لقد أجمع المسلمون على أن القرآن الكريم محفوظ من التحريف والتبديل ومن الزيادة أو النقصان، كما أجمعوا على أن كل من زعم أن كتاب الله تعالى زيد فيه ما ليس منه، أو أنقص منه ما أنزل الله فيه فقد كفر.
يقول الله -﷿-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحِجر].
وزيادة للإيضاح نسوق أقوال أئمة التفسير في معنى الآية الكريمة من سورة الحجر.
يقول الطبري -﵀-: «يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ وهو القرآن، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ قال: وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما، ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل» (^١).
ويقول البغوي -﵀-: «﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾، يعني: القرآن، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي: نحفظ القرآن من الشياطين يزيدوا فيه، أو ينقصوا منه، أو يبدلوا.
قال الله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] والباطل: هو إبليس، لا يقدر أن يزيد فيه ما ليس منه ولا أن ينقص منه ما هو منه» (^٢).
ويقول القرطبي -﵀-: «﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ من أن يزاد فيه أو ينقص منه» (^٣).
ويقول الشنقيطي (^٤) -﵀-: «بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي نزَّل القرآن
_________________
(١) تفسير الطبري (١٧/ ٦٩).
(٢) تفسير البغوي (٤/ ٣٧٠).
(٣) تفسير القرطبي (١٠/ ٧).
(٤) الشيخ المحقق الأصولي المفسر- محمد الأمين الشنقيطي، (١٣٢٥ - ١٣٩٣ هـ)، هو محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي المدني، ولد بموريتانيا، اجتهد في طلب العلم فأصبح من علماء موريتانيا، وتولى القضاء في بلده. وكان من أوائل المدرسين في=
[ ٨٨ ]
العظيم، وأنه حافظ له من أن يزاد فيه أو ينقص أو يتغير منه شيء أو يبدل» (^١).
ويقول القاضي عياض -﵀- (^٢): «وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض، المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين، مما جمعه الدفتان من أول ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة] إلى آخر ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس] أنه كلام الله، ووحيه المنزَّل على نبيه محمد -ﷺ-، وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفًا قاصدًا لذلك، أو بدَّله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفًا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه، وأُجمع على أنه ليس من القرآن، عامدًا لكل هذا: أنه كافر» انتهى (^٣).
وأما اختلاف أهل العلم حول قرآنية البسملة فلا يشمله هذا الحكم، لأن أئمة القراءات لم يختلفوا في قراءتها في أوائل السور، والصحابة الكرام -﵃- مجمعون على إثبات البسملة في أوائل السور عدا براءة، وذلك في المصاحف العثمانية الذي كتبها الخليفة الراشد عثمان بن عفان -﵁- وبعث به إلى الأمصار
ويقول الشوكاني في ذلك: «واعلم أن الأمة أجمعت أنه لا يكفر من أثبتها، ولا من نفاها؛ لاختلاف العلماء فيها، بخلاف ما لو نفى حرفًا مُجمعًا عليه، أو أثبت ما لم يقل به أحد: فإنه يكفر بالإجماع.
ولا خلاف أنها آية في أثناء سورة «النمل»، ولا خلاف في إثباتها خطًّا في أوائل
_________________
(١) =الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية عين عضوًا في مجلس التأسيس لرابطة العالم الإسلامي، وعضوًا في هيئة كبار العلماء بالسعودية. توفي ودفن بمكة. ينظر الموسوعة الحرة، وعلماء نجد للبسام (٦/ ١٧٤).
(٢) أضواء البيان للشنقيطي (٩/ ٤١).
(٣) الإمام العلَّامة الحافظ الأوحد، شيخ الإسلام القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض المالكي، ينظر: سير أعلام النبلاء (ص: ٢١٣) وما بعدها.
(٤) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ٣٠٤، ٣٠٥).
[ ٨٩ ]
السور في المصحف، إلا في أول سورة التوبة» (^١).
ولقد أجمع المسلمون على أن البسملة جزء آية من سورة النمل وذلك في قول الله سبحانه: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ [النمل ٣٠]، وأجمعوا أيضًا على أنه لا خلاف بأنها ليست آيةً بين سورتي الأنفال والتوبة، لأن براءة نزلت بالسيف ولا يتناسب معها البسملة، والبسملة مشتملة على معنى الرحمة، واختلفوا فيما دون ذلك على مذاهب مختلفة وأقوال متباينة.