قال ابن قدامة: «واختلفت الرواية عن أحمد هل هي آية من الفاتحة يجب قراءتها في الصلاة أو لا؟ فعنه أنها من الفاتحة وذهب إليه أبو عبد الله ابن بطة وأبو حفص، وروي عن أحمد أنها ليست من الفاتحة ولا آية من غيرها، ولا يجب قراءتها في الصلاة، وهي المنصورة عند أصحابه».
قال ابن قدامة: «واختلف عن أحمد فيها -أي: في هذه الرواية- فقيل عنه: هي آية مفردة كانت تنزل بين سورتين فصلًا بين السور.
وعنه: هي آية من سورة النمل (^٢). أي: النمل فقط وليست آية من غيرها».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقًا على هذه الرواية عن أحمد: «ويحكى هذا رواية عن أحمد ولا يصح عنه وإن كان قولًا في مذهبه» (^٣).
ولقد انتصر شيخ الإسلام -﵀- للقول بقرآنية البسملة، حيث إنها أثبتت في أول كل سورة وهي ليست من السورة، ثم قال -﵀- تعالى: «وهذا أعدل الأقوال» (^٤).
وفي تفصيل ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «والصواب أن البسملة آية من كتاب الله، حيث كتبها الصحابة في المصحف، إذ لم يكتبوا فيه إلا القرآن، وجردوه عما ليس منه، كالتخميس والتعشير وأسماء السور؛ ولكن مع ذلك لا يقال هي من السورة التي بعدها، كما أنها ليست من السورة التي قبلها، بل هي كما كتبت آية، أنزلها
_________________
(١) المرجع السابق (٣/ ٢٨٩).
(٢) المغني (١/ ٢٨٥).
(٣) الفتاوى الكبرى (٢/ ١٨٢).
(٤) المرجع السابق (٢/ ١٨٢) بتصرف يسير.
[ ٩١ ]
الله في أول كل سورة، وهذا أعدل الأقوال الثلاثة في هذه المسألة.
وسواء قيل بالقطع في النفي أو الإثبات، فذلك لا يمنع كونها من موارد الاجتهاد التي لا تكفير ولا تفسيق فيها للنافي ولا للمثبت، بل قد يقال ما قاله طائفة من العلماء: إن كل واحد من القولين حق، وأنها آية من القرآن في بعض القراءات، وهي قراءة الذين يفصلون بها بين السورتين، وليست آية في بعض القراءات، وهي قراءة الذين يصلون ولا يفصلون بها بين السورتين» (^١).
ولقد جعل بعض أهل العلماء الاختلاف في قرآنية البسملة، كاختلاف أئمة القراءات في بعض الكلمات والحروف، فقد يَثبُتُ بعضُها في قراءة أو رواية، وقد لا يَثبُتُ في غيرها.
وفي نحو ذلك أيضًا يقول رشيد رضا: «وأقول الآن: أجمع المسلمون على أن البسملة من القرآن وأنها جزء آية من سورة النمل. واختلفوا في مكانها من سائر السور، فذهب إلى أنها آية من كل سورة؛ علماء السلف من أهل مكة- فقهائهم وقرائهم- ومنهم ابن كثير، وأهل الكوفة ومنهم عاصم والكسائي من القراء، وبعض الصحابة والتابعين من أهل المدينة، والشافعي في الجديد وأتباعه، والثوري وأحمد في أحد قوليه، ومن المروي عنهم ذلك من علماء الصحابة: علي وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة، ومن علماء التابعين سعيد بن جبير، وعطاء، والزهري، وابن المبارك، وأقوى حججهم في ذلك إجماع الصحابة ومن بعدهم على إثباتها في المصحف أول كل سورة سوى سورة براءة (التوبة) مع الأمر بتجريد القرآن عن كل ما ليس منه، ولذلك لم يكتبوا (آمين) في آخر الفاتحة، وأحاديث منها ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-:
«أنزلت علي آنفًا سورة» فقرأ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ
_________________
(١) انتهى بتصرف يسير جدًّا وللتوسع ينظر: مجموع الفتاوى): ١٣/ ٣٨٩).
[ ٩٢ ]
وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر] (^١) وروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن رسول الله -ﷺ- كان لا يعرف فصل السورة (^٢) -وفي رواية انقضاء السورة- حتى ينزل عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» (^٣) (^٤).
ويقول العلَّامة الشنقيطي -﵀-: «اختلف العلماء في البسملة، هل هي آية من أول كل سورة؟ أو من الفاتحة فقط؟ أو ليست آية مطلقًا؟ أما قوله في سورة النمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾: فهي آية من القرآن إجماعًا.
وأما سورة «براءة»: فليست البسملة آية منها اجماعًا، واختُلف فيما سوى هذا، فذكر بعض أهل الأصول أن البسملة ليست من القرآن، وقال قوم: هي منه في الفاتحة فقط، وقيل: هي آية من أول كل سورة، وهو مذهب الشافعي -﵀-.
ومِن أحسن ما قيل في ذلك -الجمع بين الأقوال-: بأن البسملة في بعض القراءات -كقراءة ابن كثير- آية من القرآن، وفي بعض القراءات: ليست آية، ولا غرابة في هذا.
فقوله في سورة «الحديد» ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾ [الحديد] لفظة (هُوَ) من القرآن في قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وليست من القرآن في قراءة نافع، وابن عامر؛ لأنهما قرءا (فإن الله الغني الحميد)، وبعض المصاحف فيه لفظة (هُوَ)، وبعضها ليست فيه.
وقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة]، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] الآية، فالواو من قوله: ﴿وَقَالُوا﴾ في هذه الآية من القرآن على
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٩٦٤)، ومسلم (٤٠٠).
(٢) أخرجه الحاكم (٨٤٥) بلفظ: كان النبي -ﷺ- لا يعلم ختم السورة حتى تنزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قلت: رواته ثقات سوى سلم بن الفضل فمحله الصدق الذهبي في السير (١٦: ٢٧).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٢٦١٧) بإسناد صحيح ظاهر الإرسال.
(٤) تفسير المنار (١/ ٣٤).
[ ٩٣ ]
قراءة السبعة غير ابن عامر، وهي في قراءة ابن عامر ليست من القرآن لأنه قرأ ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ بغير واو، وهي محذوفة في مصحف أهل الشام، وقس على هذا.
وبه تعرف أنه لا إشكال في كون البسملة آية في بعض الحروف دون بعض، وبذلك تتفق أقوال العلماء» (^١) انتهى.