لقد اجتمع لكلمة التوحيد من الثمار العديدة والفضائل والخصائص ما يعجز المقام عن حصره، إلا أنَّ قائلها لا تنفعه تلك الفضائل بمجرد النطق باللسان، ولا ينتفع بها إلا من عمل بمقتضاها وحقق شروطها وأتى بلوازمها، وعلم مدلولها نفيًا وإثباتًا، واعتقد ذلك اعتقادًا جازمًا لا يعتريه ريب أو شك، وقرن مع الاعتقاد الجازم بها، العمل بمقتضاها.
فأما مَن قالها وعمل بها ظاهرًا من غير اعتقاد جازم نابعًا من القلب، فذاك المنافق، وأما من تلفظ بها وعمل بنقيضها ولم يحقق لوازمها من الإشراك بالله في عبادته، فذاك المشرك الكافر، كالذي يتلفظ بها وهو يصرف شيئًا من أنواع العبادات الظاهرة أو الباطنة ويتوجه به لغير الله تعالى المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ كالذبح لأرباب القبور أو الجن أو غيرها من المخلوقين والنذر لغيره سبحانه، ودعاء الأموات والاستغاثة بهم وطالب قضاء الحوائج منهم والتوكل عليهم والإنابة والفزع إليهم ودعائهم من دون الله، ورجائهم وخوفهم ومحبتهم من دون الله ونحو ذلك من العبادات التي لا تصرف إلا لله تعالى، فمن صرف شيئًا من تلك العبادة أو غيرها مما
_________________
(١) هو الشيخ العلَّامة أبوعبد الله عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي، ولد في القصيم في (١٣٠٧ هـ)، اشتغل بالعلم على يد علماء بلده، ولما بلغ من العمر ثلاثًا وعشرين سنة جلس للتدريس، توفي سنة (١٣٧٦ هـ) في القصيم، بالمملكة العربية السعودية، وللاستزادة، ينظر: مصادر هذه الترجمة في:
(٢) مشاهير علماء نجد وغيرهم للشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ (ص ٢٥٦).
(٣) ابن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة، رسالة ماجستير إعداد د/ عبد الرزاق بن … عبد المحسن العباد (من ص ١٣ إلى ٦١).
(٤) ابن سعدي) ١٢٨).
[ ٢٨ ]
لا يصلح صرفه إلا له سبحانه، فهو مشرك كافر بالله تعالى، ولا ينفعه التلفظ بكلمة التوحيد حتى يصرف العبادات كلها لله ويعمل بلوازمها ومقتضياتها ويخلص الدين كله لله.
ولقد نبه الشيخ حافظ الحكمي -﵀- في كتابه الماتع معارج القبول على ذلك فقال -﵀-: «ليس المراد من ذلك عدَّ ألفاظها وحفظها فكم من عاميٍّ اجتمعت فيه والتزمها ولو قيل له اعُددها لم يحسن ذلك، وكم حافظٍ لألفاظها يجري فيها كالسهم وتراه يقع كثيرًا فيما يناقضها، والتوفيق بيد الله» (^١) ا. هـ.
وقيل للحسن البصري (^٢) -﵀-: «إن ناسًا يقولون: من قال: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دخل الجنة؛ فقال: «من قال لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فأدَّى حقها وفرضها دخل الجنة» (^٣)
وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس مفتاح الجنة لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟
قال: «بلى؛ ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، إن أتيت بمفتاح له أسنان فُتح لك، وإلا لم يُفتح لك».
يشير بالأسنان إلى شروط لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (^٤).
وحيث إن الانتفاع بهذه الكلمة العظيمة الطيبة لا يتم لمخلوق إلا إذا تحققت فيه شروط سبعة، وهذه الشروط أخذها العلماء المحققون بالتتبع والاستقراء للأدلة من الكتاب والسنة، فوجدوا أن تلك الكلمة قُيِدت في الكتاب والسنة بقيود عظيمة الشأن جليلة القدر، وأن هذه الكلمة لا تنفع قائلها إلا إذا استوفى تلك الشروط مجتمعة
_________________
(١) معارج القبول (١/ ٣٧٧).
(٢) الحسن البصري (٢١ - ١١٠ هـ)، هو: الحسن بن يسار البصري، تابعي، ولد بالمدينة، رأى بعض الصحابة، وسمع من قليل منهم، شهد له أنس بن مالك وغيره. وكان إمام أهل البصرة، نقل عنه أنه قال بقول القدرية، وينقل أنه رجع عن ذلك، [تهذيب التهذيب (٢/ ٢٤٢ - ٢٧١)؛ والأعلام للزركلي (٢/ ٢٤٢)؛ و(الحسن البصري) لإحسان عباس].
(٣) حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني (٨/ ٩٥).
(٤) التاريخ الكبير للبخاري (١/ ٥٩)، والحلية لأبي نعيم الأصبهاني (٤/ ٦٦).
[ ٢٩ ]
وهذه الشروط هي: العلم، اليقين، القبول، الانقياد، الصدق، الإخلاص، المحبة.
وقد جمعها العلَّامة حافظ حكمي -﵀- فقال:
وبشروط سبعة قد قيدت … وفي نصوص الوحي حقًّا وردت
فإنه لم ينتفع قائلها … بالنطق إلا حيث يستكملها
العلم واليقين والقبول … والانقياد فادر ما أقول
والصدق والإخلاص والمحبة … وفقك الله لما أحبه (^١)
الشرط الأول: العلم بمعناها المراد منها-نفيًا وإثباتًا-ويكون ذلك نطقًا باللسان وعملًا بما تقتضيه تلك الكلمة العظيمة بالجوارح والأركان.
ولا يتحقق ذلك إلا بنفي جميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة عن كل من سوى الله وإثباتها لله وحده لا شريك له تعالى في فاتحة كتابه المجيد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.
فكلمة ﴿إِيَّاكَ﴾ في الجملتين مفعول به حقه التأخير، لكنها تقدمت فعلي ﴿نَعْبُدُ﴾ و﴿نَسْتَعِينُ﴾ لتفيد الحصر والاختصاص، وتقديم المعمول في اللغة كما هو معلوم يفيد الحصر والاختصاص، فتحصر العبادة لله ولا يختص به سواه سبحانه، وكذلك الاستعانة، فيكون المعنى: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك.
ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ [البقرة].
ومثله أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ [البقرة].
وقال الله -﵎-: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد].
قال الطبري -﵀-: «يقول-تعالى ذكره- لنبيه محمد -ﷺ-: فاعلم يا محمد، أنه لا
_________________
(١) معارج القبول (١/ ٣٢).
[ ٣٠ ]
معبود تنبغي أو تصلح له الألوهة، ويجوز لك وللخلق عبادته؛ إلا الله الذي هو خالق الخلق، ومالك كل شيء، يدين له بالربوبية كل ما دونه» (^١).
وكما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [الزخرف].
وقال الطبري أيضًا في قوله ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] قال: «كلمة الإخلاص» (^٢).
وعَنْ عُثْمَانَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ -ﷺ-: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ الله دَخَلَ الْجَنَّةَ» (^٣).
قال القرطبي -﵀- في قوله -ﷺ-: «وَهُوَ يَعْلَمُ»: «حقيقة العلم هي وضوح أمرٍ ما وانكشافه على غايته، بحيث لا يبقى له بعد ذلك غاية في الوضوح» (^٤).
الشرط الثاني: اليقين المنافي للشك.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات].
قال الطبري: «يقول -تعالى ذكره- للأعراب الذين قالوا آمنا ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم: إنما المؤمنون أيها القوم الذين صدقوا الله ورسوله، ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، يقول: ثم لم يشكوا في وحدانية الله، ولا في نبوة نبيه -ﷺ-» (^٥).
وعن أبي هريرة -﵁-، قال رسول الله -ﷺ-: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى اللهَ بها عبدٌ غير شاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة» (^٦).
_________________
(١) التفسير (٢٢/ ١٧٤).
(٢) التفسير (٢١/ ٦٥٤).
(٣) أخرجه مسلم (٢٦) واللفظ له.
(٤) ينظر: المفهم، باب من لقي الله تعالى عالمًا به دخل الجنة، حديث) ٢١).
(٥) التفسير (٢٢/ ٣١٨).
(٦) أخرجه مسلم (٢٧).
[ ٣١ ]
الشرط الثالث: القبول لما تقتضيه كلمة التوحيد بقلبه ولسانه، غير مستكبر عنها.
قال تعالى في وصف حال المجرمين إذا دُعوا إلى هذه الكلمة الطيبة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا … إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ [الصافات: ٣٥].
قال الطبري -﵀-: «يقول -تعالى ذكره-: وإن هؤلاء المشركين بالله الذين وصف صفتهم في هذه الآيات كانوا في الدنيا إذا قيل لهم: قولوا: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾. يقول: يتعظمون عن قيل ذلك ويتكبرون، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل» (^١).
قال البغوي -﵀- في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾: «يتكبرون عن كلمة التوحيد، ويمتنعون منها» (^٢).
والأمر كما ذكر الطبري شيخ المفسرين وكما بين البغوي، في تعاظم المشركين وتكبرهم وامتناعهم عن قولها والنطق بها، هو عدم القبول لهذه الكلمة كما تبين معنا في الشرط الثالث المذكور آنفًا.
الشرط الرابع: الانقياد والاستسلام المنافي للترك لما دلت عليه كلمة التوحيد ويكون ذلك ظاهرًا وباطنًا.
فينقاد لما دلت عليه، ويعبد الله وحده لا شريك له، ويؤمن بشريعته ويعمل بها ويعتقد أنها الحق، ولعل الفرق بينه وبين القبول: أن الانقياد هو الاتباع بالأفعال والقبول إظهار صحة معنى ذلك بالقول ويلزم منهما جميعًا الاتباع ولكن الانقياد هو الاستسلام والإذعان وعدم الترك لشيء (^٣) من شروط لا إله إلا الله.
قال الله -﵎-: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ
_________________
(١) الطبري (٢١/ ٣٤).
(٢) البغوي (٧/ ٣٩).
(٣) ينظر: (الشهادتان معناهما وما تستلزمه كل منهما) للعلامة الدكتور عبد الله بن جبرين، (ص ٨١)، وتحفة الإخوان للإمام العلَّامة ابن باز، (ص ٢٦). (بتصرف).
[ ٣٢ ]
الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان].
قال القرطبي -﵀-: «قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾. أي: يخلص عبادته وقصده إلى الله تعالى» (^١).
قال البغوي -﵀-: «قوله تعالى: ﴿اللَّهِ﴾ يعني: لله، أي: يخلص دينه لله، ويفوض أمره إلى الله» (^٢).
وكلام القرطبي والبغوي إنما عنيا به وقصدا الانقياد والاستسلام.
وقال أبو جعفر النحَّاس -﵀-: «قوله جل وعز: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا … إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ [الصافات] أي: عن توحيد الله -﷿-» (^٣).
الشرط الخامس: الصدق المنافي للكذب المانع من النفاق فمن نطقها بلسانه وأنكر حقيقتها ومدلولها بجنانه فإنها لا تنفعه ولا تنجيه، بل هو في جملة وتعداد المنافقين، الذين ذكرهم الله في كتابه فقال سبحانه في وصفهم: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١].
فرد الله دعواهم تلك وأبطل زعمهم الكاذب بقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون].
قال الطبري -﵀-: «﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، إنما كذب ضميرهم لأنهم أضمروا النفاق، فكما لم يقبل إيمانهم، وقد أظهروه، فكذلك جعلهم كاذبين، لأنهم أضمروا غير ما أظهروا» (^٤).
وقال سبحانه أيضًا في وصفهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي): ١٤/ ٧٠).
(٢) البغوي (٦/ ١٨٢).
(٣) معاني القرآن الكريم لأبي جعفر النحاس (٦ ص ٢٣).
(٤) التفسير (٩/ ٣٩٠).
[ ٣٣ ]
بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة].
وقال جل في علاه في وصفهم أيضًا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة].
ومن الحجج والبينات الصريحة على اشتراط التصديق بالجنان مع الإقرار باللسان ومن اشتراط الصدق في الشهادة ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك -﵁- قال: قال -ﷺ-: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه؛ إلا حرمه على النار» (^١).
هذا جزاء من قالها صدقًا من قلبه، وبمفهوم المخالفة أن من قالها كاذبًا غير صادقٍ في قوله، لا يدخل الجنة، بل هو من أهل النار.
الشرط السادس: الإخلاص المنافي للشرك، وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك والنفاق والرياء والسمعة.
فيخلص العبد لربه جميع عباداته القولية والفعلية، وإذا صرف شيئًا منها لغير الله، لأي مخلوق كائنًا من كان، لملك مقرب أو لنبي مرسل، أو لولي من الأولياء، أو لجني، أو لوثن، أو لأي أحد من دون الله تعالى فقد أشرك بالله تعالى وانتفى عنه الاخلاص.
كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: الآيتان: ٢ - ٣].
وقال سبحانه: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
ومن السنة ما ثبت في الصحيحين وفي مسند أحمد من حديث مَحْمُودُ بْنُ رَبِيعٍ (^٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٨)، ومسلم (٣٢).
(٢) محمود بن الربيع بن سراقة بن عمرو أدرك النبي -ﷺ- وعقل منه مجة مجها في وجهه من بئر في دارهم، وهو يومئذ ابن أربع سنين. وحدث عن: أبي أيوب الأنصاري، وعتبان بن=
[ ٣٤ ]
عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ في قصة مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ -﵃- قال: قال -ﷺ-: «فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (^١).
وفي لفظ: «لن يوافي عبد يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله إلا حرم الله عليه النار» (^٢).
وفي لفظ: «ألا تقولوه (^٣): يقول لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله؟ قال: بلى، قال: فإنه لا يوافي عبد يوم القيامة به إلا حرم الله عليه النار» (^٤).
وثبت عند البخاري من حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه» (^٥).
الشرط السابع: المحبة لكلمة التوحيد ولما اقتضته ودلّت عليه، محبة منافية للبغضاء والكره.
فمن شروط صحة تحقيق كلمة التوحيد، محبتها ومحبة لوازمها ومحبة ما اقتضته وأوجبته ومحبة أهلها، وبغض أعدائها وبغض ما ينافيها من الشرك بالله تعالى بكل صوره؛ ومن لوازم محبة كلمة التوحيد أيضًا، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله.
قال ابن القيم -﵀-: «فالله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته،
_________________
(١) =مالك، وعبادة بن الصامت، وغيرهم، وروى عنه من الصحابة أنس بن مالك. وقال يحيى بن معين: «له صحبة». سير أعلام النبلاء (٣/ ٥٢٠).
(٢) البخاري (٥٠٨٦)، ومسلم (٣٣).
(٣) البخاري (٦٠٥٩)، ومسلم (٣٣).
(٤) كذا في رواية الكشميهني، وفي رواية المستملي والسرخسي: «لا تقولوه» بصيغة النهي. البخاري (٦٥٣٩).
(٥) البخاري (٦٠٥٩)، ومسلم (٣٣).
(٦) البخاري (٩٩). وللاستزادة، ينظر: مقال (أدلة شروط لا إله إلا الله من كلام أئمة الإسلام) -موقع ملتقى أهل الحديث.
[ ٣٥ ]
مع الخضوع له والانقياد لأمره» (^١).
وأن تكون محبته لله محبة ذاتية منفردة لا يشرك في محبته سواه جل في علاه، لأنه لا يُحبُ لذاته إلا الله تعالى، ويحب ما أحب اللهُ ورسولهُ، ويبغض ما أبغض اللهُ ورسولهُ، وأما كل ما سوى الله من المخلوقين فمحبته لما فيه من خير، ولا يُحِب مع الله أحدًا وإنما يُحب في الله ولله؛ ولهذا قال -ﷺ-: «مَنْ أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (^٢).
قال العلَّامة حافظ الحكمي -﵀-: «وعلامة حب العبد ربه تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله -ﷺ- واقتفاء أثره وقبول هداه» (^٣).
كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
قال الشوكاني (^٤) -﵀-: «هؤلاء الكفار لم يقتصروا على مجرد عبادة الأنداد، بل أحبوها حبًّا عظيمًا وأفرطوا في ذلك إفراطا بالغًا، حتى صار حبهم لهذه الأوثان ونحوها متمكنًا في صدورهم كتمكن حب المؤمنين لله سبحانه» (^٥).
وقال -ﷺ-: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٩٩).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٦٨١) من حديث أبي أمامة صُدَيّ بن عجلان. وصححه الألباني في صحيح وضعيف السنن (٤٦٨١).
(٣) معارج القبول (٢/ ٤٢٠).
(٤) محمد بن علي بن محمد الشوكاني، الملقب ببدر الدين الشوكاني، أحد أبرز علماء أهل السنة والجماعة وفقهائها، ومن كبار علماء اليمن ولد في اليمن (١١٧٣ هـ) ونشأ بصنعاء، وولي قضائها ومات حاكمًا بها (سنة ١٢٥٠ هـ).
(٥) فتح القدير (١/ ١٠٨).
[ ٣٦ ]
أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» (^١).
وزاد بعض أهل العلم شرطًا ثامنًا وهو: (الكفر بالطاغوت).