بعض الدلائل على أن
القرآن الكريم كله في التوحيد
[ ٥١ ]
المبحث الرابع:
بعض الدلائل على أن القرآن الكريم كله في التوحيد
فإن من رحمته -﷾- أنه كلما عظُمت حاجة خلقه لأمر ما، تعددت وجوه الحصول عليه والسبل المؤدية إليه، ولنتأمل حاجة البشرية لغذائها، يسر الله حصوله بأشكال وسبل شتى، ولنتأمل حاجة الخلق للماء أشد من حاجتهم إلى الغذاء كانت طرق الوصول إليه والحصول عليه أسهل وأيسر مما يدل على سعة رحمة الخالق بخلقه، ولنمعن التأمل في حاجة البشرية عما لا غنى لهم عنه للحظة أو للحظات ألا وهو الهواء، كان سبيل الوصول إليه لا يحتاج لبذل مال أو جهد أو علم أو طاقة بل هو ميسور لكل كائن حي بلا كلفة ولا نفقة ولا مشقة، ولاريب أن حاجة البشرية لمعرفة حقيقة التوحيد وهدايتهم إليه أعظم من حاجتهم لطعام وغذاء لقوام بدن، أو لماء لارتوائه، أو حتى لهواء يتنفسه وبه حياته، أو لأي أمر به قوام حياة أبدانهم وأجسامهم، لم لا وحياتهم الحقيقية وسعادتهم الأبدية ونجاتهم من مقت الله وسخطه وغضبه وأليم عقابه، والنجاة من عذابه وناره والفوز برضوانه وجنته، كل ذلك منوط بتحقيق التوحيد الذي هو حق الله على جميع العبيد، تحقيق التوحيد الذي به مادة الحياة الحقيقية -حياة القلوب وحياة الأرواح-، وعليه مدار السعادة والنجاة في الدنيا والأخرة.
ولما كانت حاجة البشرية إلى دلالة معرفة الله بتوحيد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته أعظمَ وأجل، كان إنزاله لخاتم كتبه على خاتم رسله كله في التوحيد، وكان تسهيل فهمه وتقريب معانيه والإعانة على تحقيقه ميسور لكل مهتد غير معاند ولا صاد عن سبيل الله وسبيل هدايته، وحول تلك المفاهيم.
[ ٥٣ ]
يوضح الإمام ابن القيم -﵀- الأمر فيقول: «كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه، فإن القرآن إمَّا خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلمي الخبري، وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإمَّا أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإمَّا خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده، وإمَّا خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم» (^١).
قال الإمام ابن أبي العز الحنفي (^٢) -﵀- في شرحه للعقيدة الطحاوية: «وهذا مما يبرهن على أن القرآن كله في التوحيد وفيما يترتب عليه من جزاء ونعيم لأهله، ومثله أيضًا في نقيضه ألا وهو الشرك» (^٣).
وما ذكره الإمام ابن القيم -﵀- من أن: «كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه».
يدلل على شمولية القرآن للتوحيد من جهة، ويدلل على عظم شأن التوحيد من جهة أخرى، وعلى عظم حاجة البشرية للاهتداء بالتوحيد والاعتصام به والاستمساك بعروته الوثقى التي لا انفصام لها، وما ذاك إلا لأهميته ومسيس حاجة البشرية لتحقيقه، ولتسعد به في أولاها وأخراها.
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ٤٥٠).
(٢) ابن أبي العز (٧٣١ - ٧٩٢ هـ (صَدرُ الدين أبو الحسن عليُّ بن علاءِ الدين الدمشقي الصالحيَّ الحنفي. ولد ونشأ في دمشق في كنف أسرة معظمهم قد تولى القضاء في الشام. توفي ودفن في دمشق. الموسوعة الحرة، وللاستزادة: ينظر: الأعلام للزركلي.
(٣) شرح الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٨٥).
[ ٥٤ ]
يقول ابن سعدي -﵀-: «ومن كليات القرآن أنه يدعو إلى توحيد الله ومعرفته، بذكر أسماء الله، وأوصافه، وأفعاله الدالة على تفرُّده بالوحدانية، وأوصاف الكمال، وإلى أنه الحقُّ، وعبادته هي الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، ويبين نقص كل ما عُبِد من دون الله من جميع الوجوه» (^١).
وما ذكره ابن أبي العز الحنفي وابن سعدي رحمهما الله تعالى يوافق كلام الإمام ابن القيم -﵀-، مما يؤكد لدينا أن القرآن كله مشتمل على التوحيد.
قال الشيخ العلَّامة بكر بن عبد الله أبو زيد (^٢) -﵀-: فالقرآن العظيم، كله في التوحيد، وحقوقه، وجزائه، وفي شأن الشرك، وأهله، وجزائهم.
ويُنظر إلى أول سورة في كتاب الله تعالى: سورة الفاتحة): فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾) توحيد في الألوهية، و﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) توحيد في الربوبية)، و﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ (توحيد في الأسماء والصفات)، و﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ توحيد في الملك؛ لأنه من شأن الرب المعبود، الذي هذه صفته؛ أن يكون مالكًا ليوم الدين وهو يوم الجزاء والحساب.
و﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ توحيد في الثناء والقصد، وهذا التوحيد يدفع مرض الرياء، و﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ توحيد في المسألة والطلب، وهذا التوحيد يدفع مرض العجب والكبرياء، وعلى هذه الآية مدار دعوة جميع الرسل والأنبياء.
و﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ توحيد في الطريق الموصل إلى الله وهو الذي شرعه سبحانه ونصبه لعباده، وهو طريق أهل التوحيد، وهم المذكورون في قوله بعده:
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن (٥/ ٤٩١).
(٢) بكر بن عبد الله بن محمد بن أبوزيد، أحد كبار العلماء المعاصرين في المملكة العربية السعودية. تولى عضوية المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وعضوية مجلس القضاء السعودي، وعضوية هيئة كبار العلماء السعودية واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. ولد عام ١٣٦٥) هـ) في مدينة الدوادمي- توفي سنة (١٤٢٩ هـ (بمدينة الرياض. الموسوعة الحرة.
[ ٥٥ ]
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فلا يكون رفيقك في الطريق إلا موحد، وهذا التوحيد في الطريق يدفع أمراض الجهل والضلال والأهواء.
وقوله سبحانه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ تحذير من طريق الذين فارقوا التوحيد.
ويُنظر في آخر سورة من كتاب الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس] (توحيد) و﴿مَلِكِ النَّاسِ (٢)﴾ [الناس] (توحيد) ﴿إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس] (توحيد).
وهذا إشعار بأن ما بين اللوحتين من آيات القرآن، وسوره، كله لغاية واحدة:) توحيد العبد لله لا غير) بما شرع الله على لسان رسول الله -ﷺ-.
وهذا مقتضى الشهادتين في الإسلام: ألَّا يُعبد إلا الله، وألَّا يعبد الله إلا بما شرع، وعليها تدور رحى التشريع …) (^١) انتهى.
وختامًا:
فإن من تأمل كتاب الله من فاتحته إلى خاتمه اتضح له ذلك عيانًا بأن القرآن كله في التوحيد.
ولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) تصحيح الدعاء (ص: ٢٣٠، ٢٣١).
[ ٥٦ ]