﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾
قال: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ نصب (غيرَ) على الحال.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
[و] قال ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ﴾ واحدها "شعيرة".
[و] قال ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ فـ"الشَنَئانُ" متحرك مثل "الدَرَجان" و"المَيَلان"، وهو من "شَنِئْتُه" فـ"أنا أشنَؤه" "شَنَئانًا". وقال ﴿لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أي: لا يُحِقَّنَّ لَكُمْ. لأَنَّ قَوْلَهُ ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ﴾ انما هو حَقٌّ أَنَّ لَهُمْ النّارَ. قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الثمانون بعد المئة]:
[ ١ / ٢٧١ ]
وَلَقَدْ طَعَنْتُ أَبّا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً * جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أَنْ يَغْضَبُوا
أي: حُقَّ لَهٌا.
وقوله ﴿أَن صَدُّوكُمْ﴾ يقول: "لأَِن صَدُّوكُم" وقد قُرئت ﴿إِنْ صَدُّوكُم﴾ [١٠١ء] على معنى "إنْ هُمْ صَدُّوكُم" أي: "إنْ هُمْ فَعَلُوا" أي: إنْ هَمُّوا* ولم يكونوا فعلوا. وقد تقول ذلك أيضًا وقد فعلوا كأنك تحكي ما لم يكن؛ كقول الله تعالى ﴿قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ وقد كان عندهم قد وقعت السرقة.
وقال ﴿أَن تَعْتَدُواْ﴾ أي: لا يُحِقَنَّ لَكُمْ شَنَئانُ قَوْم أَنْ تَعْتَدُوا. أي: لا يَحْمِلَنَّكُم ذلك َ علَى العُدْوانِ. ثم قال ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ .
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذالِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
وقال ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ من (وُقِذَتْ) فـ"هِيَ مَوْقُوذَةٌ".
﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾
[ ١ / ٢٧٢ ]
فيها الهاء لأنها جعلت كالاسم مثل "أَكِيلَةِ الأَسَدِ". وانما تقول: "هِيَ أَكِيلٌ" و"هِيَ نَطِيحٌ" "لأَنَّ كل ما فيه "مَفْعُولَة" فـ"الفَعِيل" فيه بغير الهاء نحو "القَتيِل" و"الصَريع" اذا عنيت المرأة و"هِيَ جَريحٌ" لأَنَكَ تقول "مَجْرُوحَةٌ".
وقال ﴿وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ﴾ ولغة يخففون "السَبْع".
﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ وجميعه: "الأنْصاب".
﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ﴾ يقول: "وَحُرِّمَ ذلك " وواحدها "زُلَم" و"زَلَمَ".
وقال ﴿مَخْمَصَةٍ﴾ تقول: "خَمَصَهُ الجُوع" نحو "المَغْضَبَة" لأنَّه أَرادَ المصدر.
[وقال] ﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾
[ ١ / ٢٧٣ ]
مهموزة الياء الثانية وهي من "فَعِل" "يَفْعِل" وكسر الياء الأولى لغة نحو "لِعْبَ" ومنهم من يكسِر اللام والعين ويسكنون العين ويفتحون [١٠١ ب] اللام أيضًا ويكسرونها وكذلك "يئس". وذلك أنَّ "فعل" اذا كان ثانيه احد الحروف الستة كسروا أوله وتركوه على الكسر، كما يقولون ذلك في "فعيل" نحو "شِعير" و"صِهيل". ومنهم من يسكن ويكسر الأولى نحو "﵀" فلذلك تقول: "يِئْسَ" تسكر الياء وتسكن الهمزة. وقد قرئت هذه الآية ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ على تلك اللغة التي يقولون فيها "لِعِبَ". وأُناس يقولون "نَعِمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ" فقد يجوز كسر هذه النون التي في "نَعِمَ" لأن التي بعدها من الحروف الستة كما كسر "لِعِب". وقولهم: "ان العين ساكنة من "نِعِمّا" اذا ادغمت خطأ لأنه لا يجتمع ساكنان. ولكن اذا شئت أخفيته فجعلته بين الادغام والاظهار فيكون في زنة متحرك كما قرئت ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي﴾ يشمون النون الأولى الرفع.
وقال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ لأَّنَّ الاسلام كان فيه بعض الفرائض فلما فرغ الله مما أراد منه قال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
[ ١ / ٢٧٤ ]
﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِينًا﴾ لا على غير هذه الصفة.
وقال ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ كأنه قال: "فإِنَّ اللهُ لَهُ غَفُورٌ رَحِيم". كما تقول: "عبدُ اللهِ ضَرَبْتُ" تريد: ضربته. قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الحادي والثمانون بعد المئة]:
[١٠٢ ء] ثَلاثٌ كُلُّهُنَّ قتلتُ عَمْدًا * فَأَخْزَى اللهُ رابعَةً تَعُود
وقال الآخر: [من الرجز وهو الشاهد الثاني والثمانون بعد المئة]:
قدْ أَصْبَحَتْ أُمُ الخِيارِ تَدَّعي * عَلَيَّ ذَنْبًا كُلَّهُ لَمْ أَصْنعِ
المعاني الواردة في آيات سورة (المائدة)
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
وقال ﴿مَاذَآ أُحِلَّ﴾ فان شئت جعلت "ذا" بمنزلة "الذي" وان شئت جعلتها زائدة كما قال الشاعر: [من البسيط وهو الشاهد الثالث والثمانون بعد المئة]:
يا خُزْرَ تَغْلِبَ ماذا بالُ نِسْوَتِكُم * لا يَسْتَفِقنَ الى الدَيْرَيْنَ تَحْنانا
فـ"ذا" لا تكون ها هنا إلاَّ زائدة. [اذ] لو قلت: "ما الذي بال نسوتكم" لم يَكُن كَلامًا.
[و] قال ﴿الْجَوَارِحِ﴾
[ ١ / ٢٧٥ ]
وهي الكَواسِبُ كما تقول: "فُلانٌ جارِحَةُ أَهْلِهِ" و"مالَهُمْ جارِحَةٌ" أي: مالَهُم مَمَالِيكُ "ولا حافِرَةْ".
[و] قال ﴿كُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [فـ] أدخل ﴿مِنْ﴾ كما أدخله في قوله: "كانَ مِنْ حَديث" و"قَدْ كانَ مِنْ مَطَرٍ". وقوله ﴿وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ و﴿يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾ . وهو فيما فسر "يُنَزِّلُ منَ السَّماءِ جِبالًا فيها بَرَدٌ". وقال بَعْضُهُم ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾ أي: في السَّماءِ جبالٌ مِنْ بَرَد. أي: يَجْعَلْ الجِبالَ مِنْ بَرَدٍ في السَّماء، ويجعل الإِنزال منها.
﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
وقال ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ فيعني به الرجال.
وقال ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (وَ) أُحِلَّ ﴿لَكُمْ المُحْصنات﴾ من النساء ﴿مُحْصِنِينَ [١٠٢ ب] غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: أُحِلَّ لَكُمْ في هذِهِ الحالِ.
[ ١ / ٢٧٦ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ولكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
وقال ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فرده إلى "الغَسْل" في قراءة بعضهِم لأنه قال ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ وقال بعضهم ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ على المسح أي: وامْسحوا بأَرْجُلِكُم. وهذا لا يعرفه الناس. وقال ابن عباس: "المَسْحَ على الرِّجْلَيْن يُجْزِىءُ". "ويجوز الجر على الاتباع وهو في المعنى "الغَسْل" نحو "هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ". والنَصب أسلم وأجود من هذا الاضطرار. ومثله قول العرب: "أَكَلْتُ خبزا ولبنا" واللبن لا يؤكل. ويقولون: "ماسَمِعْتُ برائحةٍ اطيبَ من هذهِ ولا رأيتُ رائحةً أطيبَ من هذِه" و"ما رأيتُ كلامًا أصوبَ من هذا". قال الشاعر: [من مجزوء الكامل وهو الشاهد الرابع والثمانون بعد المئة]:
يا لَيْتَ زَوجَكِ قَدْ غَدا * مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا
ومثله ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ﴾ [٢] ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [٢] .
وقال ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ أي: ما يُريدُ اللهُ لِيجْعَلَ عَلَيْكُمْ حَرَجا.
[ ١ / ٢٧٧ ]
المعاني الواردة في آيات سورة (المائدة)
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾
وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ كأنه فسر الوعد ليبين ما وعدهم أي: هكذا وعدهم فقال ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾
[وقال] ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي﴾ ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فاللام الأَولى على معنى القسم [١٠٣ ء] والثانية على قسم آخر.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾
وقال ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ كما تقول: "مِنْ عبدِ اللهِ أخَذْتُ دِرْهَمَه".
المعاني الواردة في آيات سورة (المائدة)
﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾
[و] قال ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ فأعمل ﴿إِنَّ﴾ في "القوم" وجعل "جَبْارِينَ" من صفتهم لأَنَّ ﴿فِيها﴾ ليس باسم.
[ ١ / ٢٧٨ ]
﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾
[و] قال ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ فهي من "أَسَي" "يَأْسىَ" "أَسَىَ شَدِيدًا" وهو الحزن. و"يَئِسَ" من "اليَأسِ" وهو انقطاع الرجاء من "يَئِسوا" وقوله ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾: من انقطاع الرجاء وهو من: يئست وهو مثل "إِيٍس" في تصريفه. وإنْ شِئْتَ مثل "خَشِيْتُ" في تصريفه. وأما "أسَوْتَ" "تَأْسُوا" "أَسْوًا" فهو الدواء للجِراحة. و"أُسْتُ" "أَؤُوسُ" أَوْسًا" في معنى: أَعْطَيْتُ. و"أُسْتُ" قياسها "قُلْتُ" و"أَسَوْتُ" [قياسها] "غَزَوْتُ".
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾
[و] قال ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ فالهمزة لـ"نَبَأ" لأنها من "أَنْبَاتُهُ". وأَلِف "ابْنَيْ" تذهب لأنها ألف وصل في التصغير. واذا وقفت [قلت] "نبأ" مقصور ولا تقول "نبا" لأنها مضاف فلا تثبت فيها الألف*.
[ ١ / ٢٧٩ ]
المعاني الواردة في آيات سورة (المائدة)
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
وقال ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ مثل "فَطَوَّعَتْ" ومعناه: "رَخَّصَتْ" وتقول "طَوَّقْتُهُ إمْريِ" أي: عَصَبْتُه به.
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذاالْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾
وقال ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذاالْغُرَابِ فَأُوَارِيَ﴾ فنصب ﴿فَأُوَارِيَ﴾ لأَنَّكَ عَطَفْتَه بالفاء على ﴿أَنْ﴾ وليس بمهموز لأَنّه من "وَارَيْتُ" وإنما [١٠٣ ب] كانت ﴿عَجَزْتُ﴾ لأنها من "عَجَزَ" "يَعْجِزُ" وقال بعضهم "عَجَزَ" "يَعْجُزُ"، و"عَجِزَ" "يَعْجَزُ".
﴿مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالّبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ بَعْدَ ذلك فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾
[و] قال ﴿مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ . وان شئت أذهبت الهمزة من ﴿أَجْلِ﴾ وحركت النون في لغة من خفف الهمزة. و"الأَجْلُ": الجناية من "أَجَلَ" "يَأْجِلُ"، تقول: "قَدْ أَجَلْتَ عَلَيْناا شَرًْا" ويقول بعض العرب ﴿مِنْ جَرّا﴾ من: "الجَريرة" ويجعله على "فَعْلَى".
وقال ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ﴾ يقول: "أَوْ بِغَيْرِ فَسادٍ في الأَرْض".
[ ١ / ٢٨٠ ]
المعاني الواردة في آيات سورة (المائدة)
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
وقال ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ يقول: "لَوْ أَنَّ هذا مَعَهُم لِلفداء ما تُقُبِّلَ مِنْهُم".
﴿ياأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذافَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَائِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
وقال ﴿لاَ يَحْزُنكَ﴾ خفيفة مفتوحة الياء وأهْل المدينة يقولون ﴿يُحْزِنْكَ﴾ يجعلونها من"أحْزَنَ" والعرب تقول: "أَحْزَنْتُه" و"حَزَنْتُهُ".
وقال ﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: "مِنْ هؤُلاءِ ومِنْ هؤلاء" ثم قال مستأنفًا ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أي: هم سماعون. وان شئت جعلته على ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ﴾ ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ثم تقطعه من الكلام الأول. ثم قال ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [٤٢] على ذلك الرفع للأول وأما قوله ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ فها هنا انقطع الكلام والمعنى "وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ يَسْمَعُونَ
[ ١ / ٢٨١ ]
كَلامَ النَبِيّ ﷺ [١٠٤ ء] لَيَكْذِبُوا عَلَيْهِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرينَ لَمْ يأتُوكَ بَعْد" يقول: "يَسْمَعُونَ لَهُم فَيُخْبِرونَهُمْ وَهُمْ لَمْ يَأْتُوكَ".
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
وقال ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ اذا عطف على ما بعد "أَنَّ" نصب والرفع على الابتداء كما تقول: "إنَّ زَيْدًا منْطَلِقٌ وعَمْرٌ ذاهبٌ" وإِنْ شئتَ قلت: "وَعَمْرًا ذاهبٌ" نصب ورفع.
المعاني الواردة في آيات سورة (المائدة)
﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾
[و] قال ﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ لأنَّ بَعْضَهم يقول: "هِيَ الإِنْجيل" وبعضهم يقول: "هُوَ الإِنجيل". وقد يكون على أنَّ "الإِنجيلَ" كتاب فهو مذكر في المعنى فذكروه على ذلك. كما قال ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى﴾ ثم قال ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِّنْهُ﴾ فذكّر و"القِسْمَةُ" مُؤَّنَّثة لأَنَّها في المعنى "الميراث" و"المال" فذكر على ذلك.
﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ولكن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
وقال ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ يقول: "وَشااهِدًا عَلَيْهِ" نصب على الحال.
[ ١ / ٢٨٢ ]
وقال ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ فـ"الشِّرْعَةُ": الدينِ، من "شَرَعَ" "يَشْرَعُ"، و"المِنْهااجُ": الطَريقُ من "نَهَجَ" "يَنْهَجُ".
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
وقال ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ﴾ ثم قال ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ على الابتداء.
المعاني الواردة في آيات سورة (المائدة)
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهُؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ﴾
[و] قال ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ نصب لأنه معطوف على قوله ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ [٥٢] وقد قرىء رفعا على الابتداء. قال أبُو عمرو النصب محال لأنه لا يجوز "وَعَسى اللهُ أَنْ يقولَ الذين آمنوا" وإِنَّما ذا "عسى أنْ يقول"، يجعل ﴿أَنْ يَقُولَ﴾ [١٠٤ ب] معطوفة على ما بعد "عَسَى" أوْ يكون تابعا، نحو قولهم: "أَكَلْتُ خُبْزًا وَلَبَنًَا" و:
* مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا
[ ١ / ٢٨٣ ]
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَائِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾
وقال ﴿بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ﴾ كما قال ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذلِك﴾ *.
وقال ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ أي: ﴿مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ﴾ ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ .
﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾
وقال ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ وقال ﴿عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ﴾ نصبهما بإِسقاط الفعل عليهما.
المعاني الواردة في آيات سورة (المائدة)
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾
وقال ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ . فذكروا أنَّها "العَطِيَّة" و"النِّعْمَة". وكذلك ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ كما تقول: "إنَّ لِفُلانٍ عِنْدِي يَدًا" أي: نِعْمَةً. وقال: ﴿أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ أي: أُولى النِّعَم. وقد تكون "اليَد" في وجوه، تقول "بَيْنَ يَدَي الدارِ" تَعْني: قُدامَها، وليستْ للدارِ يدان.
[ ١ / ٢٨٤ ]
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾
وقال ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ وقال بعضهم ﴿رِسالاتِهِ﴾ وكلٌّ صوابٌ لأَنَّ "الرِّسالَةَ" قد تجمع "الرَّسائِلَ" كما تقول "هَلَكَ البَعِيرُ والشَّاةُ" و"أَهْلَكَ الناسَ الدينارُ والدِرْهَمُ" تريد الجماعة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
وقال: ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ وقال في موضع آخر ﴿والصّابِئِينَ﴾ والنصب القياس على العطف على ما بعد ﴿إِنّ﴾ فاما هذه فرفعها على وجهين كأن قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ في موضع رفع في المعنى لأنه كلام مبتدأ لأَنَّ قَوْلَهُ: "إنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ" و"زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ" من غير أن يكون فيه "إنّ" في المعنى سواء [١٠٥ ء]، فان شئت اذا عطفت عليه شيئا جعلته على المعنى. كما قلت: "إنَّ زيدًا مُنْطَلِقٌ وعمرٌو". ولكنه اذا جعل بعد الخبر فهو احسن واكثر. وقال بضعهم: "لما كان قبله فعل شبه في اللفظ بما يجري على ما قبله، وليس معناه في الفعل الذي قبله وهو ﴿الَّذِينَ هَادُواْ﴾ اجراه عليه فرفعه به وان كان ليس عليه في المعنى ذلك انه تجيء اشياء في اللفظ لا تكون في المعاني، منها قولهم: "هذا
[ ١ / ٢٨٥ ]
جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ" وقولهم "كَذَبَ عَلَيْكُمْ الحَجُّ" يرفعون "الحَجَّ" بـ"كَذَبَ"، وانما معناه "عَلَيْكُم الحَجَّ" نصب بأمرهم. وتقول: "هذا حَبُّ رُمّانِي" فتضيف "الرُّمَانَ" إلَيكَ وإِنَّما لَكَ "الحَبُّ" وليس لك "الرُّمَانُ". فقد يجوز أشباه هذا والمعنى علىخلافه.
المعاني الواردة في آيات سورة (المائدة)
﴿وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾
[و] قال ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ ولم يقل "ثُمَّ عَمِيَ وَصَمَّ" وهو فعل مقدم لأنه أخبر عن قوم انهم عَمُوا وصَمُّوا، ثم فسر كم صنع ذلك منهم كما تقول "رأيتُ قَوْمَك ثُلُثَيْهِم" ومثل ذلك ﴿وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ وان شئت جعلت الفعل للآخر فجعلته على لغة الذين يقولون "أَكَلُوني البَراغِيثُ" كما قال: [من الطويل وهو الشاهد الخامس والثمانون بعد المئة]:
ولكِنْ دِيافِيٌّ أَبُوهُ وأُمُّهُ * بِحَوْراَنَ يَعْصُرْنَ السَّلِيطُ أَقارِبُه
﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ اله إِلاَّ اله وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[و] قال ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ وذلك انهم جعلوا معه "عِيْسى" [١٠٥ ب] و"مَرْيَمَ". كذلك يكون في الكلام اذا كان واحد مع اثنين قيل "ثالِثُ ثلاثَةٍ" كما قال ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ وانما
[ ١ / ٢٨٦ ]
كان معه واحد. ومن قال: "ثالثَ اثْنَيْنِ" دخل عليه أنْ يقول: "ثَانِيَ واحِدٍ". وقد يجوز هذا في الشعر وهو في القياس صحيح. قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد السادس والثمانون بعد المئة]:
وَلكِنْ لا أَخُونُ الجارَ حَتّىَ * يُزيلُ اللهُ ثالِثَةَ الأَثافِي
ومن قال: "ثانِيَ اثْنَيْنِ" و"ثالثُ ثَلاثَةٍ" قال: حاديَ أَحَدَ عَشَرَ" اذا كان رجل مع عشرة. ومن قال "ثالثُ اثْنَيْنِ" قال: "حاديَ عَشْرَةَ" فأمّا قَوْلُ العَرَبِ: "حاديَ عَشَرَ" و"ثانيَ عَشَر" فهذا في العدد اذا كنت تقول: "ثانِي" و"ثالث" و"رابع" و"عاشر" من غير ان تقول: عاشرَ كَذَا وكَذَا"، فلما جاوز العشرةَ أرادَ أَنْ يقول: "حادي" و"ثاني" فكان ذلك لا يعرف معناه الا بذكر العشرة فضم إليه شيئا من حروف العشرة.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذلك فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
وقال ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ﴾ على القسم أي: وَاللهِ لَيَبْلُوَنَّكُمْ. وكذلك هذه اللام التي بعدها النون لا تكون * الا بعد القسم.
[ ١ / ٢٨٧ ]
المعاني الواردة في آيات سورة (المائدة)
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذلك صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾
وقال: ﴿فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أي: فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم.
[و] قال ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيًا﴾ انتصب على الحال ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ من صفته وليس قولك [١٠٦ ء] ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ بمعرفة لأن فيه معنى التنوين لأنه اذا قال "هذا ضاربُ زَيْدٍ" في لغة من حذف النون ولم يفعل بعد فهو نكرة. ومثل ذلك ﴿هذاعَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ ففيه بعض التنوين غير انه لا يوصل اليه من أجل الاسم المضمر.
ثم قال ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ أيْ: أوْ عليه كفارةٌ. رفعٌ منون ثم فسر فقال "هِيَ طعامُ مساكين" وقال بعضهم ﴿كَفّارَةُ طَعَامِ مَساكِينَ﴾ باضافة الكفارة اليه.
[و] قال ﴿أَو عَدْلُ ذلك صِيَامًا﴾ يريد: أَوْ عَلَيْهِ مثلُ ذلك َ من الصيام. كما تقول: "عَليْها مثلُها زُبْدًا". وقال بعضهم ﴿أَوْ عِدلُ ذلك صياما﴾ فكسر وهو الوجه لأن "العِدْلَ": المِثْل. وأَمَّا "العَدْل" فهو المصدر تقول: "عَدَلْتُ هذا بهذا عَدْلًا حَسَنا"،
[ ١ / ٢٨٨ ]
و"العَدْل" أَيْضاَ: المِثْلُ. وقال ﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ أي: مِثْلٌ ففرقوا بين ذا وبين "عدل المتاع" كما تقول: "امرأَةٌ رَزانٌ" و"حَجَرٌ رَزِينٌ".
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذلك لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
وقال ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾ وقال ﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ﴾ أي: وجَعَلَ لكُمْ الهَدْيَ والقَلائِدَ.
﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
وقال ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضِرْكُمْ﴾ خفيفة، فجزم لأن جواب الامر جزم فجعلها من "ضَارَ" "يَضِير". وقال [١٠٦ ب] بضعهم ﴿يُضِرَّكُمْ﴾ و﴿يَضُرُّكْمْ﴾ فجعل الموضع جزما فيهما جميعا، الا انه حرك لان الراء ثقيلة فأولها ساكن فلا يستقيم اسكان آخرها فيلتقي ساكنان وأجود ذلك ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ رفع على الابتداء لأنه ليس بعلة لقوله ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ وانما أخبر انه لا يَضُرُّهُم.
[ ١ / ٢٨٩ ]
المعاني الواردة في آيات سورة (المائدة)
﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّآ إِذًَا لَّمِنَ الآَثِمِينَ﴾
وقال ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ثم قال ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ أيْ: شهادة بينِكم شهادةُ اثنين. فلما القى "الشهادة" قام "الاثنان" مقامها وارتفعا بارتفاعها كما قال ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ يريد: أَهْلَ القريةِ. وانتصب (القريةَ) بانتصاب "الأَهْلِ" وقامت مقامه. ثم عطف ﴿أَوْآخَرَانِ﴾ على "الاثنين".
﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّآ إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَآ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾
وقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ﴾ أيْ: من الأَوَّلَيْنِ الذينَ استْحَقَّ* عليهم. وقال بعضهم ﴿الأَوْلَيَانِ﴾ وبها نقرأ. لأنَّه حين قال ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ كان كأنه قد حدهما حتى صارا كالمعرفة في المعنى فقال ﴿الأَوْلَيَانِ﴾ فأجرى المعرفة علهيما بدلا. ومثل هذا مما يجري على المعنى كثير. قال الراجز: [وهو الشاهد السابع والثمانون بعد المئة]:
عَلَيَّ يومَ تَملكُ الأُمُورَا * صَوْمُ شُهورٍ وَجَبَتْ نُذُورا
* وَبَدَنًا مُقَلَّدًا مَنْحُورا *
[ ١ / ٢٩٠ ]
فجعله على "أَوْجَبَ" لأنه في معنى "قَدْ أَوْجَبَ".
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾
[وقال] ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَآ [١٠٧ ء] أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ فجعل ﴿تكونُ﴾ من صفة "المائدة" كما قال ﴿هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي﴾ رفع اذا جعله صفة وجزم اذا جعله جوابا كما تقول: "أَعْطِني ثَوْبًا يَسَعُني" اذا أردت واسعا و"يَسَعِْني" اذا جعلته جوابا كأنك تشترط أنه يسعك.
[و] قال ﴿وَآيَةً مِّنْكَ﴾ عطف على "العيد" كأنه قال: "يكونُ عِيدًا وآيَةً" وذكر ان قراءة ابن مسعود ﴿تَكُنْ لَنَا عِيدًا﴾ .
وليس قولهم ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ [١١٢] لأنهم ظنوا انه لا يطيق. ولكنه كقول العرب: أَتَسْتَطيعُ أَنْ تَذْهَبَ في هذهِ الحاجَةِ وتدَعَنا من كَلامِكَ"، وتقول: "أَتَسْتَطيعُ أَنْ تَكُفَّ عَنّي فإِنِّي مَغْمُوم". فليس هذا لأنه لا يستطيع ولكنه يريد "كُفَّ عَنِّي" ويذكر له الاستطاعة ليحتج
[ ١ / ٢٩١ ]
عليه أَيْ: إِنَّكَ تستطيعُ. فاذا ذكّره إِياها علم أَنها حجة عليه. وانما قرئت ﴿هَلْ تَسْتَطيعُ رَبَّكَ﴾ فيما لَدَيّ لغموض هذا المعنى الآخر والله أعلم. وهو جائز كأنه أضمر الفعل فأراد "هلْ تَستَطيعُ أَنْ تدعوَ رَبَّكَ" أَوْ "هلْ تَستَطيعُ رَبَّكَ أَنْ تَدْعُوَهُ"، فكل هذا جائز.
و"المائِدَةُ" الطعام. و"فَعَلْتُ" منها: "مِدْتُ" "أَمِيدُ". قال الشاعر: [من الرجز وهو الشاهد الثامن والثمانون بعد المئة]:
نُهْدِى رُؤوسَ المُجْرِمينَ الأَندادْ * إلى أمِيرِ المؤمِنِينَ المُمْتاد
[١٠٧ ب] [و["المُمْتاد"] هو "مُفْتَعِلٌ" من "مِدْتُ".
[ ١ / ٢٩٢ ]