والصراط هنا: هو الإسلام، والهداية إليه هي التمسك والاعتصام به، فما أوضحه وما أسهله.
والهداية إلى الصراط: هي معرفة دين الإسلام. وتعلمه والعمل به، وجحد كل دين سواه.
ومما يؤكد أن الصراط هو الإسلام ما ثبت في مسند أحمد من حديث النَّواس بن سمعان مرفوعًا في وَصف الصراط بأنه هو الإسلام، قوله -ﷺ- مفسرًا له: «والصِّراطُ: الإسلامُ، والسُّوران: حُدُودُ الله، والأبوابُ المُفتَّحةُ: محارمُ الله، وذلك الدَّاعي على رأس الصِّراط: كتابُ الله، والدَّاعي من فوق الصِّراط: واعظُ الله في قلب كُلِّ مُسلمٍ» (^٤).
ولقد «أجمعَت الأمَّةُ من أهل التأويل جميعًا على أنَّ الصراطَ المستقيمَ هو: الطريقُ الواضحُ الذي لا اعوجاج فيه، وكذلك ذلك في لغة جميع العرب» (^٥).
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٧٨)، بتصرف يسير.
(٢) والطريق عمومًا لا يقتضي السهولة؛ ينظر: الفروق اللغوية للعسكري (١/ ٢٩٨). وقال في القاموس المحيط (ص ٦٧٥): «الصِّراطُ -بالكسر-: الطريقُ، وجِسْرٌ مَمْدُودٌ على متْنِ جَهَنَّمَ».
(٣) لسان العرب (/ ٣١٣).
(٤) أخرجه الحاكم (٢٤٥)، والنسائي في الكبرى (١١١٦٩)، والترمذي (٢٨٥٩) وأحمد (١٧٩٠٩) وهو في صحيح الجامع (٣٨٨٧).
(٥) تفسير الطبري (١/ ١٧٠).
[ ١٤٦ ]
إذًا فـ «[الصراط] (^١) المستقيم الذي ليس فيه عوج، قال الله -تعالى- لنبيه -ﷺ-: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]؛ فالرسول -ﷺ- بعثه الله ليهديَ إلى صراط مستقيم، وهكذا الرسل جميعًا، كلهم بعثوا ليهدوا إلى الصراط المستقيم يعني: يدعون الناس إلى الصراط المستقيم وهو توحيد الله وطاعة أوامره وترك نواهيه والوقوف عند حدوده، هذا صراط الله المستقيم» (^٢).
«والذي هو أَولى بتأويل هذه الآية عندي - أعني: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ -: أنْ يكونَ معنيًّا به: وَفِّقنا للثَّبات على ما ارتضيتَه [كما] (^٣) وَفَّقتَ له مَنْ أنعمتَ عليه من عبادِك من قولٍ وعملٍ، وذلك هو الصِّراط المستقيم؛ لأن من وُفِّقَ لِما وُفِّقَ له مَن أَنعم اللهُ عليه من النبيِّين والصدِّيقين والشهداء، فقد وُفِّقَ للإسلام وتصديقِ الرسلِ والتمسُّكِ بالكتاب والعملِ بما أمر الله به، والانزجارِ عمَّا زَجره عنه، واتِّباعِ منهج النبيِّ -ﷺ- ومنهاجِ أبي بكر وعمر وعثمان وعليٍّ وكلِّ عبدٍ لله صالحٍ، وكلُّ ذلك من الصراط المستقيم، وقد اختلفتْ تراجمةُ القرآن في المعنيِّ بالصراط المستقيم، يشمل معانيَ جميعِهم في ذلك ما اخترنا مِنَ التأويل فيه (^٤).
«وذكر الصراط المستقيم مُفردًا مُعرَّفًا تعريفين:
تعريفًا باللام، وتعريفًا بالإضافة، وذلك يُفيد تعيُّنَه واختصاصه، وأنه صراطٌ واحدٌ، وأمَّا طُرُقُ أهلِ الغضب والضلال، فإنه سبحانه يجمعها ويُفردها، كقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، فوَحَّدَ لفظَ الصراط وسبيله، وجمع السُّبُلَ المخالفة له (^٥).
_________________
(١) أضاف الباحث كلمة (الصراط) لاستقامة المعنى.
(٢) مجموع فتاوى العلَّامة عبد العزيز بن باز -﵀- (٢٤/ ١٦٨).
(٣) زاد الباحث كلمة (كما) ليستقيم الكلام.
(٤) (ينظر: تفسير الطبري (١/ ١٧١).
(٥) مدارج السالكين (١/ ٣٧).
[ ١٤٧ ]