين فضلا من ربهم بالتجارة المباحة، أو المعنى طالبين ثوابا من ربهم ورضوانا. وقرأ حميد بن قيس
الأعرج «تبتغون» بالتاء على خطاب المؤمنين. فالجملة حينئذ حال من الضمير في «لا تحلوا» وإضافة الرب إلى ضمير «الآمين» للإشارة إلى اقتصار التشريف عليهم وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا والأمر للإباحة أي وإذا خرجتم من الإحرام والحرم فلا جناح عليكم في اصطياد حيوان البرية وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا أي ولا يحملنكم بغضكم لقوم من أهل مكة بمنعهم، إياكم عن المسجد الحرام أي عن العمرة عام الحديبية على ظلمكم عليهم وانتقامكم منهم للتشفي من البغض.
وقرأ أبو عمرو وابن كثير «إن صدوكم» بكسر الهمزة على أنه شرط معترض أغنى عن جوابه «لا يجرمنكم» . والمعنى إن وقع صد مثل ذلك الصد الذي وقع عام الحديبية وهي سنة ست، على أن نزول هذه الآية عام الفتح وهو سنة ثمان غير مجمع عليه وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى أي على متابعة الأمر ومجانبة الهوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ أي المعصية للتشفي وَالْعُدْوانِ أي التعدي في حدود الله للانتقام. وَاتَّقُوا اللَّهَ في جميع الأمور ولا تستحلوا شيئا من محارمه إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢) لمن لا يتقيه فلا يطيق أحد عقابه حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ أي حرم عليكم أكل ما فارقته الروح من غير ذبح شرعي وكان أهل الجاهلية يقولون: إنكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله.
واعلم أن تحريم الميتة موافق لما في العقول، لأن الدم جوهر لطيف جدا فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه، وتعفن وفسد وحصل من أكله مضار عظيمة، وَالدَّمُ أي السائل منه. فخرج الكبد والطحال وكان أهل الجاهلية يملؤون الأمعاء من الدم بصبه فيها ويشوونه ويطعمونه الضيف وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ.
قال أهل العلم الغذاء يصير جزءا من جوهر المغتذي فلا بد أن يحصل للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلا في الغذاء، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة في المشتهيات فحرم أكله على الإنسان لئلا يتكيف بتلك الكيفية، ولذلك إن الفرنج لما واظبوا على أكل لحم الخنزير أورثهم الحرص العظيم والرغبة الشديدة في المشتهيات وأورثهم عدم الغيرة.
فإن الخنزير يرى الذكر من الخنازير ينزو على الأنثى التي هي له ولا يتعرض له لعدم الغيرة. وأما الشاة فإنها حيوان في غاية السلامة فكأنها ذات عارية عن جميع الأخلاق فلذلك لا يحصل للإنسان بسبب أكل لحمها كيفية أجنبية عن أحوال الإنسان. وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ أي وما رفع
[ ٢٤٩ ]
الصوت لغير الله عند ذبحه وكانوا يقولون عند الذبح باسم اللات والعزى وَالْمُنْخَنِقَةُ أي التي ماتت بانعصار الحلق فالمنخنقة على وجوه: منها: إن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها. ومنها: ما يخنق بحبل الصائد. ومنها: ما يدخل رأسها بين عودين في شجرة فتختنق فتموت وَالْمَوْقُوذَةُ أي المضروبة إلى أن ماتت ويدخل في الموقوذة ما رمي بالبندق فمات، وهي معنى الميتة وفي معنى المنخنقة، لأنها ماتت ولم يسل دمها. وَالْمُتَرَدِّيَةُ أي الساقطة من علو إلى سفل فماتت ويدخل فيها ما إذا أصابه سهم وهو في الجبل فتسقط على الأرض فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم هل مات بالتردي أو بالسهم ولو رمى صيدا في الهواء بسهم فأصابه فإن سقط على الأرض ومات حل لأن الوقوع على الأرض من ضرورته، وإن سقط على شجر أو جبل ثم تردى منه فمات لم يحل لأنه من المتردية، إلا أن يكون السهم ذبحه في الهواء فيحل كيفما وقع لأن الذبح قد حصل قبل التردية وَالنَّطِيحَةُ أي ماتت بنطح شاة أخرى، وإنما دخلت «الهاء» في «النطيحة» لأنها صفة لمؤنث غير مذكور وهو الشاة كما تقول: رأيت قتيلة بني فلان بالهاء لأنك إن لم تدخل الهاء لم يعرف المقتول أرجل هو أم امرأة، بخلاف ما إذا ذكر الموصوف فإنه تحذف الهاء حينئذ كقولهم: كف خضيب، ولحية دهين وعين كحيل، وخصت الشاة لأنها من أعم ما يأكله الناس والكلام يمشي على الأغلب ويكون المراد الكل. وَما أَكَلَ السَّبُعُ منه فمات وهي، فريسة السبع.
قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئا فقتله وأكل بعضه أكلوا ما بقي فحرمه الله تعالى إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ أي إلا ما أدركتم ذكاته وقد بقيت فيه حياة مستقرة من هذه الأشياء الخمسة.
وذلك بحيث يتحرك بالاختيار وإلا فلا يحل بتذكية لأن موته حينئذ يحال على السبب المتقدم على التذكية من الخنق وأكل السبع وغيرهما وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ أي على اعتقاد تعظيم النصب.
وقال ابن جريج: النصب ليس بأصنام فإن الأصنام أحجار مصوّرة منقوشة وهذه النصب أحجار كانوا ينصبونها حول الكعبة وكانوا يذبحون عندها للأصنام، وكانوا يلطخونها بتلك الدماء، ويضعون اللحوم عليها، ويعدون ذلك الذبح قربة فقال المسلمون: يا رسول الله كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم فنحن أحق أن نعظمه. وكان النّبيّ ﷺ لم ينكره فأنزل الله تعالى لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها [الحج: ٣٧] وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ أي وحرم عليكم طلب معرفة ما قسم لكم من الخير والشر بواسطة ضرب القداح، وذلك أنهم إذا قصدوا سفرا أو غزوا أو تجارة، أو نكاحا أو أمرا آخر من معاظم الأمور ضربوا ثلاثة أقداح، مكتوب على أحدها: أمرني ربي. وعلى الثاني: نهاني ربي. والثالث: خال عن الكتابة. فإن خرج الأمر أقدم على الفعل، وإن خرج النهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد العمل مرة أخرى ذلِكُمْ أي الاستقسام بالأزلام فِسْقٌ أي خروج عن الطاعة لأنه طلب لمعرفة الغيب وذلك حرام.
[ ٢٥٠ ]
وروى أبو الدرداء عن رسول الله ﷺ أنه قال: من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة
وذلك ضلال باعتقاد أنه طريق إلى الدخول في علم الغيب، وافتراء على الله تعالى إن كان مرادهم بربي هو الله تعالى. وقال قوم آخرون: إنهم كانوا يحملون تلك الأزلام عند الأصنام يعتقدون أن ما يخرج من الأمر والنهي على تلك الأزلام فبإرشاد الأصنام وإعانتهم، فلهذا السبب كان ذلك فسقا أي شركا وجهالة، وهذا القول أولى وأقرب كما قاله الفخر. الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ أي هذا الزمان انقطع رجاء كفار مكة من إبطال أمر دينكم فَلا تَخْشَوْهُمْ أي فلا تخافوا المشركين في خلافكم إياهم في الشرائع والأديان فإني أنعمت عليكم بالدولة القاهرة والقوة العظيمة، وصاروا مقهورين لكم ذليلين عندكم وَاخْشَوْنِ أي ومحضوا الخشية لي وحدي في ترك أتباع محمد ﷺ ودينه الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ بالنصر والإظهار على الأديان كلها والحكم ببقائه إلى يوم القيامة وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي بفتح مكة ودخولها آمنين وبانفراد المسلمين بالبلد الحرام وإجلاء المشركين عنه، حتى حج المسلمون لا يخالطهم المشركون وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا أي اخترته لكم من بين الأديان وهو الدين المرضي عند الله تعالى لا غير فَمَنِ اضْطُرَّ إلى تناول شيء من هذه المحرمات فِي مَخْمَصَةٍ أي مجاعة يخاف معها الموت غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ أي غير معتمد لإثم بأن يأكلها فوق الشبع تلذذا كما قاله أهل العراق أو بأن يكون عاصيا بسفره كما قاله أهل الحجاز فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن أكل المحرم عند ما اضطر إلى أكله رَحِيمٌ (٣) بعباده حيث أحل لهم ذلك المحرم عند احتياجهم إلى أكله يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ من الصيد. والسائلون عاصم بن عدي وسعد بن خيثمة، وعويمر بن ساعدة كذا قال عكرمة كما أخرجه ابن جرير.
وقال ابن عباس: والسائل بذلك زيد بن مهلهل الطائي وعدي بن حاتم الطائي وكانا صيادين، وكذا قال سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وهو كل ما يشتهى عند أهل المروءة والأخلاق الجميلة ما لم تستخبثه الطباع السليمة ولم تنفر عنه مما لم يرد نص بتحريمه من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس مجتهد وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ أي وأحل لكم صيد ما علمتموه من الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والباز مُكَلِّبِينَ أي معلمين الجوارح الصيد تُعَلِّمُونَهُنَّ حال ثانية من ضمير علمتم. والمقصود من التكرار المبالغة في اشتراط التعليم وأن تكون من يعلم الجوارح نحريرا في علمه موصوفا بالتأديب مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ من طرق التعليم ومن الحيل في الاصطياد فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ أي كلوا بعض ما أمسكنه لكم وهو الذي لم يأكلن منه.
روي أنّ النّبيّ ﷺ قال لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فإن أدركته ولم
[ ٢٥١ ]
يقتل فاذبح واذكر اسم الله عليه، وإن أدركته وقد قتل ولم يأكل فكل فقد أمسك عليك، وإن وجدته قد أكل فلا تطعم منه شيئا فإنما أمسك على نفسه»
«١» . وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أي سموا على ما علمتم من الجوارح عند إرساله على الصيد كما
قال ﷺ لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل»
«٢» أو سموا على ما أمسكن عند ذبحه. وقيل: المعنى سموا على أكل الصيد.
روي أنه ﷺ قال لعمر بن أبي سلمة: «سمّ الله وكل مما يليك»
«٣» . وَاتَّقُوا اللَّهَ أي واحذروا مخالفة أمر الله في تحليل وتحريم ما حرمه إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤) فإنه تعالى يؤاخذكم سريعا في كل ما جل ودق الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ أي المستلذات المشتهيات لأهل المروءة والأخلاق الجميلة وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ فيحل لنا أكل ذبائح من تمسكوا بالتوراة والإنجيل إذا حلت المناكحة بيننا وبينهم فحل الذبيحة تابع لحل المناكحة ولو ذبح يهودي أو نصراني على اسم غير الله تعالى كالنصراني يذبح على اسم المسيح لم تحل ذبيحته بخلاف من تمسكوا بغير التوراة والإنجيل، كصحف إبراهيم فلا تحل ذبائحهم واتفق العلماء على أن المجوس قد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم.
وروي عن ابن المسيب أنه قال إذا كان المسلم مريضا فأمر المجوسي أن يذكر الله ويذبح فلا بأس، وقال أبو ثور: إن أمره بذلك في الصحة فلا بأس وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ فيحل لكم أن تطعموهم من طعامكم وتبيعوه منهم وَالْمُحْصَناتُ أي الحرائر العفائف مِنَ الْمُؤْمِناتِ أي حل لكم وذكرهن للحمل ما هو الأولى لا لنفي ما عداهن فإن نكاح الإماء المسلمات صحيح بالاتفاق، وكذا نكاح غير العفائف، وأما الإماء الكتابيات فهن كالمسلمات عند أبي حنيفة خلافا للشافعي وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي هن حل لكم أيضا وإن كنّ حربيات.
_________________
(١) رواه النسائي في كتاب الصيد، باب: الأمر بالتسمية عند الصيد، وأحمد في (م ٤/ ص ١٩٥) .
(٢) رواه البخاري في كتاب الذبائح، باب: إذا أكل الكلب، ومسلم في كتاب الصيد، باب: ١، والترمذي في كتاب الصيد، باب: ١، والنسائي في كتاب الصيد، باب: إذا قتل الكلب، وابن ماجة في كتاب الصيد، باب: صيد الكلب، وأحمد في (م ١/ ص ٢٣١) .
(٣) رواه البخاري في كتاب الأطعمة، باب: الأكل وما يليه، ومسلم في كتاب الأشربة، باب: ١٠٨، والترمذي في كتاب الأطعمة، باب: ٤٧، وابن ماجة في كتاب الأطعمة، باب: الأكل باليمين، والدارمي في كتاب الأطعمة، باب: التسمية على الطعام، والموطأ في كتاب صفة النبي، باب: ما جاء في الطعام والشراب.
[ ٢٥٢ ]
قال الكثير من الفقهاء: إنما يحل نكاح الكتابية التي دانت بالتوراة والإنجيل قبل نزول القرآن فمن دان بذلك الكتاب بعد نزول القرآن خرج عن حكم الكتاب، وهذا مذهب الإمام الشافعي ﵁. وأما أهل المذاهب الثلاثة فلم يقولوا بهذا التفصيل بل أطلقوا القول بحل أكل ذبائح أهل الكتاب وحل التزويج من نسائهم ولو دخلوا في دين أهل الكتاب بعد نسخه إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وتقييد التحليل بإعطاء المهور يدل على تأكد وجوبها وعلى أن الأكمل بيانها لا هو شرط لصحة العقد إذ لا تتوقف على دفع المهر ولا على التزامه ومن تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقها كان في صورة الزاني وتسمية المهر بالأجر يدل على أن أقل الصداق لا يتقدر كما أن أقل الأجر لا يتقدر في الإجارات مُحْصِنِينَ أي متزوجين غَيْرَ مُسافِحِينَ أي غير معلنين بالزنا وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ أي ولا مسرين بالزنا بمن لها حليل وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ أي ومن يكفر بشرائع الله وبتكاليفه فقد بطل ثواب عمله الصالح سواء عاد إلى الإسلام أولا وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥) إذا لم يعد إلى الإيمان بما نزل في القرآن حتى يموت على الكفر. أما إذا عاد إلى الإيمان بذلك قبل الموت فإن عمله لا يبطل فلا يجب إعادة صلاة وحج قد أتاهما قبل الردة. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ أي إذا أردتم الاشتغال بإقامة الصلاة وأنتم على غير وضوء فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ فإن صب الماء على المرفق حتى سال الماء إلى الكف فلا يجوز لأنه تعالى جعل المرافق غاية الغسل فجعله مبدأ الغسل خلاف الآية، كذا قال بعضهم.
وقال جمهور الفقهاء: إن ذلك لا يخل بصحة الوضوء إلا أنه يكون تركا للسنة وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ قيل: الباء فارقة بين حمل المسح بالكل والبعض كما في قولك: مسحت المنديل ومسحت يدي بالمنديل. فقولك: مسحت المنديل لا يصدق إلا عند مسحه بالكلية. وقولك:
مسحت بالمنديل يكفي في صدقه مسح اليدين بجزء من أجزاء ذلك المنديل وتحقيق هذه الباء أنها تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق فكأنه قيل: وألصقوا المسح برءوسكم وذلك لا يقتضي الاستيعاب وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.
قرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجر. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه بالنصب أما القراءة بالجر فهي معطوفة على الرؤوس فكما يجب المسح في الرؤوس كذلك في الأرجل، وإنما عطفت الأرجل على الممسوح للتنبيه على الإسراف في استعمال الماء فيها لأنها موضع صب الماء كثيرا. والمراد غسلها أو مجرورة بحرف جر محذوف متعلق بفعل محذوف تقديره وافعلوا بأرجلكم غسلا، وحذف حرف الجر وإبقاء الجر جائز ولا يجوز هذا الكسر على الجوار على أنه منصوب في المعنى عطف على المغسول لأنه
[ ٢٥٣ ]
معدود في اللحن الذي قد يحمل لأجل الضرورة في الشعر ويجب تنزيه كلام الله عنه ولأنه يرجع إليه عند حصول الأمن من الالتباس كما في قول الشاعر:
كبير أناس في بجاد مزمل وفي هذه الآية لا يحصل الأمن من الالتباس، ولأنه إنما يكون بدون حرف العطف. وأما القراءة بالنصب فهي إما معطوفة على الرؤوس لأنه في محل نصب والعطف على الظاهر وعلى المحل جائز كما هو مذهب مشهور للنحاة وإما معطوفة على وجوهكم فظهر أنه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله تعالى: وَأَرْجُلَكُمْ هو قوله تعالى: وَامْسَحُوا وقوله تعالى:
فَاغْسِلُوا فإذا اجتمع العاملان على معمول واحد كان الأولى إعمال الأقرب حتى إن بعضهم لا يجوز أن يكون العامل فاغسلوا لما يلزم عليه من الفصل بين المتعاطفين بجملة مبينة حكما جديدا ليس فيها تأكيد للأول وليست هي اعتراضية فوجب أن يكون عامل النصب في قوله:
وَأَرْجُلَكُمْ هو قوله: وَامْسَحُوا فتدل هذه الآية على وجوب مسح الأرجل، لكن الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل وهو مشتمل على المسح ولا ينعكس فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب الرجوع إليه ويجب القطع بأن غسل الرجل يقوم مقام مسحها، وأيضا إن فرض الرجلين محدود إلى الكعبين والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح وهذا جواب لقولهم ولا يجوز دفع وجوب مسح الرجل بالأخبار لأنها بأسرها من باب الآحاد ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا أي فاغتسلوا ولحصول الجنابة سببان: نزول المني، والتقاء الختانين. فختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة وشفر المرأة محيطان بثلاثة أشياء: ثقبة في أسفل الفرج وهي مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد. وثقبة أخرى فوق هذه مثل إحليل الذكر وهي مخرج البول لا غير، وموضع ختانها وهو فوق ثقبة البول. وهناك جلدة قائمة مثل عرف الديك وقطع هذه الجلدة هو ختانها فإذا غابت الحشفة حاذى ختانها ختانة وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى مرضا يضره الماء كجراحة أو جدري أَوْ عَلى سَفَرٍ أي مستقرين عليه أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أي الموضع الذي يقضي فيه حاجة الإنسان التي لا بد منها أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ بذكر أو غيره فَلَمْ تَجِدُوا يا معشر المسافرين والمحدثين حدثا أصغر أو أكبر ماءً بعد طلبه فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا أي فاقصدوا ترابا نظيفا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ بالضربة الأولى وَأَيْدِيَكُمْ بالضربة الثانية مِنْهُ أي التراب ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ أي ضيق بما فرض عليكم من الطهارة للصلاة وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ أي ليطهر قلوبكم عن صفة التمرد عن طاعة الله تعالى لأن الكفر والمعاصي نجاسات للأرواح، وذلك لأنه تعالى لما أمر العبد بإيصال الماء إلى هذه الأعضاء المخصوصة وكانت طاهرة لم يعرف العبد في هذا التكليف فائدة معقولة فلما انقاد لهذا التكليف كان ذلك الانقياد لمحض إظهار العبودية فأزال هذا الانقياد عن
[ ٢٥٤ ]