الأول: أنها مكية.
_________________
(١) ينظر: أسباب النزول للواحدي (١/ ١٢)
(٢) معالم التنزيل للبغوي (١/ ٤٩)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ١٠١)، التحرير والتنوير لابن عاشور (١/ ١٣٥ - ١٣٦).
(٣) تفرد بهذا القول مجاهد بن جبر، ونُسب للزهري ولا يصح (ذكره الحافظ في الفتح (٨/ ١٥٩)، وعلى ذلك أكثر أهل التفسير. ينظر: مصنف ابن أبي شيبة (١٠/ ٥٢٢ (، البيان لأبي عمرو الداني: ١٣٢ - ١٣٣)، الدر المنثور للسيوطي (١/ ٧).
(٤) وهو غريب جدًّا، نقله القرطبيّ عن أبي الليث السّمرقنديّ، وقد نُقِدَ بذلك فيما أعلم، ينظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ١٠١).
(٥) ينظر: معالم التنزيل للبغوي (١/ ٤٩)، الكشاف للزمخشري (١/ ٩٩) والبرهان في علوم القرآن للزركشي (١/ ٢٧).
(٦) قال الفيروز آبادي -﵀- بعد ما ذكر القرآن المكي والمدني-: فهذه جملة ما نزل بالمدينة. ولم نذكر الفاتحة لأَنَّه مختلَف فيها: قيل: أُنزلت بمكة، وقيل: بالمدينة؛ وقيل: بكلٍّ مرة. بصائر ذوي التمييز (١/ ٩٩).
[ ١٥٩ ]
الثاني: أنها مدنية.
الثالث: أنه نزل نصفها بمكة، ونزل نصفها الآخر بالمدنية.
الرابع: أنها نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة.
ولا شك في صحة القول الأول، بأنها مكية، وهذا ما عليه الأكثرون، ومما يدلل على ذلك: أنه «قد صح أنها مكية لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]، وهو مكي بالنص» (^١). وقد سبق بيان ذلك في ثنايا البحث.
و«سورة الحجر مكية بلا اختلاف، ولم يكن الله ليمتن على رسوله -ﷺ- بإيتائه فاتحة الكتاب وهو بمكة ثم ينزلها بالمدينة، ولا يسعنا القول بأن رسول الله -ﷺ- قام بمكة بضع عشرة سنة يصلي بلا فاتحة الكتاب هذا مما لا تقبله العقول» (^٢).
وقد وافق قولُ الواحدي قولَ البيضاوي في الاستدلال على مكية السورة بآية الحجر، وزاد عليه استدلالًا واستنباطًا مقنعًا؛ ألا وهو استحالة أن تفرض الصلاة بمكة وتقام دون أن يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وقد حقق بعض العلماء هذا القول بذلك الطاهر بن عاشور كما سياتي معنا بعد قليل عند الكلام على ترتيب نزولها.
و«تنبيهٌ يُستنبطُ من تفسير السّبع المثاني بالفاتحة، أنّ الفاتحة مكّيّةٌ، وهو قول الجمهور خلافًا لمجاهدٍ، ووجه الدّلالة أنّه سبحانه امتنّ على رسوله بها وسورة الحجر مكّيّةٌ اتّفاقًا، فيدلّ على تقديم نزول الفاتحة عليها، قال الحسين بن الفضل: هذه هفوةٌ من مجاهدٍ؛ لأنّ العلماء على خلاف قوله، وأغرب بعض المتأخّرين فنسب القول بذلك لأبي هريرة والزّهريّ وعطاء بن يسارٍ» (^٣).
ومما نُظم وقيل في ذلك: قولُ أبي الحسن بن الحصار في كتابه الناسخ والمنسوخ:
«المدني باتفاق عشرون سورة والمختلف فيها اثنتا عشر سورة وما عدا ذلك مكي باتفاق».
_________________
(١) أنوار التنزيل للبيضاوي (/ ٢٥١).
(٢) أسباب النزول للواحدي (١٧ - ١٧).
(٣) فتح الباري للحافظ ابن حجر (٨/ ١٥٩).
[ ١٦٠ ]
ثم نَظَمَ قائلًا:
يا سائلي عن كتاب الله مجتهدًا … وعن ترتب ما يُتلى من السور
وكيف جاء بها المختار من مضر … صلى الإله على المختار من مضر
وما تقدم منها قبل هجرته … وما تأخر في بدوٍ وفي حضر
ليعلم النسخ والتخصيص مجتهد … يؤيد الحكم بالتاريخ والنظر
تعارض النقل في أمِّ الكتاب وقد … تُؤُوِلت الحجر تنبيها لمعتبر
أم القرآن وفي أم القرى نزلت … ما كان للخمس قبل الحمد من أثر (^١)
والشاهد منها من قول الناظم: «تعارض النقل»
أي: تعارضت الأقوال: يعني: أقوال أهل العلم في الفاتحة، أي: في كونها مكية أو مدنية، ومما يدل على مكيتها ما جاء في سورة الحجر من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر].
ومن المعلوم أن سورة الحجر مكية باتفاق، وقد امتنّ الله تعالى على رسوله -ﷺ- فيها بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ﴾ الآية، فدل على تقدم نزول الفاتحة على سورة الحجر، إذ كيف يحصل الامتنان عليه من الله بما لم ينزل بعد، وبقريب من هذا المعنى أشار غير واحد من أهل التفسير (^٢).
وأخيرًا فإن «الحجر مكية بإجماع. ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة. وما حفظ أنه كان في الإسلام قط صلاة بغير ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ يدل على هذا قوله -﵇-: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (^٣) وهذا خبر عن الحكم، لا عن الابتداء، والله أعلم» (^٤).
_________________
(١) وللاستزادة ينظر: الإتقان للسيوطي (١/ ٤٤).
(٢) الإتقان (١/ ٦٢).
(٣) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤).
(٤) تفسير القرطبي (١/ ١٥٤).
[ ١٦١ ]