﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُواْ ياأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾
قال ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ﴾ يقول: "فجاءَهُم الله" اي: جاءَهُم أمرُه، وقال بعضهم ﴿فَآتاهُم اللهُ﴾ أي: آتاهُم العذابَ، لأنك تقول: "أَتاهُ" و"آتاهُ" كما تقول: "ذَهَبَ" و"أَذْهَبَتهُ".
﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾
وقال ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ﴾ وهي من "اللَّوْنِ" في الجماعة وواحدته "لِينَة" وهو ضرب من النخل ولكن لما انكسر ما قبلها انقلبت الى الياء.
﴿وَمَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ولكنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
وقال ﴿مَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ لأنك تقول: "فَاءَ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا" و"أَفَاءَهُ اللهُ" كما تقول: "جَاءَ" و"أَجَاءَهُ اللهُ" وهو مثل "ذَهَبَ" و"أَذْهَبْتُهُ".
المعاني الواردة في آيات سورة (الحشر)
﴿مَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
وقال ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً﴾ و"الدُّوْلَةُ" في هذا المعنى ان يكون ذلك المال مرة لهذا ومرة لهذا وتقول: "كانَتْ لَنَا عَلَيْهِم الدَوْلَة". واما انتصابها فعلى "كَيْلاَ يكونَ الفَيْءُ دُوْلَةً"
[ ٢ / ٥٣٨ ]
و"كيلا تكون دُوْلَةً" أي: "لا تكون الغنيمةُ دُوَلةً" [و] يزعمون أنَّ "الدَوْلَة" ايضا في المال لُغةٌ لِلْعَرَب، ولا تكاد تعرف "الدَوْلَةٌ في المال".
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
وقال ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً [١٧٥ ب] مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ أي: مِمّا أُعْطُوا.
﴿لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾
وقال ﴿لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ فرفع الاخر لأنه معتمد لليمين لأن هذه اللام التي في أول الكلام انما تكون لليمين كقول الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد السبعون بعد المئتين]:
لَئِنْ عادَلِي عبدُ العَزِيزِ بِمِثْلِهَا * وَأَمكَنَنِي مِنْها إِذًا لا أُقِيلُها
المعاني الواردة في آيات سورة (الحشر)
﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ الظَّالِمِينَ﴾
وقال ﴿أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ فنصب الخالدَيْن على الحال و﴿فِي النَّارِ﴾ خبر. ولو كان في الكلام "إِنَّهُما في النارِ" كانَ الرفعُ في ﴿خالدَيْنِ﴾ جائزا. وليس قولهم: إذَا
[ ٢ / ٥٣٩ ]
جِئْتَ بـ"فِيها" مرتين فهو نصب "بشيء". إِنّما "فيها" توكيد جئت بها أو لم تجيء بها فهو سواء. الا ترى ان العرب كثيرا ما تجعله حالا إِذَا كان فيها التوكيد وما أشبهه. وهو في القرآن منصوب في غير مكان. قال ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ﴾ .
[ ٢ / ٥٤٠ ]