﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
قال ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ فالكتاب خبر المبتدأ أخبر [به] أن التنزيل كتاب ثم قال ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ شغل الفعل بالآيات حتى صارت بمنزلة الفاعل فنصب القرآن.
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾
وقوله ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ حين شغل عنه. وان شئت جعلته نصبا على المدح كأنه حين أقبل على مدحه فقال "ذَكَرْنَا قُرْآنًا عَرَبِيًّا بَشِيرًا وَنَذِيرًا" أَوْ "ذَكَرْنَاهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا" وكان فيما مضى من ذكره دليل على ما أضمر [١٦٧ ء] وقال ﴿وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ معناه - والله أعْلَمُ - "وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ حِجَابٌ" ولكن دخلت "مِنْ" للتوكيد.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾
وأما قوله ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ثم قال ﴿أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [١٠] فانما يعني ان هذا مع الأول اربعة ايام كما تقول "تَزَوَّجْتُ أَمْسِ امرأةً، واليومَ ثِنْتَيْنِ" واحداهما التي تزوجتها امس.
قال ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ يقول: "بِخَيْرٍ".
المعاني الواردة في آيات سورة (فصلت)
﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ﴾
وَأَمَّا من نَصَبَ ﴿سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ﴾ فجعله مصدرا كأنه قال "اِسْتِواءً" وقد قرىء بالجرّ وجعل اسما للمستويات أي: في أَرْبَعَةِ أَيّامٍ تامَّةٍ.
﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾
وقال ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ كأنه قال "وَحَفِظْنَاهَا حِفْظًا" لأنه حين قال: "زَيَنّاهَا بِمَصَابِيحَ" قد أخبر أنه نظر في امرها وتعاهدها فذا يدل على الحِفْظِ كأنه قال: "وَحَفِظْنَاهًا حِفْظًا".
[ ٢ / ٥٠٥ ]
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ﴾
وقال ﴿فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ﴾ وهي لغة من قال "نَحْس" و﴿نَحِسات﴾ لغة من قال "نَحِس".
المعاني الواردة في آيات سورة (فصلت)
﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
وقال ﴿قَالُواْ أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فجاء اللفظ بهم مثل اللفظ في الانس لما خبّر عنهم بالنطق والفعل كما قال ﴿ياأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ﴾ لما عقلن وتكلمن صرن بمنزلة الانس في لفظهم. وقال الشاعر: [من الرجز وهو الشاهد الخامس والثلاثون بعد المئتين]:
[١٦٧ ب] فَصَبَّحَتْ وَالطَّيْرَ لَمْ تَكَلَّمِ * جَابِيَةً طُمَّتْ بِسَيْلٍ مُفْعَمِ
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهذاالْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾
وقال ﴿لاَ تَسْمَعُواْ لِهذاالْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ﴾ أي: لا تطيعوه. كما تقول "سَمِعْتُ لكَ" وهو - والله اعلم - على وجه "لا تَسْمَعُوا القرآنَ". وقال ﴿وَالْغَوْاْ فِيهِ﴾ لأنها من "لَغَوْتُ" "يَلْغَا" مثل "مَحَوْتُ" "يَمْحا" وقال بعضهم ﴿وَالْغُوا فِيهِ﴾ وقال "لَغَوْتَ" "تَلْغُو" مثل
[ ٢ / ٥٠٦ ]
"مَحَوْتَ" "تَمْحُو" وبعض العرب يقول: "لَغِيَ" "يَلْغَى" وهي قبيحة قليلة ولكن "لَغِيَ بِكَذَا وكَذا" أي: أُغْرِيَ بهِ فهو يقوله ونَصْنَعُه.
﴿ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾
وقال ﴿ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ اللَّهِ النَّارُ﴾ رفع على الابتداء كأنه تفسيرا للجزاء.
المعاني الواردة في آيات سورة (فصلت)
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾
وقال ﴿أَلاَّ تَخَافُواْ﴾ يقول: بأن لا تخافوا.
﴿نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾
[وقال] ﴿نُزُلًا﴾ لأَنه شغل ﴿لَكُمْ﴾ بـ ﴿مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ﴾ [٣١] حتى صارت بمنزلة الفاعل وهو معرفة وقوله ﴿نُزُلًا﴾ ينتصب على "نَزَّلْنَا نُزُلا" نحو قوله ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ .
[ ٢ / ٥٠٧ ]
﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
وقال ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ﴾ وقد يجوزُ، لأنك تقول: "لا يَسْتَوِي عبدُ اللهِ وَلاَ زَيْدٌ" اذا أردت: لا يَسْتَوِي عبدُ اللهِ وَزَيْدٌ" لأنهما جميعًا لا يستويان. وان شئت قلت ان الثانية زائدة تريد: لا يَسْتَوِي عبدُ اللهِ وَزَيْدٌ. فزيدت [لا] توكيدا كما قال ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ أي: لأن يعلم. وكما قال ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ . [١٦٨ ء] .
المعاني الواردة في آيات سورة (فصلت)
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾
وقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ فزعم بعض المفسرين ان خبره ﴿أُوْلَائِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [٤٤] وقد يجوز ان يكون على الاخبار التي في القرآن يستغنى بها كما استغنت اشياء عن الخبر اذ طال الكلام وعرف المعنى نحو قوله ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ وما أشبهه. وحدثني شيخ من أهل العلم قال: "سمعت عيسى بن عمر يسأل عمرو بن عبيد": ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ اين خبره؟ " فقال عمرو: "معناه في التفسير ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ كفروا به ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ " فقال عيسى: "جَاءَ يا أَبا عثمان".
[ ٢ / ٥٠٨ ]
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَائِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾
وقال ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ يقول: ﴿هَلاَّ فُصِّلَتْ آياتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ﴾ يعني القرآن ﴿وَعَرَبِيٌّ﴾ يعني النبي ﷺ وقد قرئت [من] غير استفهام وكلٌّ جائز في معنى واحد.
﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾
وقال ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ أي: فاستيقنوا، لأن ﴿ما﴾ ها هنا حرف وليس باسم والفعل لا يعمل في مثل هذا فلذلك جعل الفعل ملغى.
[ ٢ / ٥٠٩ ]