﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَائِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾
قال ﴿يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ فاوصل الفعل بـ"على" كما قالوا "ضَرَبُوهُ في السيف" يريدون "بالسيف". وذلك ان هذه الحروف يوصل بها كلها وتحذف نحو قول العرب: "نَزَلْتُ زيدًا" تريد "نَزَلْتُ عَلَيْهِ".
﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾
وقال ﴿مِّن وَرَآئِهِ﴾ اي: من أمامه. وانما قال ﴿وراء﴾ اي: انه وراء ما هو فيه كما تقول للرجل: "هذا مِن ورائِكَ" أي: "سيأتي عَلَيْكَ" و"هُوَ مِنْ وَراءِ ما أَنْتَ فيه" لأَنَّ ما أَنْتَ فيه قد كان مثل ذلك فهو وراؤه. وقال ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ﴾ في هذا المعنى. أي: كانَ وراءَ ما هُمْ فيه.
﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذلك هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ﴾
وقال: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ كأنه قال: "وَمِمَّا نَقُصُّ عليكم مثلُ الذينَ كَفَرُوا" ثم اقبل يفسر كما قال ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ وهذا كثير.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
المعاني الواردة في آيات سورة (إبراهيم)
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
وقال ﴿إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ وهذا استثناء خارج كما تقول: "ما ضَرَبْتُهُ إلّا أَنَّهُ أَحْمَقُ" وهو الذي في معنى "لكنّ".
وقال ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ فتحت ياء الاضافة لان قبلها ياء الجميع الساكنة التي كانت في "مُصْرِخِيَّ" فلم يكنْ منْ حَرَكَتِها بدٌّ لأَنْ الكسر من الياء. وبلغنا ان الاعمش قال (بِمُصْرِخيِّ) [١٤١ ب] فكسرو هذه لحن لم نسمع بها من أحد من العرب ولا أَهل النحو.
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ﴾
وقال ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ منصوبة على (ضَرَبَ) كأنه قال "وَضَربَ اللهُ كَلِمَةً طَيِّبَةً مَثَلًا".
﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
وقال: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾ ومثل ذلك ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ و"الأُكُلُ" هو: الطَعامُ و"الأَكْلُ" هو: "الفِعْل".
المعاني الواردة في آيات سورة (إبراهيم)
﴿قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ﴾
وقال ﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ﴾ وفي موضع آخر (ولا خَلَّةٌ) وإِنَّما "الخِلالُ" لجماعة "الخُلَّةِ" كما تقول: "جُلّة" و"جِلال"، و"قُلَّة" و"قِلال". وقال الشاعر: [من المتقارب وهو الشاهد الخامس والعشرون]:
[ ٢ / ٤٠٧ ]
وكيفَ تُواصِلُ مَنْ أَصْبَحَتْ * خَلاَلَتُهُ كَأَبي مَرْحَبِ
ولو شيت جعلت "الخِلال" مصدرًا لأَنها من "خَاللْتُ" مثل "قَاتَلْتُ" ومصدر هذا لا يكون الا "الفِعال" أو "المُفاعَلَة".
﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾
وقال ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ اي: آتاكم من كُلِّ شَيُءٍ سَأَلْتُمُوهُ شَيْئًا" وأَضمر الشيء كما قال ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: "أُوتِيَتْ من كلِّ شَيءٍ في زمانِها شَيْئًا" قال بعضُهم: "إِنما ذا على التكثير" نحو قولك: "هُوَ يَعْلَمُ كُلَّ شيء" و"أتاه كلُّ الناسِ" وهو يعني بعضهم: وكذلك ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ . وقال بعضهم: "لَيْسَ من شَيْءٍ إِلاّ وَقَدْ سأله بعضُ الناس فقال ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ أي: "مِن كل ما سألتُمُوهُ قد آتى بعضَكُم منهُ شيئا وآتى آخَر شَيْئًا مما قد سأَل". ونون بضعهم ﴿مِّن كُلٍّ﴾
[ ٢ / ٤٠٨ ]
يقول ﴿مِّن كُلٍّ﴾ ثم قال "لَمْ تَسْأَلُوهُ إيّاه" كما تقول: "قَدْ سَأَلْتُك مِنْ كُلٍّ" و"قَدْ جَاءَنِي مِنْ كُلٍّ" لأنَّ "كُلّ" قد تفرد وحدها.
﴿رَّبَّنَآ إِنَّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾
وكذلك قال ﴿إِنَّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ﴾ يقول: "أَسْكَنْتُ منْ ذُرِّيَّتِي أُنَاسًا" [١٤٢ ء] ودخلت الباء على "وادٍ" كما تقول: "هو بِالبَصّرَةِ" و"هو في البصرة".
وقال ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ زعموا انه في التفسير "تَهْواهُم".
المعاني الواردة في آيات سورة (إبراهيم)
﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾
ونصب ﴿مُهْطِعِينَ﴾ على الحال وكذلك ﴿مُقْنِعِي﴾ كأنه قال: "تَشْخَصُ أَبْصَارُهُمْ مُهْطِعِين" وجعل "الطَرْفَ" للجماعة كما قال ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ .
[ ٢ / ٤٠٩ ]
﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾
وقال ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ فأضاف الى الأول ونصب الآخر على الفعل، ولا يحسن ان نضيف الى الآخر لأنه يفرق بين المضاف والمضاف اليه وهذا لا يحسن. ولا بد من اضافته لانه قد ألقى الالف ولو كانت "مخلفا" نصبهما جميعا وذلك جائز في الكلام. ومثله "هذا مُعْطي زَيْدٍ دِرْهَما" و"مُعْطٍ زيدًا دِرْهَما".
﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾
وواحد ﴿الأَصْفَادِ﴾ صَفَد.
[ ٢ / ٤١٠ ]