أما عدم الجهر بقراءة البسملة فهو السنة، -يعني: في الصلاة-وهو القول والاختيار الموافق للأحاديث الثابتة الصحيحة، فالحق والصواب هو الإسرار وعدم الجهر بها؛ تأسيًا بالنبي -ﷺ- وعملًا بفعله وفعل خلفائه الثلاثة من بعده -﵃-، وذلك لِمَ ثبت عنه -ﷺ- أنه كان لا يجهر بالبسملة، وقد ثبت في ذلك أحاديث كُثر صحيحة منها: ما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك -﵁-.
ففي صحيح البخاري من حديث أنس -﵁-: «أن النبي -ﷺ- وأبا بكر وعمر -﵄- كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين» (^١)، وفي صحيح مسلم من حديث عن أنس -﵁- أيضًا- قال: «صليت مع رسول الله -ﷺ- وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» (^٢).
وكذلك هو قول أهل العلم قديمًا وحديثًا
قال الإمام ابن عبد البر -﵀- (^٣): «وكان إبراهيم النخعي -﵀-
_________________
(١) رواه البخاري (٧١٠).
(٢) رواه مسلم (٣٩٩).
(٣) الإمام العلَّامة، حافظ المغرب، شيخ الإسلام أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد=
[ ٩٥ ]
يقول (^١): «الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بدعة» (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس في الجهر بها حديث صريح، ولم يروِ أهل السنن المشهورة كأبي داود والترمذي والنسائي شيئًا من ذلك، وإنما يوجد الجهر بها صريحًا في أحاديث موضوعة يرويها الثعلبي والماوردي وأمثالهما في التفسير، أو في بعض كتب الفقهاء الذين لا يميزون بين الموضوع وغيره، بل يحتجون بمثل حديث الحميراء» (^٣) (^٤).
وقال -﵀- أيضًا: «والموضوعات في كتب التفسير كثيرة مثل الأحاديث الكثيرة الصريحة في الجهر بالبسملة» (^٥).
وقال الألباني -﵀- (^٦): «والحق أنه ليس في الجهر بالبسملة حديث صريح صحيح،
_________________
(١) =البر بن عاصم النمري الأندلسي، القرطبي، المالكي، صاحب التصانيف الفائقة. [سير أعلام النبلاء (١٥٤) وما بعدها.
(٢) الحافظ، فقيه العراق، أبو عمران، إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن سعد بن مالك بن [النخع] النخعي (٤٧ هـ -٩٦ هـ) تابعي وفقيه وقارئ كوفي، وأحد رواة الحديث النبوي، وهو ابن أخي علقمة بن قيس النخعي، وأمه هي مليكة بنت يزيد النخعية أخت الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد النخعي وهم من كبار تابعي أهل الكوفة. وقد أدرك عددًا من أصحاب النبي -ﷺ-. سير أعلام النبلاء (٢١٣).
(٣) الاستذكار (١/ ٤٥٨)
(٤) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤١٥)، والفتاوى الكبرى (٢/ ١٦٦).
(٥) قال ابن القيم -﵀-: «وكل حديث فيه «يا حميراء» أو ذكر الحميراء فهو كذب مختلق مثل: يا حميراء، لا تأكلي الطين فإنه يورث كذا وكذا، وحديث: خذوا شطر دينكم عن الحميراء» ا. هـ المنار المنيف (ص: ٦١) ونقله العجلوني في كشف الخفاء (١/ ٤٥٠). قال الذهبي -﵀-: «وقد قيل: إن كل حديث فيه يا حميراء لم يصح» ا. هـ سير أعلام النبلاء (٢/ ١٦٧). وينظر آثارًا أخرى في: السنن الصغرى للبيهقي (١/ ١٥٧) والسنن الكبرى (١/ ٧) مصباح الزجاجة (٣/ ٨١) الكامل (٢/ ٥٩) المجروحين (٢/ ٢٩).
(٦) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢/ ٣٠٣).
(٧) محدِّث العَصر الإمام العلَّامة: محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي الأشقودري الألباني=
[ ٩٦ ]
بل صح عنه -ﷺ- الإسرار بها من حديث أنس، وقد وقفت له على عشرة طرق ذكرتها في تخريج كتابي صفة صلاة النبي -ﷺ-» (^١).
وسُئل الإمام العلَّامة الشيخ ابن باز -﵀-: ما حكم الجهر بالبسملة في الصلاة عند قراءة الفاتحة، وغيرها من السور؟
فأجاب: «اختلف العلماء في ذلك، فبعضهم استحب الجهر بها، وبعضهم كره ذلك وأحب الإسرار بها، وهذا هو الأرجح والأفضل لما ثبت في الحديث الصحيح عن أنس -﵁- قال: «صليت خلف رسول الله -ﷺ-، وخلف أبي بكر وعمر؛ وكانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾» (^٢).
وجاء في معناه عدة أحاديث، وورد في بعض الأحاديث ما يدل على استحباب الجهر بها؛ ولكنها أحاديث ضعيفة، ولا نعلم في الجهر بالبسملة حديثًا صحيحًا صريحًا يدل على ذلك (^٣).
ولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) =الساعاتي، أبو عبد الرحمن. (١٣٣٣ هـ ١٤٢٠ هـ). من علماء الحديث البارزين المتفردين في علم الجرح والتعديل، والشيخ الألباني حجة في مصطلح الحديث وقال عنه العلماء المحدثون: إنه أعاد عصر ابن حجر العسقلاني، والحافظ ابن كثير، وغيرهم من علماء الجرح والتعديل. مولده ونشأته: ولد في مدينة أشقودرة عاصمة دولة ألبانيا، وهاجر بصحبة والده إلى دمشق الشام للإقامة الدائمة فيها ينظر:
(٢) حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه؛ محمد بن إبراهيم الشيباني.
(٣) محمد ناصر الدين الألباني: محدِّث العصر، وناصر السنَّة؛ إبراهيم محمد العلي.
(٤) تمام المنة للألباني (١٦٩)
(٥) البخاري (٧١٠)، ومسلم (٣٩٩).
(٦) مجموع فتاوى ابن باز (١١/ ١١٩).
[ ٩٧ ]