المعنى الأول: الاختصاص، فيكون المعنى على ذلك أن الله تعالى مختص بجميع المحامد وحده ﷾.
والمعنى الثاني: الاستحقاق، فيكون المعنى: أن الله تعالى مستحق لجميع المحامد التي تليق بروبيته للعالمين، وتربيته لخلقه بنعمه وإحسانه وإنعامه وإفضاله.
وقد أشار لمثله هذا المعنى أو قريب منه بعض أهل التفسير، منهم العلَّامة ابن عثيمين -﵀- في تفسيره للفاتحة.
و«﴿الْحَمْدُ﴾ وصفُ المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم؛ الكمال الذاتي والوصفي والفعلي؛ فهو كامل في ذاته وصفاته وأفعاله؛ ولا بد من قَيْد، وهو «المحبة والتعظيم»؛ قال أهل العلم: «لأن مجرَّد وصفه بالكمال بدون محبة ولا تعظيم، لا يُسمَّى حمدًا؛ وإنما يُسمَّى مدحًا» (^٣) اهـ.
و﴿الْحَمْدُ﴾ يكون بالثناء على رب العزة بجميع صفات الجلال والكمال، والثناء عليه ﷾ بأفعاله الكريمة والتي مدارها بين فضله ﷾ وعدله، فالله ﷾ له الحمد الكامل التام من جميع الوجوه.
«والحمد ضد الذَّمِّ، والحمد خبر بمحاسن المحمود مقرون بمحبته، والذَّمُّ خبر بمساوئ المذموم مقرون ببغضه، فلا يكون حمد لمحمود إلا مع محبته، ولا يكون
_________________
(١) الجدول في إعراب القرآن (١/ ٢٣).
(٢) محمود بن عبد الرحيم صافي- (١٣٧٦ م). من أعلام مدينة (حمص) السورية، وهو مؤلف أول كتاب كامل مفصّل في إعراب القرآن وصرفه وبيانه؛ ويُعرف باسم (الجدول في إعراب القرآن، وصرفه، وبيانه، وكانت وفاته سنة (١٩٨٥ م).
(٣) ينظر: تفسير العلَّامة محمد بن صالح العثيمين (٢/ ٥٠).
[ ١٣٦ ]
ذم لمذموم إلا مع بُغضه، وهو -سبحانه- له الحمد في الأولى والآخرة.
وأول ما نطق به آدم: الحمد لله رب العالمين، وأول ما سمع من ربه: يرحمك ربك، وآخر دعوى أهل الجنة: أن الحمد لله رب العالمين، وأول مَن يدعى إلى الجنة الحمَّادون، ونبينا محمد -ﷺ- صاحب لواء الحمد، آدم فمن دونه تحت لوائه، وهو صاحب المقام المحمود الذي يَغبِطه به الأولون والآخرون؛ فلا تكون عبادة إلا بحب المعبود، ولا يكون حمد إلا بحب المحمود، وهو -سبحانه- المعبود المحمود» (^١)؛ اهـ.
والألف واللام في ﴿الْحَمْدُ﴾ للاستغراق، ليعم جميع المحامد، ولتكون كلها لله وحده لا شريك له، وفي ذلك إيذانًا لعباده أن يحمدوه على إنعامه وإفضاله ويشكروه على جزيل نعمه وآلائه، فيكون حمد العباد لخالقهم باللِّسان والجنان والأركان، فيكون نطقًا وإقرارًا وثناءً على الله المنعم المتفضل باللسان، وتصديقًا واعترافًا بالنعم بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، وفيه حثّ لهم على تعبيد نعمه له سبحانه واستعمالها فيما يقربه لديه ويرضيه، فلا يستعينوا بنعمه على معصيته، فيكون ذلك منهم جحودًا لها ونكرانًا وكفرانًا.
«فيجب على كلِّ مكلَّف أن يَعتقد أنَّ الحمد على الإطلاق إنَّما هو لله، وأنَّ الألف واللام للاستغراق لا للعَهد، فهو الذي يستحقُّ جميعَ المحامد بأسرِها، فنحمده على كلِّ نعمة وعلى كلِّ حالٍ بمحامده كلِّها، ما عُلِم منها وما لم يُعلم …، ثمَّ يجب عليه أن يسعى في خصال الحمد؛ وهي التخلُّق بالأخلاق الحميدة والأفعالِ الجميلة». اهـ (^٢).
والرب العظيم الغني عن خلقه أجمعين، يحب من عباده أن يحمدوه، فلما حمد الله ذاته العلية فإنه تعالى يحب ذلك أيضًا من عباده، ويدل على ذلك ما ثبت صريحًا من حديث الأسود بن سريعٍ (^٣) -﵁- قال: قلتُ: يا رسُول الله، ألا أنشدُك محامِد
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٥/ ٤٠٥).
(٢) الأسنى في شرح الأسماء الحسنى (١/ ١٩٠)
(٣) الأسود بن سريع التميمي، صحابي وفارس وشاعر، عاش في البصرة، وشهد مع الرسول -ﷺ- في أربع من غزواته. أسد الغابة (١/ ٢٢٩) -أًسد الغابة في معرفة الصحابة.
[ ١٣٧ ]
حمدتُ بها ربِّي ﵎، قال: «أما إن ربك -﷿- يحب أن يُحمد». زاد في رواية: «ولم يستزده على ذلك» (^١).
يقول ابن المبرد الحنبلي (^٢):
احمد لربِّك في أُمُورك كُلِّها … وافزع إليه في الصعاب يحُلُّها
واقرع بكفِّ الذُّلِّ بابَ عطائه … مَن في الوُجُود سوى الإله يبُلُّها
وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، العالمين جمع عالم، والعالم جمعٌ لا مفرد له من لفظه، وكل ما سوى الرب ﷾ عالم، وكل منا واحدٌ من هذا العالم.
و(الرَّبُّ) هو المالك والصاحب والمتصرف في ملكه، المدبر لشؤون خلقه من الخلق والرزق وتدبير جميع أمورهم وإصلاح شأنهم ورعايتهم، فلفظ الربّ يطلق على تلك المعاني جميعًا.
وكلمة الرب: إذا أطلقت فإنها تكون علمًا على الذات الإلهية، ولا يجوز ولا يصلح إطلاقها أبدًا إلا على الرب العظيم جل في علاه، ولكن يجوز إطلاقها على غيره سبحانه من خلقه بشرط أن تكون مقيدة بالإضافة تقول: رب الدابة، ورب البيت، ونحو ذلك، ومنه قول عبد المطلب بن هاشم جد النبي -ﷺ- في خبره مع أبرهة
_________________
(١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٧٧٤٥)، وأحمد (٣/ ٤٣٠)، والطبراني في الكبير (٨٢٠)، والحاكم (٣/ ٦١٤) والزيادة له وقال: صحيح الإسناد! ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٣١٧٩).
(٢) ابن المِبْرَد (يوسف بن حسن)، (٨٤٠ - ٩٠٩ هـ) يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن بن عبد الهادي الصالحي، جمال الدين، ابن المبرد، علَّامة متفنن، من فقهاء الحنابلة، من أهل الصالحية، بدمشق ينظر ترجمته في: شذرات الذهب (٨/ ٤٢)، والضوء اللامع. والمبرد هذا يعرف أيضا: بابن عبد الهادي وهو غير ابن عبد الهادي الجماعيلي الصالحي، وهو غير المبرد (النحوي، اللغوي) (ت ٢٨٦ هـ)، محمد بن يزيد بن عبد الأكبرأبو العباس، ولد سنة (٢١٠ هـ)، شيخ أهل النحو وحافظ علم العربية. ينظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٣/ ٣٨٠)، تاريخ دمشق (٥٦/ ٢٤٦)، سير أعلام النبلاء) ١٣/ ٥٧٦).
[ ١٣٨ ]
الحبشي لما ساق الإبل وأراد هدم الكعبة المشرفة: «أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه» (^١) (^٢).