يقول الشوكاني -﵀-: «معنى الفاتحة في الأصل أول ما من شأنه أن يفتتح به، ثم أطلقت على أول كل شيء كالكلام، والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية، فسميت هذه السورة فاتحة الكتاب لكونه افتتح بها، إذ هي أول ما يكتبه الكاتب من المصحف، وأول ما يتلوه التالي من الكتاب العزيز، وإن لم تكن أول ما نزل من القرآن.
وقد اشتهرت هذه السورة الشريفة بهذا الاسم في أيام النبوة» (^٣).
٣ - أسماء السورة الكريمة:
قد ثبت أن النبي -ﷺ- سَمَّى بعض سور القرآن الكريم، كالفاتحة، والبقرة، وآل
_________________
(١) زاد المسير (١/ ١٠).
(٢) ابن كثير:) ١/ ١٠١).
(٣) فتح القدير (١/ ١٣).
[ ١٠٧ ]
عمران، والكهف.
واختلف أهل العلم، هل أسماء سور القرآن الكريم كلها ثابت بتوقيف من النبي -ﷺ-، أم أن بعضها ثبت باجتهاد من الصحابة -﵃-؟
فذهب أكثر أهل العلم إلى أن أسماء سور القرآن كلها ثابتة بتوقيف من النبي -ﷺ-.
قال الإمام ابن جرير الطبري -﵀-: «لِسوَر القرآن أسماءٌ سمّاها بها رسول الله -ﷺ-» (^١). انتهى.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن بعض أسماء سور القرآن الكريم كان بتسمية النبي -ﷺ- لها، وبعضها كان باجتهاد من الصحابة أنفسهم -﵃-، وهذا هو القول الصحيح المتلائم مع عموم الأدلة.
يقول الطاهر بن عاشور -﵀- (^٢): «إنه لم يثبت في السنة الصحيحة والمأثورة من أسمائها إلا فاتحة الكتاب، أو أم القرآن، أو أم الكتاب» (^٣).
_________________
(١) جامع البيان (١/ ١٠٠).
(٢) محمد الطَّاهر بن محمد بن محمد الطَّاهر بن عاشور، ولد في مدينة تونس سنة (١٢٩٦) هـ، أحد أهم العلماء الذين عرفتهم تونس في القرن العشرين. وقد توفي في (١٣٩٣ هـ). أما عقيدته: فالطاهر ابن عاشور كان في مسائل الاعتقاد وعلم الكلام على مذهب الأشاعرة من حيث الأصل، ويظهر اعتقاد العلَّامة ابن عاشور واضحًا في موقفه من نصوص الصفات، فهو إما أن يؤولها، وإما أن يفوضها، وينظر: في ذلك تفسيره للإتيان (٢/ ٢٨٤) والاستواء (١٦/ ١٨٧)، واليدين (٢٣/ ٣٠٢). ينظر: * كتاب: شيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر بن عاشور تأليف: بلقاسم الغالي. * كتاب: محمد الطاهر بن عاشور علَّامة الفقه وأصوله، والتفسير وعلومه. تأليف: خالد الطباع. * مقدمة كتاب: مقاصد الشريعة لابن عاشور تحقيق: محمد الطاهر الميساوي. * كتاب: التقريب لتفسير التحرير والتنوير تأليف: محمد بن إبراهيم الحمد.
(٣) التحرير والتنوير (١/ ١٣٢).
[ ١٠٨ ]
وقد ورد في أجوبة «فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء» بالمملكة العربية السعودية جوابًا عن هذا السؤال، ونصه: لا نعلم نصًّا عن رسول الله -ﷺ- يدل على تسمية السور جميعها، ولكن ورد في بعض الأحاديث الصحيحة تسمية بعضها من النبي -ﷺ-، كالبقرة، وآل عمران، أما بقية السور فالأظهر أن تسميتها وقعت من الصحابة -﵃-» انتهى (^١).
وفي نحو ذلك يقول الزركشي -﵀-: «ينبغي البحث عن تعداد الأسامي: هل هو توقيفي، أو بما يظهر من المناسبات؟
فإن كان الثاني فلن يعدم الفَطِنُ أن يستخرج من كل سورة معاني كثيرة تقتضي اشتقاق أسمائها، وهو بعيد» (^٢) انتهى.
وهذا تصريح من صاحب البرهان بعدم توقيف أسماء السورة قاطبة، وأن اشتقاق أسماء السور يمكن استخراجه من معانيها، وكذلك بأبرز ما ورد فيها.
يقول ابن كثير: لهذه السورة عِدَّةُ أسماء تدلُّ على فضلِها وشرفِها، واشتمالها على المقاصدِ الأصليَّة والأصول المُهِمَّة، فهي: الفاتحةُ لأنها تفتتح بها القراءة، وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام (^٣).
قالَ الحُسَيْنُ بنُ مَسْعُودٍ البَغَوِيُّ: «سمّيت فاتحة الكتاب؛ لأنّ اللّه بها افتتح القرآن.
وسمّيت أمّ القرآن وأمّ الكتاب؛ لأنّها أصل القرآن منها بدئ القرآن وأمّ الشّيء: أصله، ويقال لمكّة: أمّ القرى؛ لأنّها أصل البلاد دحيت الأرض من تحتها، وقيل: لأنّها مقدّمةٌ وإمامٌ لما يتلوها من السّور يبدأ بكتابتها في المصحف وبقراءتها في
_________________
(١) فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (٤/ ١٦).
(٢) البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٧٠).
(٣) تفسير ابن كثير (١/ ١٠٢).
[ ١٠٩ ]
الصّلاة، والسّبع المثاني؛ لأنّها سبع آياتٍ باتّفاق العلماء.
وسمّيت مثاني لأنّها تثنّى في الصّلاة، فتقرأ في كلّ ركعةٍ، وقال مجاهدٌ: سمّيت مثاني لأنّ اللّه تعالى استثناها لهذه الأمّة فذخرها لهم» (^١).
يقول الفخر الرازي -﵀-: «اعلم أن هذه السورة لها أسماء كثيرة، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى:
فالأول: «فاتحة الكتاب» سميت بذلك الاسم لأنه يفتتح بها في المصاحف والتعليم، والقراءة في الصلاة، وقيل سميت بذلك لأن الحمد فاتحة كل كلام على ما سيأتي تقريره، وقيل: لأنها أول سورة نزلت من السماء.
والثاني: «سورة الحمد» والسبب فيه أن أولها لفظ الحمد.
والثالث: «أم القرآن»» (^٢).
وفي نحو قول الرازي يقول ابن عاشور: «لم يثبت في السنة الصحيحة من أسمائها إلا فاتحة الكتاب، أو السبع المثاني، أو أم القرآن، أو أم الكتاب» (^٣).