فمن حقق التوحيد دُفِعَت عنه العقوبات وسلم في الدارين من الشرور والآفات، أما في الدنيا فيُعْصِمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وأما في الآخرة ينجو من النار دار البوار، ويسكن الجنة دار الأبرار جزاء من وحد الله: (في الدنيا).
ثبت في الصحيح عن طارق بن أشيم الأشجعي -﵁- عَنْ النبي -ﷺ- أنه قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاّ الله، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ. وَحِسَابُهُ عَلَى الله -﷿-» (^٣).
_________________
(١) زاد المعاد (٢/ ٤١).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٨ - ٣٢).
(٣) أخرجه مسلم (٢٣).
[ ٤٧ ]
وجزاء من وحد الله: (عند الموت).
فمن حقق التوحيد وعاش عليه ختم له بخاتمة السعادة.
«فالتَّوحيد مفتاحُ دعوة الرُّسل، وهو أوَّل ما يُدْخَلُ به في الإسلام، وآخر ما يُخْرَجُ به من الدُّنيا، قال النَّبيُّ -ﷺ-: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ» (^١).
فهو أوَّل واجبٍ وآخرُ واجبٍ، فالتَّوحيد أوَّل الأمرِ وآخرُه».
وجزاء من وحد الله في الآخرة: «النجاة من النار دار البوار».
ثبت في الصحيحين من حديث عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الْأَنْصارِيَّ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «فإن اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» (^٢).
ومما يدلل على ذلك أيضًا ما ثبت عند البخاري من حديث أنس بن مالك -﵁- قال: كان غلامٌ يهوديٌّ يخدم النَّبيَّ -ﷺ-، فمرض، فأتاه النَّبيُّ -ﷺ- يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: «أَسْلِم»، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أَطِعْ أبا القاسم -ﷺ-؛ فأسلمَ.
فخرج النَّبيُّ -ﷺ- وهو يقول: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» (^٣).
وكذلك جزاء مَن وحَّدَ الله في الآخرة: الفوز بالجنة.
عن أبي موسى الأشعريّ أنّ رسول الله -ﷺ- قال: «أَبْشِرُوا وَبَشِّرُوا مَنْ وَرَاءَكُمْ، أَنَّهُ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ صَادِقًا بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (^٤).
وختامًا فإن التوحيد سبب النجاة من الخلود في النار، فقد تواترت الأحاديث عن النبي -ﷺ- أن الموحدين يخرجون من النار خلافًا للخوارج والمعتزلة.
_________________
(١) مدارج السَّالكين (٣/ ٤٤٣) (بتصرف)، والحديث أخرجه أبو داود (٣١١٦) من حديث مُعَاذِ ابْنِ جَبَلٍ، وصحَّحه الألباني -﵀- إرواء الغليل (٣/ ١٤٩).
(٢) أخرجه البخاري (٧٧)، ومسلم (٣٣).
(٣) البخاري (١٢٩٠).
(٤) أحمد (١٩٥٩٧) وقال محققه: حديث صحيح.
[ ٤٨ ]
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام -﵀-: «فقد تواترت الأحاديث عن النبي -ﷺ- في أنه يخرج أقوام من النار بعد ما دخلوها وأن النبي -ﷺ- يشفع في أقوام دخلوا النار، وهذه الأحاديث حجة على الطائفتين: «الوعيدية» الذين يقولون: من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج منها، وعلى «المرجئة» الواقفة الذين يقولون: لا ندري هل يدخل من أهل التوحيد النار أحد أم لا؟» (^١) ا. هـ.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٤٨٦).
[ ٤٩ ]