أما الهداية الأولى: فهي هداية دلالة وإرشاد إلى الصراط المستقيم، ولا تكون هذه الهداية إلا بمعرفة الحق وطريق الرشاد، ولا يتم ذلك إلا بالعلم، ولا يتم العلم إلا بالوحي المتضمن لإرسال الرسل وإنزال الكتب.
أما الهداية الثانية: فهي هداية التوفيق والرشاد واتباع الحق والتمسك والاعتصام به، وتلك الهداية لا يملكها إلا الله، لا يملكها ملك مقرب ولا نبي مرسل.
فبالهداية الأولى: وهي هداية الدلالة والإرشاد يُعرف الحقُ من الباطل، والتوحيدُ من الشرك، والسنةُ من البدعة، والخيرُ من الشر، والهدى من الضلالة والعمى والغواية.
وبالهداية الثانية: وهي هداية التوفيق والإلهام والرشاد يُتبع الدينُ الحق الذي أُرسلت به الرسلُ وأُنزلت به الكتبُ ويُتمسك به، ويُنبذ ويُجحد ويُترك كلُ دين سواه.
ومما ينبغي أن يُعلم أن الهدايتين متلازمتين لا تنفك واحدة عن الأخرى، ولضرورة حاجةِ العبدِ للهدايتين أُمِرَ العبدُ أن يقف بين يدي ربه في صلاته ضارعًا خاشعًا متذللًا مستكينًا سائلًا لأعظم مطلوب وأجل مرغوب، ألا وهو هداية علام الغيوب فيدعوه قائلًا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، وهو في ذلك يسأل ربه سؤال اضطرار إلى هدايته التي لا غنى له عنها طرفة عين أو أقل من ذلك أبدًا، ويسأل ربه سؤال مذلة، ويسأله سؤال حاجة وفاقة، ويسأله الهدايتين جميعًا، ويسأله سلوك الصراط والسير والثبات عليه حتى الممات.
ولا شك أن مطلب الهداية أعز مطلب فهو مبنى على رحمة الله وتوفيقه وفضله وإحسانه.
ومن رحمة النبي -ﷺ- بأمته فإنه يصف لهم حال السائرين على الصراط، تحذيرًا لهم، فيقول -ﷺ-: «وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فتقومانِ جَنَبتَي الصِّراطِ يمينًا وشمالًا، فيمرُّ
[ ١٤٨ ]
أوَّلُكُم كالبرقِ»، قال: قُلتُ: بأبي أنتَ وأمِّي، أيُّ شيءٍ كمرِّ البرقِ؟ قالَ: «ألم تَروا إلى البرقِ كيفَ يمرُّ ويرجعُ في طَرفةِ عينٍ؟ ثمَّ كمرِّ الرِّيحِ، ثمَّ كمرِّ الطَّيرِ، وشدِّ الرِّجالِ، تَجري بِهِم أعمالُهُم، ونبيُّكم قائمٌ على الصِّراطِ، يقولُ: ربِّ سلِّم سلِّم، حتَّى تَعجِزَ أعمالُ العبادِ، حتَّى يجيءَ الرَّجلُ فلا يَستَطيعُ السَّيرَ إلا زَحفًا»، قالَ: «وفي حافتيِ الصِّراطِ كَلاليبُ مُعلَّقةٌ مَأمورةٌ بأخذِ من أُمِرَتْ بِهِ؛ فمَخدوشٌ ناجٍ، ومَكْدوسٌ في النَّارِ» (^١). …
فـ «تفكَّر الآن فيما يحل بك من الفزع بفؤادك إذا رأيت الصراط ودقَّتَه، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرَع سمعَك شهيق النار وتغيُّظُها، وقد كُلِّفت أن تمشي على الصراط، مع ضعف حالك، واضطراب قلبك، وتزلزل قدمك، وثقل ظهرك بالأوزار المانعة لك من المشي على بساط الأرض، فضلًا عن حدة الصراط، فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك، فأحسست بحدَّته، واضطررت إلى أن ترفع قدمك الثانية، والخلائق بين يديك يزِلُّون ويتعثرون، وتتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكَلاليب، وأنت تنظر إليهم كيف ينكسون إلى جهة النار رؤوسهم وتعلو أرجلهم، فيا له من منظر ما أفظعَه، ومرتقًى ما أصعبَه، ومجال ما أضيقَه فاللهم سلِّم سلم (^٢).
وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ «يتضمَّن بيان أن العبد لا سبيلَ له إلى سعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم، وأنه لا سبيل له إلى الاستقامة إلا بهداية ربه له، كما أنه لا سبيل له إلى عبادته إلا بمعونته، ولا سبيل له إلى الاستقامة على الصراط إلا بهدايته» (^٣).
و«على قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤).
(٢) التذكرة للقرطبي (٧٥٥).
(٣) ينظر: الفوائد؛ لابن قيم الجوزية (ص: ١٩) بتصرف يسير.
[ ١٤٩ ]
يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط؛ فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطيف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الركاب، ومنهم من يسعى سعيًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المخدوش المسلَّم، ومنهم المكردس (^١).
فعلى العبد الناصح لنفسه، المكرم لها، الحريص على فكاك رقبته من النار، أنْ يجد في طلب الهدايتين جميعًا، هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والإلهام والرشاد، وعليه أن يبذل عمره كله في هذا المطلب العظيم، وأن يبذل دونه الهمم العوالي والمهج الغوالي، ذلك لأنه أعز مطلوب، وأجَل مرغوب، وأن يلح على الله في سؤال الهداية، وقد أمر الله عباده بذلك.
كما ثبت ذلك في أشرف حديث لأهل الشام عند مسلم من حديث أبي إدريس الخولاني عن أبي ذرٍّ مرفوعًا، وهو حديثُ قدسيُّ: «يا عِبَادِي، كلُّكم ضالٌّ إلا مَن هَديتُه، فاسْتَهدُوني أَهدِكُم» (^٢).
- والسورة قد «جمعت بين التوسل إلى الله تعالى بالحمد والثناء على الله تعالى وتمجيده، والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده، ثم جاء سؤال أهم المطالب وأنجح الرغائب وهو الهداية بعد الوسيلتين، فالداعي به حقيق بالإجابة» (^٣).
وقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.
فقَوْلُهُ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
«أَيْ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ -﵈-، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ١٦).
(٢) رواه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر الغفاري.
(٣) مدارج السالكين (١/ ٢٤).
[ ١٥٠ ]
النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النِّسَاءِ: ٦٩]» (^١).
فالمنعم عليهم إذًا: هم الذين قال الله تعالى عنهم في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء].
«وفيه الإشارةُ إلى الاقتداء بالسلف الصالح» (^٢) (^٣).
وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. «أي: غير الذين غَضِبت عليهم، وهم اليهود. ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾؛ أي: ولا الذين ضلُّوا، وهم النصارى، فكأن المسلمين سألوا الله -تعالى- أن يهديَهم طريق الذين أنعم عليهم، ولم يغضب عليهم كما غضب على اليهود، ولم يضلوا عن الحق كما ضلَّت النصارى» (^٤).
وقال الضحاك، وابن جريج، عن ابن عباس ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: هم اليهود، ولا ﴿الضَّالِّينَ (٧)﴾ هم النصارى، وكذلك قال الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد، وقال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافًا.
وشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون، قوله تعالى في خطابه مع بني إسرائيل في سورة البقرة: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ [البقرة]، وقال في المائدة: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ
_________________
(١) تفسير البغوي (١/ ٥٤).
(٢) فتح البيان في مقاصد القرآن:) ١/ ٥٢) أبو الطيب محمد صديق خان.
(٣) وهو الشيخ محمد صديق بن حسن بن علي بن لطف الله القِنَّوجِي البخاري الحسيني ولد عام ١٢٤٨ هـ ببلدة (بانس بريلي). نقلًا عن الموسوعة الحرة.
(٤) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي (٢/ ١).
[ ١٥١ ]
مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة]، وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة] (^١).
وفي المسند وسنن الترمذي من حديث عدي بن حاتم -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون» (^٢).