﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾
قال ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ يعني كُلُّه كما تقول: "كلُّ مُنْطَلِقٌ" أي: كُلُّهُم.
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي الْلَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
وقال ﴿رَوَاسِيَ﴾ فواحدتها "راسِيَةٌ".
﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
وقال ﴿يُسْقَى بِمَآءٍ وَاحِدٍ﴾ فهذا التأنيث على "الجَنَّاتِ" وإِنّ شِئْتَ على "الأَعْنابِ" لأنَّ "الأعْناب" جماعة من غير الإِنْس فهي مؤنثة إِلاَّ أنَّ بعضهم قرأها (يُسْقَى بِماءٍ واحِدٍ) فجعله على الأَعْنابِ كما ذكر "الأَنْعام" فقال ﴿مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ ثم أنث بعد فقال ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ فمن قال (يُسْقَى) بالياء جعل "الأَعْناب" مما يؤنثّ ويذكّر مثل "الأَنْعام".
[ ٢ / ٤٠١ ]
المعاني الواردة في آيات سورة (الرعد)
﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَائِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَائِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ﴾
وقال ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وفي موضع آخر ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ فالاخر هو الذي وقع عليه الاستفهام والأول حرف**، كما تقول "أَيَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ". ومن أوقع استفهاما آخر جعل قوله ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ ظرفا لشيء مذكور قبله، ثم جعل هذا الذي استفهم عنه اسفتهاما آخر وهذا بعيد. وان شئت لم تجعل في قولك (أَإِذا) *** استفهاما وجعلت الاستفهام في اللفظ على "أَإِنّا"، كأنك قلت "يوم الجمعة أعبد الله منطلق" واضمرت فيه. فهذا موضع قد ابتدأت فيه "إِذا" وليس بكثير في الكلام وولو قلت "اليومَ إِنَّ عَبْدَ اللهِ مُنْطَلِقٌ" [١٤٠ ء] لم يحسن وهو جائز. وقد قالت العرب "مَا عَلِمْتُ إِنَّه لَصالِح" يريد: إِنَّه لَصالِحٌ ما عَلِمْتُ.
﴿سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالْلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾
وقال ﴿مُسْتَخْفٍ بِالْلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ فقوله ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ يقول: ظاهِرٌ. و"السارِب": المُتَوارِيِ. وقد قرئت (أَخِفْيها) أي: أُظْهِرُها لأَنَّكَ تقول "خَفَيْتُ السِّرَّ" أَيْ: أظْهَرْتُهُ وأَنْشَدَ: [من المتقارب وهو الشاهد السادس والثلاثون بعد المئتين]:
إِنْ تَكْتُموا الداءَ لا نَخْفِهِ * وَإِنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لاَ نَقْعُدِ
[ ٢ / ٤٠٢ ]
والضم أَجْوَدُ. وزعموا أَنَّ تفسير (أَكادُ): أُريد وأَنَّها لُغَةٌ لأَن "أُرِيدُ" قد تجعل مكان "أَكادُ" مثلُ (جِدارًا يُريدُ اَنْ يَنْقَضَ) أيْ: "يَكادُ أَنْ يَنْقَضَّ" فكذلك "أَكادُ" إِنَّما هي: أُريدُ. وقال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد السابع والثلاثون بعد المئتين]:
كَادَتْ وَكِدْتُ وَتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ * لَوْ عادَ مِنْ لَهْوِ الصبَّابَةِ ما مَضَى
وَأمّا "المُعَقِّباتُ" فإِنما أُنِّثَت لكثرة ذلك منها نحو "النَّسّابَة" و"العَلاَّمَة"* ثم ذكر لان المعنى مذكر فقال (يَحْفَظُونُه مِنْ أَمْرِ اللهِ)
﴿وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾
وقال ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ و﴿بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ فجعل "الغُدُوّ" يدل على الغَداةِ وإِنما "الغُدُوّ" فِعْلٌ، وكذلك "الإِبْكار" انما هو من "أَبْكَرَ" "إِبْكارًا"، والذين قالوا (الأَبْكار) احجوا بأنهم جمعوا "بُكْرًا" على "أَبْكار". و"بُكَرٌ"
[ ٢ / ٤٠٣ ]
لا تجمع [١٤٠ ب] لانه اسم ليس بمتمكن وهو أيضًا مصدر مثل "الإِبكار" فاما الذين جمعوا فقالوا إِنما جمعنا "بُكْرَةً" و"غُدْوَةً". ومثل "البُكْرَة" و"الغُدْوَة" لا يجمع هكذا. لا تجىء "فُعْلَةٌ" و"أَفعال" وانما تجيء "فُعْلَةٌ" و"فُعَل".
المعاني الواردة في آيات سورة (الرعد)
﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾
وقال ﴿أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ﴾ فهذه "أَمْ" التي تكون منقطعة من اول الكلام.
﴿أَنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذلك يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذلك يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾
وقال ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ تقول: "أَعْطِني قَدْرَ شِبْرٍ" و"قَدَرَ شِبْرٍ" وتقول: "قَدَرْتُ" و"أَنَا أَقْدُِر" "قَدْرًا" فأما المِثْلُ ففيه "القَدْرُ" و"القَدَر".
وقال ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ﴾ يقول: "ومن ذلك الذي يوقدون عليه زَيَدٌ مثله" قول: "ومن ذلك الذي يوقدون عليه زبد مثل هذا".
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾
وقال ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ [٢٣] سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ أي: يقولون "سلامٌ عليكم".
[ ٢ / ٤٠٤ ]
المعاني الواردة في آيات سورة (الرعد)
﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾
وقال: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ فـ (طُوبَى) في موضع رفع يدلك على ذلك رفع (وَحُسْنُ مآبٍ) وهو يجري مجرى "وَيْلٌ لِزيدٍ" لانك قد تضيفها بغير لام تقول "طُوباكَ" ولو لم تضفها لجرت مجرى "تَعْسًا لِزَيْدٍ". وان قلت: "لَكَ طُوبى" لم يَحْسُن كما لا تقول: "لَكَ وَيْلٌ".
﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾
وقال ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ﴾ فهذا في المعنى "أَفَمَنْ هو قائم على كل نفس مثل شركائهم"، وحذف فصار [١٤١ ء] (وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ) يدل عليه.
[ ٢ / ٤٠٥ ]