وإذا استطردنا في هذا الموضوع فإنه يجب أن نتنبه إلى أن كلمة (كليم) إذا أطلقت يراد بها كليم الله موسى، ولكن لا يعني هذا أبدًا أن الله جل وعلا حصر مقام التكليم في موسى، فقد سئل صلوات الله وسلامه عليه عن أبيه آدم أنبي هو فقال: (نبي مكلم) فأثبت النبي ﷺ في هذا الخبر الصحيح مقام التكليم لنبي الله آدم، كما أنه هو صلوات الله وسلامه عليه كلمه ربه في رحلة المعراج، فأضحى في الخبر الصحيح أن الذين ثبت أن الله كلمهم ثلاثة: آدم ثم موسى ثم نبينا ﷺ، ولا يبعد أن يعطى مثل هذا المقام خليل الله جل وعلا إبراهيم.
والذي عنيناه من إماطة اللثام هنا بيان رفيع الدرجة وعلو المنزلة في الخطاب القرآني لنبينا ﷺ، وهذا الخطاب القرآني لنبينا ﵊ المبين رفيع مقامه له قرائن عديدة لا تحصى، منها أن الله خاطب أنبياءه بأسمائهم المجردة، كقوله تعالى: ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا﴾ [هود:٤٨]، ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود:٧٦]، ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥]، وليس في القرآن كله مخاطبة الله جل وعلا لنبيه ﷺ باللفظ المجرد، فليس في القرآن كله (يا محمد) وإنما (يا أيها النبي) و(يا أيها الرسول) صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يبين رفيع المقام وجليل المكانة له ﵊ عند ربه.
فيجب علينا أن نتأسى بأسلوب القرآن في حديثنا عن نبينا ﷺ، فنتوخى جميل الألفاظ وأصدق العبارات وأحسن الكلمات التي تنبئ عما في قلوبنا لنبينا صلوات الله وسلامه عليه، فهذا الصديق ﵁ وأرضاه يأمره النبي ﵇ بأن يبقى في مكانه عندما صلى بالناس ثم قدم ﵊، فتأخر أبو بكر فأمره النبي أن يبقى مكانه فرفع يديه يدعو ثم تأخر، ثم تقدم ﵊ فصلى بالناس، فلما فرغ من صلاته سأله (ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟) فقال الصديق: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يتقدم على رسول الله ﷺ.
فتأمل قول الصديق: (ما كان لـ ابن أبي قحافة) ولم يقل: ما كان لـ أبي بكر.
فهذا بعض من فيض أدب أصحاب محمد ﷺ معه.
وفقني الله وإياكم للفقه في الدين والعلم النافع، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
[ ٧ / ٤ ]