﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾
فأمَّا قوله ﷿ ﴿وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ﴾ فـ ﴿أَجَلٌ﴾ على الابتداء وليس على ﴿قَضَى﴾ .
﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾
[قال تعالى] ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ﴾ ثم قال ﴿مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ﴾ كأنه أخبر النبي ﷺ ثم خاطبه معهم كما قال ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ فجاء بلفظ الغائب وهو يخاطب لأنه هو المخاطب.
﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل للَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾
وقال: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ فنصب لام ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ لأن معنى "كَتَبَ" كأنه قال "واللهِ لَيَجْمَعَنَّكُمْ" ثم أبدل فقال ﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾
[ ١ / ٢٩٣ ]
أي: لَيَجْمَعَنَّ الذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُم.
المعاني الواردة في آيات سورة (الأنعام)
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ﴾
[وقال] ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ على النعت. وقال بعضهم ﴿فاطرُ﴾ بالرفع على الابتداء أيْ: هُوَ فاطرُ.
وقال بعضهم ﴿وهو يُطْعِمُ ولا يَطْعَم﴾ وقال بعضهم ﴿ولا يُطْعَمُ﴾ و﴿يَطْعَمُ﴾ هو الوجه، لأَنَّكَ إنَّما تقول: "هُوَ يُطْعَمُ" لمن يَطْعَمُ فتخبر أنَّهُ لا يأكل شيئا. وإنّما تقرأ ﴿يُطْعَمُ﴾ لاجتماع الناس عليها.
وقال ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ﴾ أي: وقيل لي: "لاَ تَكُونَنَّ". وصارت ﴿أُمِرْتُ﴾ بَدَلًا من ذلك لأنه حين قال ﴿أُمِرْتُ﴾ قد أخبر أنَّهُ قد قيل له.
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾
[ ١ / ٢٩٤ ]
وقال ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾ على الصفة. وقال بعضهم ﴿رَبَّنا﴾ على "يا ربنا [١٠٨ ء] . وأمَّا ﴿واللهِ﴾ فجره على القسم، ولو لم تكن فيه الواو نصبت فقلت " اللهَ رَبَّنا". ومنهم من يجر بغير واو لكثرة استعمال هذا الاسم وهذا في القياس رديء. وقد جاء مثله شاذا قولهم: [من الرجز وهو الشاهد التاسع والثمانون بعد المئة]:
* وَبَلَدٍ عامِيَّةٍ أَعْماؤُهُ *
[و] إِنَّما هُوَ: رُبَّ بَلَدٍ وقال: [من الوافر وهو الشاهد التسعون بعد المئة]
نَهَيْتُكَ عَنْ طِلابِكَ أُمَّ عَمْرٍو * بِعاقِبَةٍ وَأَنْت إِذٍ صَحِيحُ
يقول: "حِينَئِدٍ" فالقى "حينَ" وأَضمْرها. وصارت الواو عوضا من "رُبَّ" في "وَبَلَدٍ". وقد يضعون "بَلْ" في هذا الموضع. قال الشاعر: [من الرجز وهو الشاهد الحادي والتسعون بعد المئة]:
ما بالُ عَيْنٍ عَنْ كَراها قَدْ جَفَتْ * مُسْبِلَةً تَسْتَنُّ لَمّا عَرَفَتْ
دارًا لِلَيْلى بَعْدَ حَوْلٍ قَدْ عَفَتْ * بَلْ جَوْزِ تَيْهاءَ كَظَهْرِ الحَجَفَتْ
فيمن قال "طَلَحَتْ"
[ ١ / ٢٩٥ ]
﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَاذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾
[و] قال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ وواحد "الأَكِنَّةِ": الكِنان. و"الوَقْرُ" في الأُذُن [بالفتح]، و"الوِقْرُ" على الظهر بالكسر. وقال يونس: "سألتُ رؤبة" فقال: "وَقِرَتْ أُذُنُهُ" "تَوْقَرُ" اذا كان فيها "الوَقْر". وقال أبو زيد: "سمِعت العرب تقول: "أُذُنٌ مَوْقُورَةٌ" فهذا يقول: "وُقِرَتْ". قال الشاعر: [من الرمل وهو الشاهد الثاني والتسعون بعد المئة]:
وَكلامٍ سَيِّىءٍ قَدْ وُقِرَتْ * أُذُنِي مِنْهُ وَما بِي مِنْ صَمَمْ
[١٠٨ ب] وقال ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ فبعضهم يزعم أنَّ واحدَه "أُسْطُورَة" وبعضهم "إِسّطارَة"، ولا أُراهُ إِلاّ من الجمع الذي ليس له واحدٌ نحو: عَبادِيد" و"مَذاكِير" و"أَبابِيل". وقال بعضُهم: "واحد الأَبابيل": إبِّيل، وقال بعضهم: "إِبَّوْل" مثل: "عِجَّوْل" ولم أجد العرب تعرف له واحدا. فأمّا "الشَّماطِيطُ" فإِنهم يزعمون أنّ واحدَهُ "شِمْطاط". وكل هذه لها واحد الا انه ليس يستعمل، ولم يُتَكَلَّمْ به لأن هذا المثال لا يكون إلا جميعًا. وسمعت العرب الفصحاء يقولون: "أَرْسَلَ إِبِلَهُ أَبابيلَ" يريدون "جماعات" فلم يُتَكَلَّمْ لها بواحد.
المعاني الواردة في آيات سورة (الأنعام)
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾
وأَمّا قوله: ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ فانه من: "نَأَيْتُ" "يَنْأَى" "نَأْيًا".
[ ١ / ٢٩٦ ]
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
وقال: ﴿وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نصب لأنَّه جواب للتمني وما بعد الواو كما بعد الفاء، وان شئت رفعت وجعلته على مثل اليمين، كأنهم قالوا "وَلاَ نُكَذِّبُ واللهِ بآياتِ رَبِّنا وَنكُونُ واللهِ منَ المُؤمنين". هذا اذا كان ذا الوجه منقطعًا من الأول. والرفع وجه الكلام وبه نقرأ الآية [و] اذا نصب جعلها واو عطف، فكأنهم قد تمنوا الا يكذبوا وان يكونوا. وهذا - والله أعلم - لا يكون، لأنهم لم يتمنوا الايمان انما تمنوا الرد وأخبروا أنهم لا يكذبون ويكونون من المؤمنين.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَآءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ ياحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾
وقال ﴿أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ لأنه من "وَزَرَ" "يَزِرُ" [١٠٩ ء] "وِزْرًا" ويقال أيْضًا: "وُزِرَ" فـ"هُوَ مَوْزُورٌ". وزعم يونس انهما جميعًا يقالان.
[ ١ / ٢٩٧ ]
المعاني الواردة في آيات سورة (الأنعام)
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾
وقال ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ بكسر "إِنَّ" لدخول اللام الزائدة بعدها.
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾
وقال ﴿وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ كما تقول: "قَدْ أَصَابَنا من مَطَرٍ" و"قَدْ كانَ مِنْ حَديث".
﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
وقال ﴿نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَآءِ﴾ فـ"النَفَقُ" ليس من "النَفقَةِ" ولكنه من "النَّافِقاءِ"، يريد دخولا في الأرض.
وقال ﴿فَإِن اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَآءِ﴾ ولم يقل "فَافْعَلْ" وذلك أَنَّهُ أَضْمَر. وقال الشاعر: [من الخفيف وهو الشاهد الثاني والثلاثون بعد المئة]:
فَبِحَظٍّ مِمّا نَعِيشُ ولا تَذْ * هَبْ بِكِ التُرَّهاتِ في الأَهْوالِ
فأضمر "فَعِيشى".
[ ١ / ٢٩٨ ]
المعاني الواردة في آيات سورة (الأنعام)
﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾
وقال ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ يريدُ: جماعة أمة.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾
وقال ﴿أَرَأَيْتَكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ فهذا الذي بعد التاء من قوله: ﴿أَرَأَيْتَكُم﴾ إِنما جاء للمخاطبة. وترك التاء مفتوحة كما كانت للواحد، وهي مثل كاف "رُوَيْدَكَ زَيْدًا" اذا قالت: أَرْوِدْ زَيْدًا". فهذه الكاف ليس لها موضع فتسمى بجر ولا رفع ولا نصب، وانما هي من المخاطبة مثل كاف "ذاك". ومثل ذلك قول العرب: "أَبْصِرْكَ زَيْدًا" يدخلون الكاف للمخاطبة وانما هي "أَبْصِرْ زيدًا".
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَّنْ اله غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾
وقال ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ [١٠٩ ب] سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ ثم قال ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ حمله على السمع أو على ما أخذ منهم.
المعاني الواردة في آيات سورة (الأنعام)
﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
وقال ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فالأولى ان ينصب جوابًا لقوله ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ﴾
[ ١ / ٢٩٩ ]
والأخرى [أنْ] ينصب بقوله ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ .
﴿وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ﴾ و﴿أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فقوله ﴿أَنَّهُ﴾ بَدَلٌ من قوله ﴿الرَّحْمَةَ﴾ أي: كَتَبَ أنَّهُ مَنْ عمِلَ. وقوله ﴿فَأِنَّهُ﴾ على الابتداء أي: فَلَه المفغرة والرَّحْمَةُ فَهوَ غَفُورٌ رَحيم. وقال بعضهم ﴿فأنَّهُ﴾ أراد به الاسم وأضمر الخبر. أراد "فَأنَّ".
[ ١ / ٣٠٠ ]
﴿وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾
وقال ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ لأَنَّ أَهْلَ الحِجازَِّ يَقُولن: "هِيَ السَّبِيلُ" وقال بعضهم ﴿ولتستبين﴾ * يعني النبيّ صلى الله عليه. وقال بعضهم ﴿وَلِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ﴾ في لغة بني تميم.
المعاني الواردة في آيات سورة (الأنعام)
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾
وقالَ ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ وقال بعضهم ﴿ضَلَلْتُ﴾ وهما لغتان. من قال "ضَلِلْتُ" قال "تَضَلُّ" ومن قال "ضَلَلْتُ" قال "تَضِلُّ" ونقرأ بالمفتوحة*.
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾
وقال ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ جر على ﴿مِنْ﴾ وإِنْ شِئْتَ رَفَعْتَ على"تسْقط"، [١١٠ ء] وإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ على الابتداءِ وَتَقْطَعُهُ من الأول.
[ ١ / ٣٠١ ]
﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَاذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾
وقال ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ وقال في موضع آخر ﴿وَخِيفَةً﴾ . و"الخُفْيَةُ": الإِخفاء و"الخِيفَةُ" من الخَوْف والرَّهْبَة.
المعاني الواردة في آيات سورة (الأنعام)
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾
وقال ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ لأنها من "لَبَسَ" "يَلْبِسُ" "لَبْسًا".
﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ أُوْلَائِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾
وقال ﴿أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ وهي من "أبْسَلَ" "إبْسالًا".
[و] قال ﴿أُوْلَائِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ﴾ .
﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
وأمَّا قوله ﴿حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ﴾ فإِنَّ كلَّ "فَعْلان" له "فَعْلى" فَإِنَّه لا ينصرف في المعرفة ولا النكرة.
وأمّا قَوْلُه ﴿إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ فان الألف التي في ﴿ائْتِنا﴾ الف وصل ولكن بعدها همزة من الأصل هي التي في "أتَى" وهي الياء التي في قولك "إيتِنا"، ولكنها لم تهمز حين
[ ١ / ٣٠٢ ]
ظهرت ألف الوصل. لأن الف الوصل مهموزة اذا استؤنفت فكرهوا اجتماع همزتين. وقال ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: إِنَّما أُمِرْنا كَيْ نُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمين" كما قال ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إِنما أُمِرت بذلك.
المعاني الواردة في آيات سورة (الأنعام)
﴿وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
ثم قال ﴿وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ أي: وَأُمِرْنا أَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ. أَوْ يَكُونُ أَوْصَلَ الفِعْلَ بالّلامِ، والمعنى: أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ. كما أوصل باللام في قوله ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ .
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾
وقال ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ﴾ قال ﴿يَوْم﴾ مضاف إلى قوله ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وهو نصب [١١٠ ب] وليس له خبر ظاهر والله اعلم. وهو على ما فسرت لك.
وكذلك ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ﴾
[ ١ / ٣٠٣ ]
وقال بعضهم ﴿يَوْمَ يُنْفَحُ في الصُّورِ﴾ وقال بعضهم ﴿يَنْفُخُ﴾ ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ .
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾
وقال ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ﴾ فتح اذا جعلت ﴿آزَرَ﴾ بدلًا من ﴿أَبيهِ﴾ وقد قرئت رفعا على النداء كأنه قال "يا آزَرُ"*. وقال الشاعر: [من الرجز وهو الشاهد الثالث والتسعون بعد المئة]:
إِنَّ عَلَيَّ اللهَ أَنْ تُبايِعا * تُقْتَلَ صُبْحًا أَوْ تَجِيىءَ طائَعا
فابدل "تُقْتَلَ صُبْحًا" من "تُبَايِعَ".
المعاني الواردة في آيات سورة (الأنعام)
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هذارَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾
وقال ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الْلَّيْلُ﴾ وقال بعضهم ﴿أَجَنَّ﴾ . وقال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الرابع والتسعون بعد المئة]:
فَلَمّا أَجَنَّ اللَّيْلُ بِتْنا كَأَنَّنا * علىكَثْرَةِ الأَعْداءِ مُحْتَرِسَانِ
[ ١ / ٣٠٤ ]
وقالُ: [من الرجز وهو الشاهد الخامس والتسعون بعد المئة]:
* أَجَنَّكَ اللَّيلُ وَلَمَّا تَشْتَفِ *
فجعل "الجَنَّ" مصدرا لـ"جَنَّ". وقد يستقيم أنْ يكون "أَجَنَّ" ويكون ذا مصدره كما قال "العَطاء" و"الإعطاء". وأما قوله ﴿أَكْنَنتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ فإِنهم يقولون في مفعولها: "مَكْنُونٌ" ويقول بعضهم "مُكَنّ" وتقول: "كَنَنْتُ الجاريَةَ" إذا صُنتها و"كَنَنْتُها مِن الشَّمْسِ" و"أَكْنَنْتُها مِن الشَّمْسِ" أيضًا. ويقولون "هِيَ مَكْنُونَة" و"مُكَنَّةٌ" وقال الشاعر: [من البسيط وهو الشاهد السادس والتسعون بعد المئة]:
قَدْ كُنْتُ أُعْطِيهُمُ مالِي وَأَمْنَحُهُمْ * عِرْضِي وَعِنْدَهُمُ في الصَّدْرِ مَكْنُونُ
لأنَّ قَيْسًا تقول: "كَنَنْتُ العِلْمَ" فهو "مَكْنُونْ". [١١١ ء] وتقول بنو تميم "أَكْنَنْتُ العِلْمَ" فـ"هُوَ مُكَنُّ"، و"كَنَنْتُ الجارِيَةَ فَـ"هِيَ مَكْنُونَةٌ". وفي كتاب الله ﷿ ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ وقال ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ وقال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد السابع والتسعون بعد المائة]:
قَدْ كُنَّ يَكْنُنَّ الوُجُوهَ تَسَتُّرًا * فَاليومَ حينَ بَدَوْنَ للنُّظّارِ
[ ١ / ٣٠٥ ]
وقيسُ تنشد "قَدْكُن يُكْنِنَّ".
وقال ﴿فلَمَّآ أَفَلَ﴾ فهو من "يَأْفِل" "أُفُولًا".
﴿فَلَماَّ رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هذارَبِّي هَاذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ ياقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾
وأما قوله للشمس ﴿هذارَبِّي﴾ فقد يجوز على "هذا الشيءُ الطالِعُ رَبّي".
أَوْ على أَنَّه ظهرت الشمس وقد كانوا يذكرون الرب في كلامهم قال لهم ﴿هذارَبّي﴾ . وانما هذا مثل ضربه لهم ليعرفوا اذا هو زال انه لا ينبغي ان يكون مثله آلها، وليدلهم على وحدانية الله، وأنه ليس مثله شيء. وقال الشاعر: [من الرجز وهو الشاهد الثامن والتسعون بعد المئة]:
مَكَثْتَ حَوْلًا ثُمَّ جِئْتَ قاشِرًا * لا حَمَلَتْ مِنْكَ كِراعٌ حافِرا
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًاّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾
قال ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ يعني: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾ ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ وكذلك ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ .
المعاني الواردة في آيات سورة (الأنعام)
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًاّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
وقفال بعضهم ﴿وَالْيَسَع﴾ وقال بعضهم ﴿وَاللَّيْسعَ﴾ ونقرأ بالخفيفة.
[ ١ / ٣٠٦ ]
﴿أُوْلَائِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾
وقال ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ . وكلّ شيء من بنات الياء والواو في موضع الجزم فالوقف عليه بالهاء ليلفظ به كما كان.
﴿وَهذاكِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾
وقال ﴿وَهذاكِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ [١١١ ب] مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي﴾ رفع على الصفة، ويجعل نصبا حالا لـ ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ .
المعاني الواردة في آيات سورة (الأنعام)
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾
وقال ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنْفُسَكُمُ﴾ فنراه يريد: يقولون ﴿أَخْرِجُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ والله اعلم. وكان في قوله ﴿بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ دليل على ذلك لأنه قد أخْبَرَ انهم يريدون منهم شيئًا.
﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الْلَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذلك تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾
وقال ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾ جعله مصدرا من "أَصْبَحَ". وبعضهم يقول ﴿فالِقُ الأَصْباحِ﴾ جماع "الصُّبْح".
وقال ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ أي: بِحِسابٍ. فحذف الباء كما حذفها من قوله ﴿أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ
[ ١ / ٣٠٧ ]
عَن سَبِيلِهِ﴾ أَيْ: أَعْلَمُ بمن يَضِلّ. و"الحُسْبانُ" جماعة "الحِسابِ" مثل "شِهاب" و"شُهْبَان"، ومثله "الشَمْسُ والقَمرُ بِحُسْبانٍ" أي: بحساب.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾
وقال ﴿أَنْشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ فنراه يعنى: فمنها مُسْتَقِرٌّ ومنها مُسْتَوْدَعٌ والله اعلم. وتقرأ ﴿مُسْتَقَرّ﴾ .
المعاني الواردة في آيات سورة (الأنعام)
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذالِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
وقال ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ يريد "الأَخْضَرَ" كقول العرب: "أرِنيِها نَمِرَةً أُرِكَها مَطِرَةً".
وقال ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ ثم قال ﴿وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ﴾ أي: "وَأَخْرَجْنا بِهِ جَنّاتٍ مِنْ أَعنابٍ".
ثم قال ﴿وَالزَّيْتُونَ﴾ وواحد: "القِنْوانِ": قِنْوٌ، وكذلك "الصِّنْوانُ" واحدها: صِنْوٌ.
﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾
[ ١ / ٣٠٨ ]
﴿وَكَذلك نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
وقوله ﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ أي: دَارَسْتَ أَهْلَ الكتابِ ﴿وَكَذلك نُصَرِّفُ الآيَاتِ﴾ يعني: هكذا. وقال بعضهم [١١٢ ء] ﴿دَرَسْتَ﴾ وبها نقرأ لأنها اوفق للكتاب. وقال بعضهم ﴿دَرَسَتْ﴾ .
المعاني الواردة في آيات سورة (الأنعام)
﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
وقال ﴿فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدُوًّا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ثقيلة مشددة و﴿عَدْوًا﴾ خفيفة، والأصل من "العُدْوانِ". وقال بعضهم ﴿عَدُوًّا﴾ بغير علم. أي: سبّوه في هذه الحال. ولكن "العَدُوّ" جماعة كما قال ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ وكما قال ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ ونقرأ ﴿عَدْوًا﴾ لأنها أكثر في القراءة وأجود في المعنى لأنك تقول: [عُدا] عَدْوًا علينا" مثل "ضَرَبَهُ ضَرْبًا".
وقال ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾
[ ١ / ٣٠٩ ]
وقرأ بعضهم ﴿أَنَّها] وبها نقرأ وفسر على "لعلها" كما تقول العرب: "اِذْهَبْ إِلى السوق أَنَّكَ تشتري لي شيئًا" أي: لَعَلَّك. وقال الشاعر: [من الرجز وهو الشاهد التاسع والتسعون بعد المئة]:
قُلْتُ لِشَيْبانَ اذْنُ من لِقائِهِ * أَنَّا نُغَذِّي القَوَمَ مِن شِوائِه
في معنى "لَعَلَّنا".
﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ ولكنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾
قال ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ أيْ: قَبِيلًا قَبِيلا، جماعة "القَبيل" "القُبُل". ويقال "قِبَلا" أي: عِيانا. وقال ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ أي: عِيانا. وتقول: "لا قِبَلَ لي بهذا" أي: لا طَاقَةَ*. وتقول: "لِي قِبَلَك حقٌ" أي: عندَك.
المعاني الواردة في آيات سورة (الأنعام)
﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾
[ ١ / ٣١٠ ]
[و] قال ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ هي من "صَغَوْتُ" "يَصْغا" مثل "مَحَوْتُ" "يُمْحا".
﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾
وقال [١١٢ ب] ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ الْجِنَّ﴾ على البدل كما قال ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [١٢] صِرَاطِ اللَّهِ﴾ . وقال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد المئتان]:
ذَرِينِي إِنَّ أمرَكِ لَن يُطاعا * وَمَا ألفَيْتِني حِلْمِي مُضاعا
وقال: [من البسيط وهو الشاهد الحادي بعد المئتين]:
إِنِّي وَجَدْتُكَ يا جُرْثُومُ مِنْ نَفَرٍ * جُرْثُومَةِ اللُّؤْمِ لا جُرْثُومَةِ الكَرَمِ
[وقال الآخر]: [من البسيط وهو الشاهد الخامس والخمسون بعد المئة]:
إِنَّا وَجَدْنا بَنِي جِلاّنَ كُلَّهم * كساعِد الضُّبِّ لا طُولٌ ولا عِظَمُ*
وقال: [من الرجز وهو الشاهد الثاني بعد المئتين]:
ما لِلجِمالِ مَشْيِها وَئيدا * أَجَنْدَلًا لاَ يَحْمِلْنَ أَمْ حَدِيدا
ويقال: ما للجمالِ مشيُها وَئيدا. كما قيل: [من الوافر وهو الشاهد الثالث بعد المئتين]:
[ ١ / ٣١١ ]
فكيفَ تَرَى عَطِيَّةَ حِينَ تَلْقَى * عِظامًا هامُهُنَّ قُرآسِيات
﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾
وقال ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يقول - والله اعلم - "وَأَيّ شَيْءٍ لَكُمْ في أَلاّ تَأْكُلُوا" وكذلك ﴿وَمَا لَنَآ أَلاّ نُقَاتِلَ﴾ يقول: "أيُّ شَيْءٍ لَنا في تَركِ القِتال". ولو كانت ﴿أَنْ﴾ زائدة لارتفع الفعل، ولو كانت في معنى "وما لَنا وَكَذا" لكانت "وَمَالَنا وَأَلاّ نُقَاتِلَ".
وقال ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم﴾ ويقرأ ﴿ليُضِلُّونَ﴾ . أوقع "أنَّ" على النكرة لأنَّ الكلام اذا طال احتمل ودل بعضه على بعض.
﴿وَكَذلك جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾
وقال ﴿وَكَذلك جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا﴾ [١١٣ ء] فبناه على "أَفاعِل"، وذلك انه يكون على وجهين يقول "هؤلاء الأكابر" و"الأكبرون" وقال ﴿نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ وواحدهم "أَخْسَرُ" مثل "الأَكْبَر".
[ ١ / ٣١٢ ]
المعاني الواردة في آيات سورة (الأنعام)
﴿وَكَذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾
وقال ﴿وَكَذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ لأن الشركاء زينوا.
ثم قال ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ من "أرْدى" "إِرْداءَ".
﴿وَقَالُواْ هَاذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَآءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾
وقال ﴿حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ﴾ و"الحِجْر" "الحَرام" وقد قرئت بالضم ﴿حُجْرٌ﴾، وكذلك قرئت ﴿حُجْرًا مَحْجُورا﴾ بضم الحاء و﴿حِجْرًا﴾ في معنى واحد. وقد يكون "الحِجْرُ": العَقْل، قال الله تعالى ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ أي ذي عقل. وقال بعضهم: "لا يكون في قوله ﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ إلا الكسر. وليس ذا بشيء لأنه حرام. وأما "حَِجْرُ المرأة" ففيه الفتح والكسر و"حَجْرُ اليَمامة"* بالفتح و"الحِجْرُ" ما حَجَرْتَه وهو قول أصْحابِ الحجر.
[ ١ / ٣١٣ ]
﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَاذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ﴾
وقوله ﷿ ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَاذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ رَفْعٌ أي**: وإِنْ تَكُن فِي بُطُونِهَا مِيتَةٌ. وقد يجوز الرفع اذا قلت ﴿يَكُن﴾ لأن المؤنّث قد يذكر فعله. و﴿خالِصَةٌ﴾ انثت لتحقيق الخلوص كأنه لما حقق لهم الخلوص اشبه الكثرة فجرى مجرى "رَاوِية" و"نَسّابة".
المعاني الواردة في آيات سورة (الأنعام)
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾
[وقال] ﴿جَنَّاتٍ﴾ جرْ لأن تاء الجميع في موضع النصب [١١٣ ب] مجرورة بالتنوين.
﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾
ثم قال ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ أَي: وأَنْشَأَ من الأَنعامِ حَمُولَةً وَفَرْشا.
﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾
ثم قال ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾
[ ١ / ٣١٤ ]
أي: أَنْشَأَ حَمُولَةً وَفَرَشًْا ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ. أي: أَنّشَأَ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ، على البدل أو التبيان أو على الحال.
ثم قال: "أَنْشَأَ ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ وانما قال ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ لأنَّ كُلَّ واحدٍ "زَوْجٌ". تقول للاثنين: "هذانِ زَوْجانِ" وقال الله ﷿ ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ وتقول للمرأة: "هي زَوْجٌ" و"هي زَوْجَةٌ" و: "هو زَوْجُها". وقال ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَها﴾ يعني المرأة وقال ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وقال بعضهم "الزَوْجَةُ" وقال الأخْطَل: [من البسيط وهو الشاهد السابع والشعرون بعد المئة]:
زَوْجَةُ أَشْمَطَ مَرْهُوبٌ بَوادِرُهُ * قَدْ صار في رَأْسِهِ التَخْوِيصَ والنَزَعُ
وقد يقال للاثنين أيضًا: "هما زَوْجٌ" و["الزَوْجُ" النَمَط يُطْرَحُ على الهَوْدَج] قال لَبيد: [من الكامل وهو الشاهد السادس والعشرون بعد المئة]:
مِنْ كُلِّ محْفُوفٍ يُظِلُّ عِصِيَّهُ * زَوْجٌ عَلَيْهِ كِلَّةٌ وقِرامُها
وأمّا ﴿الضَأن﴾ فمهموز وهو جماع على غير واحد. ويقال ﴿الضَئِين﴾ مثل "الشَعِير" وهو جماعة "الضَأْن" والأنْثى "ضائِنَة" والجماعة: "الضَوَائِنِ".
و﴿المَعْزُ﴾ جمع على غير واحد وكذلك "المِعْزَى"، فاما "المَواعِز" فواحدتها "الماعِزْ" و"الماعِزَةُ" والذكر الواحد "ضائِنْ" فيكون "الضَأْن" جماعة
[ ١ / ٣١٥ ]
"الضائِنْ" [١٠٤ ء] مثل صاحِب" و"صَحْب" و"تاجِر" و"تَجْر" وكذلك "ماعِزْ" و"مَعْز". وقال بعضهم ﴿ضأَنْ﴾ و﴿مَعَز﴾ جعله جماعة "الضَائِن" و"الماعِز" مثل "خَادِم" و"خَدَم"، و"حافِد" و"حَفَدَةْ" مثله إِلاَّ أَنَّهُ أُلحق فيه الهاء.
وأمَّا قَوْلُه ﴿َآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ﴾ فانتصب بـ"حرّم".
المعاني الواردة في آيات سورة (الأنعام)
﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
وقال ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ يقول: "إِلاَّ أَنْ يكونَ مِيتَةً أَوْ فِسقًا فإِنَّه رِجْسٌ".
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلك جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾
وقال ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَآ﴾ فواحد "الحَوايا": "الحاوِياءُ" "والحَاوِيَةُ". ويريد بقوله - والله أعلم - ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ﴾ أي: والبقر والغنم حرمنا عليهم. ولكنه أدخل فيها "مِنْ" والعرب تقول: "قَدْ كانَ مِنْ حَديثٍ" يريدون: قَدْ كانَ حَدِيثٌ" وإِن شئت قلت: "وَمِنْ الغَنَمِ حَرَّمْنا الشُّحُومَ" كما تقول: "مِنَ الدّارِ أُخِذَ النِّصفُ والثُلُثُ" فأضفت على هذا المعنى كما تقول: "مِنَ الدّارِ أُخِذَ نِصْفُها" و"مِنْ عَبْدِ اللهِ ضُرِبَ وَجْهُهُ".
[ ١ / ٣١٦ ]
﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذافَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾
وقال ﴿هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ﴾ لأن "هَلُمَّ" قد تكون للواحد والاثنين والجماعة.
المعاني الواردة في آيات سورة (الأنعام)
﴿أَن تَقُولُواْ إِنَّمَآ أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾
وقال ﴿أَن تَقُولُواْ إِنَّمَآ أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾ على ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [١٥٤] كراهيةَ ﴿أَن تَقُولُواْ إِنَّمَآ أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾ .
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾
وقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا﴾ [١١٤ ب] وقال بَعْضُهُم ﴿فارَقُوا﴾ من "المُفارَقَةِ".
﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾
وقال ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ على العدد كما تقول: "عَشْرُ سُودٍ" فان قلت كيف قال "عَشْر" و"المِثَل" مذكر؟ فانما أنث لأنه أضاف إِلى مؤنث وهو في المعنى أيضًا "حَسَنَةٌ" أو "دَرَجةٌ". فإِنْ أَنَّثَ على ذلك فهو وجه. وقال بعضُهم ﴿عَشْرٌ
[ ١ / ٣١٧ ]
أمْثالُها﴾ جعل "الأمثال" من صفة "العشر". وهذا الوجه الا انه لا يقرأ. لأنَّه ما كان من صفة لم تضف اليه العدد. ولكن يقال: "هُمْ عَشْرَةٌ قيامٌ" و"عشرةٌ قُعُودٌ" لا يقال: "عشرةُ قيامٍ".
المعاني الواردة في آيات سورة (الأنعام)
﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
وقال ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ أيْ: مستقيما وهي قراءة العامة وقال أَهْلُ المدينة ﴿قِيَما﴾ وهي حسنة ولم أَسمَعها من العرب وهي في معنى المفسر.
O
[ ١ / ٣١٨ ]