فقد حوت السورة بين ثنايا آياتها قضايا العقيدة، العقيدة في الله تعالى، وفي أسمائه وصفاته، وفي اليوم الآخر، والتعريف بالمعبودِ المستحق للعبادة وحده دون سواه ﵎.
فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ فيه بيان استحقاق المولى -﷿-
_________________
(١) مقال لـ: عبد الأثري: موقع صيد الفوائد، مع تصرف يسير. وبعد بحث مضنٍ لم يقف الباحث له على عزوٍ ولم يجد له مصدرًا، ولكن يُستشعر أن فيه نَفَس ابن القيم وأسلوبه في الكتابة ولا سيما في نهايته، والله أعلم.
[ ١٢٥ ]
الحمد والثناء والتمجيد الذي هو أهله جل في علاه، مع التذكير بوجوب شكره وحمده على نعمه وآلائه، والإقرار له بالربوبية، وفي الإقرار بذلك كله تنزيه لله عن كل نقص، فكما أنه سبحانه اتصف بالكمال المطلق، فالنقائص كلها في حقه محاله.
وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾، فيه الثناء على الله بوصفه جل في علاه بالرحمة العامة ﴿الرَّحْمَنِ﴾، والرحمة الخاصة ﴿الرَّحِيمِ﴾.
والسورة الكريمة كلها في التوحيد من أولها وحتى آخر، وكل آية فيها تدل على التوحيد، ولقد ورد في السورة التوحيد بأنواعه الثلاثة الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ متضمن لتوحيد الألوهية، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾. ففي كل ذلك دلالة على توحيد الألوهية.
وتوحيد الألوهية هو: توحيد الله بأفعال العباد، والتي منها: الحمد والعبادة والدعاء والاستعانة.
«وهو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة؛ الظاهرة، والباطنة، قولًا، وعملًا، ونفي العبادة عن كل من سوى الله تعالى كائنًا من كان» (^١).
وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ متضمن لتوحيد الربوبية.
وتوحيد الربوبية: هو توحيد الله تعالى بأفعاله ﷾:
وهو: «الإقرار بأنَّ الله ﷾ هو ربّ كل شيءٍ ومليكه، وأنّ الله ﵎ هو الخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، والنافع، والضار (^٢)، والمتفرّد
_________________
(١) معارج القبول شرح سلم الأصول (١/ ٣١).
(٢) لم يثبت بدليل صحيح أن الضار من أسماء الله تعالى وإنما ورد ذلك في الحديث المشهور الذي فيه تعداد الأسماء الحسنى، وهو حديث ضعيف، رواه الترمذي وغيره. والمقرر عند أهل العلم أن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية، أي: لا يثبت منها شيء إلا بالدليل. فإذا لم يثبت=
[ ١٢٦ ]
بإجابة دعاء المضطرين، والإقرار أيضًا بأنّ الأمر كلّه لله، وأنّه بيده الخير كلّه، وأنّ الله هو القادر على ما يشاء، وليس له في ذلك أي شريك، أو نظير» (^١) (^٢).
وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ متضمن لتوحيد الأسماء والصفات.
وتوحيد الأسماء والصفات هو: إثبات جميع صفات الكمال لله تعالى التي أثبتها الله تعالى لنفسه في محكم كتابه، وأثبتها له رسوله -ﷺ- في صحيح سنته، على الحقيقة، على وجه يليق بذات الله ﵎. من غير تحريف ولا تأويل ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تشبيه تمثيل.
وهذه عقيدة الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات.
قال ابن عبد البر -﵀-: «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة» (^٣).
وبذلك يتبين أن محور السورة الأساسي وموضوعها الرئيس: هو التوحيد.
_________________
(١) =الاسم، وكان معناه صحيحًا فإنه يجوز الإخبار به عن الله تعالى، فيقال: الله هو الضار النافع، لأن باب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات، لكن لا يعبّد بهذا الاسم، فلا يقال: عبد الضار، أو عبد النافع؛ لأنه لم يثبت اسمًا لله تعالى. وللاستزادة: ينظر: موقع الإسلام سؤال وجواب.
(٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٣٣).
(٣) سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (١٢٠٠ هـ-١٢٣٣ هـ) من آل الشيخ، فقيه سلفي من أهل نجد من حفدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. كان بارعًا في التفسير والحديث والفقه، وشى به بعض المنافقين إلى إبراهيم باشا بن محمد علي بعد دخوله الدرعية واستيلائه عليها فأحضره إبراهيم، وأظهر بين يديه آلات اللهو والمنكر إغاظة له، ثم أخرجه إلى المقبرة وأمر العساكر أن يطلقوا عليه الرصاص جميعًا فمزقوا جسمه -﵀-.
(٤) التمهيد (٧/ ١٤٥).
[ ١٢٧ ]