الضرب الأول: الربوبية العامة بخلقه أجمعين، فهو الذي خلقهم ورزقهم ودبر شؤونهم، وأنعم عليهم بكل النعم وملك أمرهم، ودبر لهم شؤون معاشهم، وهذه ربوبية عامة تشمل كل خلقه مؤمنهم وكافرهم برّهم وفاجرهم.
والضرب الثاني: ربوبية خاصة لعباده المتقين، يربيهم ربهم بالإنعام عليهم بهدايتهم سبل السلام، ويوفقهم لذلك، ويدفع ويمنع عنهم ما يصرفهم عن الهداية،
_________________
(١) السيوطي: الدرر المنتثرة (١٢٢)، والأسرار المرفوعة ملَّا علي قاري (٢٩٧).
(٢) السيوطي هو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضيري السيوطي، جلال الدين: إمام حافظ مؤرخ أديب. (٨٤٩ - ٩١١ هـ) له نحو (٦٠٠) مصنف، من أشهرها: الإتقان في علوم القرآن، لباب النقول في أسباب النزول، تفسير الجلالين وغيرهم، ينظر: الزركلي، الأعلام، (٣/ ٣٠٢). بيان موجز لعقيدة السيوطي: جاء في فتاوى اللجنة الدائمة): ١٢/ ٩٨ («والعلماء الكبار- مثل السيوطي وغيره- ينبه على أخطائهم، ويستفاد من علمهم، ولهم فضائل تغطي على ما عندهم من أخطاء، لكن الخطأ لا يقبل منهم ولا من غيرهم». وقال الشيخ محمد بن إبراهيم -﵀- في نقده لقول السيوطي في الإتقان: (إن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ وجاء به إلى محمد: («هذه المقالة اغترَّ بها الكثير من الجهلة وراجت عليهم، والسيوطي -﵀- مع طول باعه وسعة اطلاعه وكثرة مؤلفاته؛ ليس ممن يعتمد عليه في مثل هذه الأصول العظيمة، وهذه (المقالة) مبنّية على أصل فاسد وهو القول بخلق القرآن، وهذه هي مقالة الجهمية والمعتزلة ومن نحى نحوهم، ويلزم هذه المقالة من الكفر والإلحاد الزندقة وإنكار الرسالة ووصف الله بالخرس وتشبيهه بآلهة المشركين الأصنام التي لا تنطق وغير ذلك من المحاذير الكفرية ما يعرفه أهل العلم»] مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم -﵀- (١: ٢١٤ - ٢٣٩). وقد تطرقت بعض الدراسات المعاصرة إلى عقيدته منها رسالة للدكتور سعيد إبراهيم مرعي خليفة، وهي بعنوان: جلال الدين السيوطي وآراؤه الاعتقادية عرض نقد على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة، وكذلك رسالة للباحث طلعت جبر المجدلاوي وهي بعنوان: مواقف الإمام السيوطي من الإلهيات والنبوات دراسة ونقدًا.
[ ١٣٩ ]
ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعصمهم من الضلالة والغواية بعد الرشاد والهداية.
ويربيهم بصلاح شأنهم كله ورعايتهم وتسديدهم ونصرتهم وتوفيقهم في كل شؤونهم.
وربوبية الله تعالى تشمل المعنيين جميعًا.
و﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ هو الخالق لجميع العوالم، ما علمنا منها وما لم نعلم، وهو ربّها الذي يدبَّر جميع أمرها قاطبة، فيسوق إليها أرزاقها وأقواتها، وهو المالك لجميع أمرها، المتصرف وحده في جميع شؤونها، فلا يملك أحد من تلك العوالم لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وكل تلك العوالم كلها لا غنى لها عن فضله ورحمته طرفة عين ولا أدنى من ذلك، فكلهم فقراء إليه وإلى فضله ورحمته فقرًا دائمًا، فكل ما هم فيه من نعم وفضل، فمن واسع جوده وكريم عطائه وواسع رحمته وإحسانه، وكل ما صرف عنهم من البلاء والشقاء والضنك فهومن تصريفه لشؤون خلقه بتدبيره ورحمته، ففقر جميع تلك العوالم لرب العالمين فقر دائم لا ينقطع، وهو مع ذلك سبحانه القيوم على شؤون تلك العالمين غني عنهم أجمعين، قائم بنفسه لا حاجة له لأحد من خلقه، كل ذلك يدعو المؤمن في إعمال فكره وقلبه وعقله في ربوبية رب العالمين وعظمته، ويقدره حق قدره بأن يعبده سبحانه حق عبادته، وألا يصرف شيئًا من تلك العبادة لأحد سواه، لا لنبي مرسل ولا لملك مقرب، وألا يجعل معه ألهًا آخر، ربنا مخاطبًا جميع الناس في أول نداء في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة].
فأمرهم ربهم جميعًا بعبادته، ممتنًّا عليهم بربوبيته بقوله سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
وقوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هما اسمان عظيمان لله تعالى وصف بهما ذاته العلية.
[ ١٤٠ ]
واسم ﴿الرَّحْمَنِ﴾: يدل على صفة ذاتية لله تعالى، وهو سبحانه رحمن موصوف بتلك الصفة العظيمة الخاصة به سبحانه دون سواه من خلقه.
واسم ﴿الرَّحِيمِ﴾: يدل على صفة فعلية للرب جل في علاه، وهي صفة فعلية مبناها على خصوص رحمته التي يرحم بها من يشاء من خلقه، وهي أخص بعباده المؤمنين تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب].
وهما اسمان مشتقان من الرحمة، والرحمن اسم ووصف لا يُسمَّى ولا يوصف بهما غير الله تعالى أبدًا، واسم الرحمن فيه مبالغة أشد من اسم الرحيم؛ لأن الرحمن متعلق برحمته سبحانه العامة التي تشمل عموم خلقه مؤمنهم وكافرهم برّهم وفاجرهم، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه] فذكر صفة استوائه على العرش مقرونة باسمه الرحمن ليعم بتلك الرحمة العامة عموم خلقه من مؤمن وكافر وبرّ وفاجر، فكما أنهم عمهم عرشه، فتعمهم كذلك رحمته.
أما الرحيم، فهذه رحمة خاصة بالمؤمنين قال ربنا: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب] وقد نص على ذلك جمع من أهل التفسير، وهو كذلك مأثور عن بعض السلف، وذكر الاسمين الكريمين ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بعد قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، فيه تنبيه أن تلك الربوبية مبناها على الرحمة.
ومما سبق يتبين أن اسما: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان ثابتان لله على الحقيقة لا المجاز، وقد دل عليهما النقل والعقل والحس، فلا يُلتفت لمن أنكر تلك الصفة العظيمة وأولها إلى الإفضال والإحسان والإنعام وإرادة الله تعالى ذلك بخلقه، فالحمد لله على نعمة الهداية للحق، ونعوذ بالله من الغواية بعد الهداية.
وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾.
والمراد بيوم الدين هنا يوم الحساب والجزاء على الأعمال، ففيه معنى الإقرار
[ ١٤١ ]
بإثبات المعَاد، وإثبات الجزاء والثواب والعقاب على الأعمال.
وإنما سُمِّي بيوم الدين: لأن الخلائق يحاسبون ويدانون بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌ، قال ربنا: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة].
والمالك مَن له كمال الملك وتمامه، فهو سبحانه مَلِكٌ مالكٌ، أي: مَلِكٌ له مُلْكٌ، و(مالك) و(ملك)، قراءتان متواترتان (^١).
ومن كان كذلك فإن له الأمر والنهى والثواب والعقاب، وهو سبحانه المتفرِّد بالحُكْم والفصْل والقضاء بين العباد في هذا اليوم العظيم، وفي يوم الدين يظهر ذلك عيانًا للخلائق أجمعين، فكل مُلك للمخلوقين قد زال، واستوى المالك والمملوك، أما مالك الملك الأعظم، فلا يبقى سواه.
قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر]، ومَن ملك يوم الدين ذلك الملك الأكبر الباقي الدائم، فلا شك أنه يملك ما دونه، فهو سبحانه مالك الدنيا والآخرة، والإيمان باليوم الآخر هو أحد أركان الإيمان الستة كما هو معلوم من دين الله بالضرورة.
«وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين وذلك عام في الدنيا وفي الآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يَدَّعِي أحد هناك شيئًا ولا يتكلم أحد إلَّا بإذنه، قال تعالى: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ].
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥] (^٢).
_________________
(١) (مالك): قرأها عاصم والكسائي من السبعة، وكذا يعقوب وخلف العاشر من العشرة. (ملك): هي قراءة: نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة من السبعة، وأبو جعفر من العشرة.
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ١٣٤).
[ ١٤٢ ]
وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، وتقديم المعمول في ﴿إِيَّاكَ﴾ على فعلي (نعبد ونستعين)، يفيد الحصر والاختصاص، كما هو معلوم في اللغة، فيكون المعنى: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك، وتكررت كلمة إياك لتفيد الاهتمام والتعظيم للرب جل في علاه. ومثله قول الله تعالى: كقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ الآية [البقرة]، وقوله سبحاته: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ الآية [البقرة].
وإياك نعبد تنفي الشرك بأنواعه، وإياك نستعين تنفي الاغترار بالحول والقوة، وتثبت الافتقار الكامل التام لله والمذلة.
والآية متضمنة لتوحيد العبادة بأنواعها كلها، وأمثلة ذلك في كتاب الله كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة].
«والعبادة: اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة» (^١).
والعبادة لها عمودان وركيزتان لا تقوم إلا بهما وهما: كمال الذل وكمال المحبة.
و«العبادة المأمور بها تتضمّن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له … ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله» (^٢).
و«لفظ العبودية يتضمن كمال الذل وكمال الحب، فإنهم يقولون: قلب متيَّم إذا
_________________
(١) العبودية (ص ٣٣ - ٣٥).
(٢) المرجع السابق (ص ٣٣ - ٣٥).
[ ١٤٣ ]
كان متعبدًا للمحبوب والمتيم المتعبد، وتيَّم الله عبده» (^١).
قال ابن القيم -﵀-:
وعبادة الرحمن غاية حبّه … مع ذل عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبادة دائر … ما دار حتى قامت القطبان
ومداره بالأمر أمر رسوله … لا بالهوى والنفس والشيطان (^٢)
«والناس في هذا على درجات متفاوتةٍ، لا يحصي طرقها إلا الله، فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله وأقواهم وأهداهم أتمهم عبودية لله من هذا الوجه» (^٣).
ولقوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ شبيهان في السنة المطهرة من كلام المعصوم -ﷺ- الذي لا ينطق عن الهوى.
الأول: في قوله -ﷺ- في خطبة الحاجة: «إنَّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره» (^٤).
والثاني: في قوله -ﷺ- في حديث ابن عباس -﵁- المشهور: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» (^٥).
ولا سعادة للبشرية ولا طمأنينة ولا راحة ولا نجاة لها من الآفات والمهلكات إلا بتحقيق العبودية الكاملة التامة لرب البرية.
وإنما قدم العبادة وأخر الاستعانة مع دخولها في العبادة ضمنًا، لتأكيد أمر الاستعانة، ولبيان مكانتها وقدرها ولضرورة حاجة العبادة إليها، وأنه لا توفيق ولا
_________________
(١) العبودية (ص ١٥٢).
(٢) الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية (ص ٣٢).
(٣) العبودية (ص ١٣٣ - ١٣٤).
(٤) سبق تخريجها في المقدمة.
(٥) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (٢٨٠٢)، وأبو يعلى (٢٥٥٦)، والطبراني (١٢٨٢٠) (١٢٩٨٩)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٤١٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٧٤).
[ ١٤٤ ]
هداية للعبد إلا بعون الله وتوفيقه تسديده.
«وقدَّم العبادة على الاستعانة، من باب تقديم العام على الخاص، واهتمامًا بتقديم حقه تعالى على حق عبده» (^١).
يقول ابن القيم -﵀-: «ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولا بد، وهما الرياء، والكبر، فدواء الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ودواء الكبر بـ ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
وكثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه (^٢).
يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تدفع الرياء، و﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تدفع الكبرياء.
فإذا عوفي من مرض الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ومن مرض الكبرياء والعجب بـ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ ومن مرض الضلال والجهل بـ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ عوفي من أمراضه وأسقامه، ورفل في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان من المنعم عليهم غير المغضوب عليهم وهم أهل فساد القصد، الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه والضالين وهم أهل فساد العلم، الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه.
_________________
(١) تفسير ابن سعدي (١/ ٣١).
(٢) فائدة: حول معنى: «قدس الله روحه»، أي: طهرها، وهو بمعنى طلب المغفرة، هذا الدعاء مُستقى من اسم الله (القدوس) ومعناه أي: المبارك الطاهر الذي تعالى عن كل دنس، وقيل: تقدسه الملائكة الكرام وهو سبحانه الممدوح بالفضائل والمحاسن. وفي ذلك يقول ابن القيم في نونيته: هذا ومن أوصافه القدوس ذو الـ ـتنزيه بالتعظيم للرحمن وهو ها هنا بمعنى الدعاء، والمعنى المقصود هنا: هو الدعاء بالتطهير من الذنوب والخطايا. وينظر: اللسان، والنهاية، مادة (قدس) .. ففيها ذِكرُ هذا المعنى .. وعلى هذا فمعنى عبارة: قدس الله روحه: هو الدعاء كما تبين المعنى آنفًا. فلا يُمنع الدعاء بذلك. وختامًا: فإنه لا شك أبدًا في أن الدعاء الذي ليس في محظور شرعي لا يمنع بتاتًا، وإن كان الدعاء للميت بعموم الثابت من الأدعية أفضل وأكمل وأسلم.
[ ١٤٥ ]
وحق لسورة تشتمل على هذين الشفاءين أن يُسْتشْفَى بها من كل مرض، ولهذا لما اشتملت على هذا الشفاء الذي هو أعظم الشفاءين، كان حصول الشفاء الأدنى بها أولى، فلا شيء أشفى للقلوب التي عقلت عن الله وكلامه، وفهمت عنه فهما خاصًّا، اختصها به من معنى هذه السورة (^١).
وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾.