الأول: سبيل المنعم عليهم.
الثاني: سبيل المغضوب عليهم.
الثالث: سبيل الضالين.
ويتبين من ذلك أيضًا:
أن أهل السبيل الأول هم الذين قال الله فيه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ويدخل ضمنًا معهم المؤمنون المهتدون الذين أنعم الله تعالى عليهم بطاعته وعبادته.
وأن أهل السبيل الثاني هم: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهم اليهود، وكل من سلك سبيلهم ممن عرف الحق ولم يتبعه ولم يعمل به.
وأن أهل السبيل الثالث هم: ﴿الضَّالِّينَ (٧)﴾ وهم النصارى، ومن سلك سبيلهم ممن عبد الله على جهالة وضلالة، لذا فكل من عرف الحق من علمائنا ولم يعمل به ففيه شبه من اليهود، وكل من عبد الله على ضلالة من عبادنا ففيه شبه من النصارى.
ولما كان اليهود أمة عناد خُصوا بما يناسبهم ألا وهو الغضب، ولما كانت النصارى أمة جهل خُصوا أيضًا بما يناسبهم ألا وهو الضلال.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ١٤٣).
(٢) أخرجه البخاري (١٤١٣)، ومسلم (١٠١٦).
[ ١٥٢ ]
ولذلكـ «فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم؛ ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى، لأن من علم وترك استحق الغضب، بخلاف من لم يعلم.
والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه، لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه، وهو اتباع الرسول الحق، ضلوا، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود: الغضب، قال الله فيهم: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] وأخص أوصاف النصارى: الضلال، قال سبحانه فيهم: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧]، وبهذا جاءت الأحاديث والآثار. وذلك واضح بين» (^١).
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة: «كَانُوا يَقُولُونَ: مَنْ فَسَدَ مِنْ عُلَمَائِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ الْيَهُودِ، وَمَنْ فَسَدَ مِنْ عُبَّادِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ النَّصَارَى. وَكَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ يَقُولُ: احْذَرُوا فِتْنَةَ الْعَالِمِ الْفَاجِرِ وَالْعَابِدِ الْجَاهِلِ فَإِنَّ فِتْنَتَهُمَا فِتْنَةٌ لِكُلِّ مَفْتُونٍ.
فَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ أَشْبَهَ الْيَهُودَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤].
وَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ بَلْ بِالْغُلُوِّ وَالشِّرْكِ أَشْبَهَ النَّصَارَى الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة] فَالْأَوَّلُ مِنْ الْغَاوِينَ وَالثَّانِي مِنْ الضَّالِّينَ (^٢).