١ - ومن ثمار الاستعاذة: التبرؤ من الحول والقوة فيه معنى من معاني تحقيق العبودية، فحينما يستعيذ العبد بالله من الشيطان الرجيم فهو بذلك يعلن فقره وذله لخالقه، ويبرأ من حوله وقوته ويلجأ إلى من بيده ملكوت كل شيء، سائلًا ربه أن يعيذه من شر عدوه.
وفي نحو ذلك يقول البجيرمي -﵀- (^١): «ومن لطائف الاستعاذة أن قوله: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم إقرار من العبد بالعجز والضعف، واعتراف من العبد بقدرة الباري -﷿- وأنه الغني القادر على رفع جميع المضرات والآفات، واعتراف العبد أيضًا بأن الشيطان عدوّ مبين. ففي الاستعاذة التجاء إلى الله تعالى القادر على دفع وسوسة الشيطان الغويّ الفاجر وأنه لا يقدر على دفعه عن العبد إلا الله تعالى» (^٢) ا. هـ.
٢ - ومن ثمار الاستعاذة: حضور القلب وخشوع الجوارح وحصول أثر القرآن والانتفاع بمواعظه وزواجره ونواهيه لأن عدوه قد خنس بسبب الاستعاذة منه، فالاستعاذة منه من أعظم أسباب زجره ودحره.
٣ - ومن ثمار الاستعاذة: حضور الملائكة لاستماع القرآن، فإذا اندحر الشيطان بالاستعاذة حضرت الملائكة لتستمع لآي القرآن، وهي تحب الاستماع للقرآن؛ لأنها
_________________
(١) سليمان البُجَيْرَمِيّ (١١٣١ - ١٢٢١ هـ) سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي، فقيه مصري. ولد في بجيرم (من قرى الغربية بمصر) وتوفي بالقرب منها تعلم في الأزهر، ودرس، وكف بصره. له: (التجريد -ط)، وهو حاشية على شرح المنهج في فقه الشافعية، و(تحفة الحبيب -ط) حاشية على شرح الخطيب، المسمى بالإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع. نقلًا عن: الأعلام للزركلي.
(٢) تحفة الحبيب (١/ ٨٩٣) إعانة الطالبين (١/ ٢٠).
[ ٨٢ ]
ما أعطيت خاصية التلاوة، فلذلك تحب الاستماع إليه؛ ولأن الملائكة والشياطين لا يجتمعان. مثال لما ثبت في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-: «وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ» (^١).
كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ … مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء].
قال ابن جرير الطبري -﵀-: «يقول: إن ما تقرأ به في صلاة الفجر من القرآن كان مشهودًا، يشهده فيما ذكر ملائكة الليل وملائكة النهار، وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت الآثار عن رسول الله -ﷺ-» (^٢).
وقال القرطبي -﵀-: «وعبر عنها بالقرآن خاصة دون غيرها من الصلوات؛ لأن القرآن هو أعظمها، إذ قراءتها طويلة مجهور بها حسبما هو مشهور مسطور» (^٣) ا. هـ.
٤ - ومن ثمار الاستعاذة: تعظيم قدر القرآن في نفس المؤمن التالي له، فالاستعاذة فيها معنى تطهير المحل التالي لكلامه سبحانه، ولذا استحب التسوك عند التلاوة.
وحول هذا المعنى يقول ابن كثير -﵀-: «وَمِنْ لَطَائِفِ الِاسْتِعَاذَةِ: أَنَّهَا طَهَارَةٌ لِلْفَمِ مِمَّا كَانَ يَتَعَاطَاهُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَتَطْيِيبٌ لَهُ وَتَهَيُّؤٌ لِتِلَاوَةِ كَلَامِ اللَّهِ وَهِيَ اسْتِعَانَةٌ بِاللَّهِ وَاعْتِرَافٌ لَهُ بِالْقُدْرَةِ وَلِلْعَبْدِ بِالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ عَنْ مُقَاوَمَةِ هَذَا الْعَدُوِّ الْمُبِينِ الْبَاطِنِيِّ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ وَدَفْعِهِ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَهُ، وَلَا يَقْبَلُ مُصَانَعَةً، وَلَا يُدَارَى بِالْإِحْسَانِ، بِخِلَافِ الْعَدُوِّ مِنْ نَوْعِ الْإِنْسَانِ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ» (^٤).
ولعل في هذا كفاية والحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٧٧)، ومسلم (٦٤٩) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-.
(٢) انتهى من جامع البيان (١٧/ ٥٢٠).
(٣) الجامع لأحكام القرآن (٠/ ٣٠٤).
(٤) تفسير ابن كثير (١/ ٢٩).
[ ٨٣ ]