أما الشرك الأكبر: هو أن يجعل الإنسان للّه ندًّا في ربوبيته، أو ألوهيته، أو أسمائه وصفاته.
وقد جمع هذه الأنواع الثلاثة كلها حديث من جوامع كلمه -ﷺ- عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: سألت رسول الله -ﷺ- أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك» (^١).
وكما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء].
يقول السمعاني (^٢) -﵀-: «الإشراك هو الجمع بين الشيئين في معنى فالإشراك بالله تعالى هو أن يجمع مع الله غير الله فيما لا يجوز إلا لله» (^٣).
قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣].
يقول القرطبي -﵀-: «أصل الشرك المحرم اعتقاد شريك لله تعالى في إلهيته، وهو الشرك الأعظم وهو شرك الجاهلية» (^٤).
يعرف المقريزي الشرك الأكبر بنحو من تعريف القرطبي فيقول: «فمن أحب غير الله تعالى وخافه ورجاه وذل له كما يحب الله ويخافه ويرجوه فهذا هو الشرك الذي لا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦).
(٢) السمعاني: الإمام الحافظ الكبير الأوحد الثقة، مُحدِّث خراسان، أبو سعد عبد الكريم بن الإمام الحافظ الناقد أبي بكر محمد بن العلَّامة مفتي خراسان أبي المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار، التميمي السمعاني الخراساني المروزي، صاحب المصنفات الكثيرة. ولد بمرو سنة ست وخمسمائة. سير أعلام النبلاء (٢٥٦/ ٢٠)
(٣) تفسير السمعاني (١٢١/ ٢).
(٤) المفهم (٦/ ٦١٥).
[ ٦٥ ]
يغفره الله» (^١) ا. هـ.
فالخوف والرجاء والذل والحب والخوف كلها من أعمال العباد، وتوحيد الألوهية إنما هو: توحيد الله بأفعال العباد.
ويؤكد ابن كثير تعريفه للشرك بنفس المعنى بعبارة مختصرة فيقول: «الشرك الأعظم [أن] (^٢) يُعبَد مع الله غيره» (^٣).
كما قال تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا … لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٦ - ٩٨].
ويقول سبحانه: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام].
يتبين مما سبق من تعريف أهل العلم للشرك، أن الشرك في عبادة الله هو الشرك الأكبر والأعظم الذي لا يغفره الله أبدًا لمن مات مشركًا.
وإذا أردنا أن نتأمل حقيقة الخطب الجلل المترتب على الشرك الأكبر، فلنتدبر دعاء خليل الرحمن -﵇- وتضرعه وإلحاحه على ربه أن يباعده ويجافيه عن الشرك هو وبنيه، ولقد بوَّب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه «التوحيد» ما يدل على ذلك فقال في الباب الرابع: باب الخوف من الشرك، وذكر هذه الآية:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم].
وإبراهيم -﵇- خليل الرحمن ومن هو في قدره ومكانته ودرجته ورتبته، إنه كان أمة، وكان قدوة، اختصه الله تعالى بهذا الوصف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ [النحل].
_________________
(١) تجريد التوحيد (ص: ١٠).
(٢) أضاف الباحث (أن) بين المعكوفين حتى يستقيم الكلام.
(٣) تفسير ابن كثير (٢/ ٥١٢).
[ ٦٦ ]
وكما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل].
خامسًا: بيان عواقب الشرك الأكبر وما يترتب عليه من أحكام.
لما كان الشرك الأكبر أظلم الظلم ويترتب على المتلبس به أحكام شرعية عظيمة الخطب، وذلك حفظًا لضرورة الدين، وصيانة لجناب التوحيد، وتحذيرًا للعباد من عواقبه الوخيمة وما يترتب عليه من شر محض في الدنيا، وخلود أبدى سرمدي في النار يوم التناد، كان بيان أهم تلك الأحكام واجب البيان، ومن أهمها وأبينها وأجلها ما يلي:
١ - الشرك محبط لجميع الأعمال بالكلية قال تعالى لنبيه -ﷺ-: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر].
وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة].
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧)﴾ [التوبة].
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥].
والآيات في هذا الشأن أكثر من أن تحصى ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.
٢ - والكافر متى لقي ربه مشركًا كافرًا فليس له مطمع ولا أمل في أن تناله المغفرة أبدًا، وهذا مما يدل على خطورة الشرك وخطورة الوقوع فيه والتلبس به.
[ ٦٧ ]
فمن مات على الشرك فلا يدخل تحت الوعد بالمغفرة المترتب على مشيئة أرحم الراحمين والتي يدخل تحتها أصحاب سائر الكبائر والموبقات والذين ماتوا دون توبة، جل في علاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء].
وسبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٤٨].
وبمفهوم المخالفة إن لم ينتهوا عن الكفر فلن يغفر لهم ما قد سلف.
وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩].
٣ - أن صاحبه محرم عليه الجنة وهو مخلد في النار.
فالشرك الأكبر يوجب لصاحبه الخلود في النار، خلودًا دائمًا أي: على وجه التأبيد، ويحرم عليه الجنة ابتداءً وانتهاءً والعياذ بالله، ودلائل التنزيل في الكتاب العزيز والسنة المطهرة على ذلك كثيرة معلومة ومتوافرة، بل هي من الأحكام القطعية الدلالة المعلومة من دين الإسلام بالضرورة، ومن ذلك:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة].
وعن جابر بن عبد الله -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار» (^١).
٤ - والشرك يبيح دم المشرك وماله.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٣٨)، ومسلم (٩٢)، واللفظ لمسلم.
[ ٦٨ ]
وهذا حكم من أحكام الشريعة الثابتة بدلالة الكتاب والسنة مع مراعاة ضوابطه ولوازمه الشرعية، في ضوء أحكام الشريعة الغراء.
يُقال ذلك حتى لا يغتر أحد من السفهاء حدثاء الأسنان سفهاء العقول والأحلام ويتجرأ على إراقة الدماء وسفكها واستحلالها بنفسه بسوء فهمٍ للنصوص أو محاولة لي عنقها تبعًا للهوى واتباعًا للشيطان وحزبه، فإن مما عُلِمَ من دين الله بالضرورة: أن إقامة الحدود أمر منوط بالسلطان.
قال تعالي: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة].
وقال -ﷺ-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلَّا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (^١).
ولقد اتفق أهل العلم على أن إقامة الحد أمر مختص بالسلطان أو نائبه.
وما عليه أهل السنة: أن إقامة الحدود حق للإمام لا غير، ولا يجوز لأحد كائنًا من كان أن ينازعه فيه.
قال الإمام أحمد بن حنبل -﵀-: «وقسْمة الفيء، وإقامة الحدود؛ إلى الأئمة ماضٍ، ليس لأحد أن يطعن عليهم، ولا ينازعهم». اهـ (^٢).
يقول القرطبي -﵀-: «لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر الذين فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعًا أن يجتمعوا على القصاص
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٠).
(٢) من أصول السنة لأحمد بن حنبل رواية عبدوس بن مالك العطار (٣٠) وينظر: عند اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٦٠).
[ ٦٩ ]
فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود (^١).
ويقول ابن رشدالحفيد (^٢) -﵀-: وأما من يقيم هذا الحد-أي: جلد شارب الخمر- فاتفقوا على أن الإمام يقيمه وكذلك الأمر في سائر الحدود (^٣).
ومن حجج هؤلاء عدم وجود محاكم شرعية تقيم الحدود.
وفي ذلك يقول سماحة شيخنا الإمام ابن باز -﵀-: جوابًا عن سؤال فيمن يُجافي المستأمنين، فذكر أنهم يحالون للمحكمة الشرعية، فسئل عما لو لم تكن هناك محاكم شرعية؟
فقال -﵀-: «إذا لم توجد محاكم شرعية؛ فالنصيحة فقط، النصيحة لولاة الأمور، وتوجيههم للخير، والتعاون معهم، حتى يُحَكِّموا شرع الله، أما أن الآمر والناهي يمد يده، أو يقتل أو يضرب؛ فلا يجوز، لكن يتعاون مع ولاة الأمور بالتي هي أحسن، حتى يحكموا شرع الله في عباد الله، وإلا فواجبه النصح، وواجبه التوجيه إلى الخير، وواجبه إنكار المنكر بالتي هي أحسن، هذا هو واجبه، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ولأن إنكاره باليد بالقتل أو الضرب؛ يترتب عليه شر أكثر، وفساد أعظم بلا شك ولا ريب، لكل من سَبَرَ هذه الأمور وعرفها» (^٤). اهـ.
_________________
(١) القرطبي (٢/ ٢٤٥، ٢٦٤).
(٢) ابن رشد الحفيد: (ت ٥٩٥ هـ). محمد بن أحمد بن محمد بن رشد، ويلقب بالحفيد تميزًا له عن جده أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد الذي يميز بالجد، فقيه مالكي، فيلسوف، طبيب من قرطبة. ولد سة (٥٢٠ هـ). عني بكلام أرسطو وترجمته إلى العربية وزاد عليه زيادات كثيرة، اتهم بالزندقة والإلحاد فنفي إلى مراكش وأحرقت بعض كتبه، ومات بمراكش سنة (٥٩٥ هـ) ودفن بقرطبة. من تصانيفه: فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، وتهافت التهافت، في الرد على كتاب تهافت الفلاسفة للغزالي وبداية المجتهد ونهاية المقتصد. ينظر: ترجمته في (تاريخ قضاة الأندلس (١/ ١١١)؛ الديباج المذهب (١/ ٢٨٤ (.
(٣) بداية المجتهد (٢/ ٢٣٣).
(٤) نقلًا عن (فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة) (ص ٦٧ - ٦٨) لمحمد بن حسين بن سعيد.
[ ٧٠ ]
والواقع الأليم الذي تعيشه الأمة الآن خير شاهد على ذلك، فإن فئة من الشباب، حدثاء أسنانُهم سفهاء عقُولُهم، نصبوا أنفسهم ولاة أمر على العباد، ومنحوا أنفسهم صلاحية ومهام السلطان أو صلاحية الإمامة العظمى في المسلمين، فكل جماعة لها قوة وشكيمة في بقعة من الأرض تعطي لنفسها تلك الصلاحيات، وتقيم الحدود على أن لها الولاية الشرعية والإمامة العظمى، وأنها مخولة بإقامة الحدود والتعزيرات، فحصل من جراء ذلك مفاسد عظيمة مشهودة للعيان.
٥ - والمشرك تحرم مناكحته.
يقول تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ الآية: [البقرة: ٢٢١].
ويقول تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠].
قال ابن كثير -﵀-: «تحريم من الله -﷿- على عباده المؤمنين نكاح المشركات، والاستمرار معهن» (^١). ا. هـ
٦ - والمشرك يحرم أكل ذبيحته.
يقول تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١]. ويستثنى من ذلك أهل الكتاب، فحرائر نسائهم إن كن عفيفات طاهرات غير محاربات، وذبائحهم، حلال لأهل ملتنا.
يقول سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية [المائدة: ٥].
٧ - من مات مشركًا فإنه لا يرث ولا يورث بل إن ماله يفيء إلى بيت مال المسلمين، لحديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (^٢).
_________________
(١) ابن كثير (٨/ ٩٤).
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤).
[ ٧١ ]
٨ - من مات مشركًا فلا يغسَّل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يستغفر له، ولا يترحم عليه، ولا يقبر في مقابر المسلمين، قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا … عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ … فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة: ١١٣ - ١١٤]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ [التوبة].
٩ - المشرك يُحرم نعمتي الأمن والاهتداء، ويقرر هذه الحقيقة قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام].
والظلم هنا هو الشرك كما مر معنا في آية لقمان، وبمفهوم المخالفة فالذين خالطوا إيمانهم بشرك ليس لهم الأمن وليسوا بمهتدين.
وقوله سبحانه: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٥١].
قال ابن القيم -﵀-: «والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم وأقبح القبائح وأنكر المنكرات كان أبغض الأشياء إلى الله وأكرهها له وأشدها مقتًا لديه، ورتّب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حَرَمِه، وحرّم ذبائحهم ومناكحتهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداءً له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم وأن يتخذوهم عبيدًا، وهذا لأن الشرك هضم لحقّ الربوبية، وتنقيص لعظمة الألوهية» (^١).
١ - والمشرك المتلبّس بالشرك ظن بربّه ظن السوء كما قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ
_________________
(١) إغاثة اللهفان (١/ ٩٩).
[ ٧٢ ]
اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح].
قال ابن القيم -﵀-: «فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك، فإنهم ظنّوا به ظنّ السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظنّ لوحّدوه حقّ توحيده» (^١).
وقال أيضًا: «فالشرك ملزوم لتنقّص الربّ سبحانه، والتنقّص لازم له ضرورة، شاء المشرِك أم أبى، ولهذا اقتضى حمدُه سبحانه وكمال ربوبيته ألا يغفره، وأن يخلّدَ صاحبَه في العذاب الأليم ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركًا إلا وهو متنقّص لله سبحانه» (^٢).
١١ - والشرك يفسد العقول، فالمشركون من أفسد الناس عقولًا، وقد قال الله فيهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ … كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ … نَعْقِلُ مَا كُنَّا … فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ … (١٠)﴾ [الملك].
تأَمّل في نبات الأَرض وانظر … إلى آثار ما صَنع المليكُ
عيونٌ من لُجَينٍ فاتراتٌ … على أَحداقها ذهبٌ سَبِيك
على قُضُب الزَّبَرْجَدِ شاهدات … بأَنَّ الله ليس له شريكُ» (^٣)، (^٤) ا. هـ.
وبذلك ينتهي الفصل الأول- والحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) المرجع السابق (١/ ٩٩).
(٢) إغاثة اللهفان (١/ ١٠١).
(٣) الأبيات لأبي نواس، وينظر: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز (١/ ٩٤٣).
(٤) وينظر: عرفة بن طنطاوي، عناية الإسلام بتربية الأبناء كما بينتها سورة لقمان، (ص: ٥٣١) وما بعدها، رسالة ماجستير تحت الطبع، الجامعة الإسلامية العالمية -القاهرة-.
[ ٧٣ ]