ومن سورة البقرة
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
قوله ﵎: (الم (١)
زعم أبو عبيدة معمرُ بنُ المثنى أنَّها حُروفُ الهجاءِ افْتتاح كلام.
وكذلك؛ (المر)، و(المص)، وزعم أبو الحسن الأخْفش أنَّها افتتاح كلام
ودليل ذلك أن الكلام الذي ذُكِرَ قَبلَ السورَةِ قَد تَم.
وزعم قطرب أن: (الم) و(المص) و(المر) و(كهيعص) و(ق)،
[ ١ / ٥٥ ]
و(يس) و(نون)، حروف المعجم ذكرت لتدل على أن هذا القرآن مؤلف من هذه الحروف المقطعة التي هي حروف أ. ب. ت. ث.
فجاءَ بعضها مقطًعًا وجاءَ تمامها مُؤَلفًا ليدل القوم الذين نزل عليهم القرآن أنه بحروفهم التي يعقلونها لا ريب فيه.
ويروى عن الشعبي أنه قال: لِلَّهِ في كُل كتابٍ سِر وسره في القرآن
حروف الهجاءِ المذكورة في أوائل السورِ.
ويروى عن ابن عباس ثلاثةُ أوجه في (الم) وما أشبهها، فوجه منها أنه
قال: أقسم اللَّهُ بهذه الحروف أن هذا الكتاب الَّذِي أنزل على محمد - ﷺ - هو الكتاب الذي عنده، ﷿ لا شك فيه، والقول الثاني عنه أن: (الر)، (وحم)، و(نون)، اسم للرحمن ﷿ - مقطًع في اللفظ موصُول في المعنى.
والثالث عنه أنَّه قال: (الم) معناه أنا اللَّه أعلم، و(الر) معناه أنا الله أرى،
[ ١ / ٥٦ ]
و(المص) معناه أنا الله أعلم وأفصل و(المر) معناه أنا الله أعلم وأرى.
فهذا جميع ما انتهى إِلينا من قول أهل اللغة والنحويين في معنى
(الم) وجميع ما انتهى إلينا من أهل العلم بالتفسير.
ونقول في إعراب (الم) و(الر) و(كهيعص) وما أشبه هذه
الحروف.
هذا باب التهجي.
[ ١ / ٥٧ ]
(هذا باب حروف التهجي)
وهي: الألف والباءُ والتاءُ والثاءُ وسائر ما في القرآن منها.
فإجْماع النحويين أن هذه الحُروف مَبْنِية على الوقف لا تعرب ومعنى
قولنا " مبنية على الوقف " أنك تُقَدرُ أنْ تسكت على كل حرف منها، فالنطق: ألف، لام، ميم، ذلك.
والدليل على أنك تقدر السكت عليها جمعك بين
ساكنين في قولك (لام) وفي قولك (ميم).
والدَّليل على أن حروف الهجاءَ مَبْنيَّة على السكت كما بني العدَدُ على السكْت: أنَك تقول فيها بالوقف مع
الجمع بين ساكنين، كما تقول إذا عددت واحدْ. اثنانْ. ثَلاثَهْ. أربعهْ. . .
ولولا أنك تقدر السكت لقلت: ثلاثةً، بالتاءِ كما تقول: ثلاثًا يا هذَا. فتصير الهاءَ تاءً مع التنوين واتصال الكلام.
وحقها من الإعراب أن تكون سواكن الأواخر، زَعم سيبويه أنك أردْتَ أنَ
المعجمَ حروف يُحْكى بها ما فِي الأسْماءِ المَؤلفَةِ من الحروف فجرى
[ ١ / ٥٩ ]
مجرى ما يحكى به نحو (غاق)، وغاق يا فتى، إنما حكى صوت الغُراب.
والدليل أيْضًا على أنها مَوْقُوفَة قولُ الشاعر:
أقْبَلْتُ من عند زيادكالخَرِف. . . تخطُّ رجْلاي بخَط مخْتَلف
تَكَتبَانِ في الطريق لَامَ ألِفْ
كأنه قال: لامْ ألِفْ، بسكون " لام " ولكنه ألقى حركة همزة " ألف "
على الميم ففتحها.
قال أبو إسحاق: وشرح هذه الحروف وتفسيرها أنها ليست تجري مجرى
الأسماءِ الْمُتمكنَة، والأفعال المضَارِعة التي يجب لها الإعرابُ وإنما هي
تقطيِع الاسم المَؤلف الذي لا يجب الإعراب فيه ألا مع كماله، فقولك
" جَعْفر " لا يجب أن تُعْرَبَ منه الجيمَ ولا الْعَيْنَ ولا الفَاءَ ولا الراءَ، دون
تكميل الاسم، فإنما هي حكايات وُضِعَتْ على هذه الحروف، فإن أجريتها
مَجْرى الأسماءِ وحدثت عنها قلت: هذه كاف حسنة، وهذا كاف حسنٌ.
وكذلك سائر حُرُوف الْمُعجَم، فمنْ قال هذه كاف أنثَ لمعْنى الْكَلِمَةِ، ومن
ذكر فلمعنى الحرف، والإعرابُ وقع فيها لأنك تخرجها من باب الحكاية.
قال الشاعر:
كافًا ومِيمين وسينًا طَاسِمًا
[ ١ / ٦٠ ]
وقال أيضًا:
كما بينت كاف تَلُوح ومِيمُها
ذكرَ طَاسِمًا لأنه جَعله صفةً للسين، وجعل السين في معنى الحرف وقال
تلوح، فأنث الكاف، ذهبَ بها مذهب الكلمة، قال الشاعر يهجو النحويين، وهو يَزيدُ بن الحكم.
إذا اجتمعوا على ألف وواو. . . وياءٍ لاح بينهمو جدال
فأما إعرابُ (أبِي جَادٍ) و(هَوَزٍ) و(حُطي)، فزعم سيبويه أن هذه
مَعْروفاتُ الاشتقاق في كلام العرب، وهي مَصْروفة، تقول: علمْتُ أبَا جادٍ
وانتفعتُ بأبي جاد، وكذلك (هوز) تقول: نفعني (هوز)، وانْتَفَعْتُ بهوَزٍ.
(وكذلك حُطي)، (وَهُن) مصْروفات منوَّنَات.
فأما (كلمون) و(سَعْفَص) و(قُرَيْشِيَات)، فأعْجَمِيات تقول: هذه كَلَمْونَ - يا هذا - وتعلمت كَلَمُونَ وانتفَعْتُ بكلمون، وكذلك (سعفص).
فَأما قُرَيْشِيَات فاسْم للجَمْع مصروفة بسبب الألف والتاء تقول: هَذه
[ ١ / ٦١ ]
قرَيْشِيَات - يا هذا وَعَجبْتُ مِنْ قُريْشِيات (يا هذا).
ولقطرب قول آخر في (الم): زعم أنه يجوز: لما لغا القومُ في القرآن
فلم يتفهموه حين قالوا (لاَ تَسْمَعُوا لهذا القرآن والغَوْا فِيه) أنْزِلَ ذكرُ هذه
الحروف، فسكتوا لمَّا سمعوا الحروف - طمعًا في الظفر بمَا يحبون ليفهموا
- بعد الحروف - القرآن وما فيه، فتكون الحجة عليهم أثبت إذا جحدوا بعد تفهم وتعلم.
قال أبو إسحاق: والذي اختاره من هذه الأقوال التي قيلت في قوله
﷿: (الم) بعض ما يروى عن ابن عباسٍ رحمة اللَّه عليه.
وهو أن المعنى: (الم) أنا اللَّه أعلم، وأن كل حرف منها له تفسيره.
والدليل على ذلك أن العرب تنطق بالحرف الواحد تدل به على الكلمة التي هو منها.
قال الشاعر:
قلنا لها قفي قَالَتْ قافْ. . . لا تَحْسَبي أنَّا نَسِينَا الإيجَاف
فنطق بقاف فقط، يريد قالت أقف.
وقال الشاعر أيضًا:
نَادَوْهمو أنِ الْجِمُوا ألَاتا. . . قالوا جميعًا كلهم ألَا فَا
[ ١ / ٦٢ ]
تفسيره: نادوهموا أن الجمُوا، ألا تركبون، قالوا جميعًا: ألا فارْكبوا.
فإنما نطق بتاءٍ وفاءٍ كما نطق الأول بقَافِ.
وأنشد بعض أهل اللغَةِ للقيم بن سَعْد بن مالك:
إنْ شئْتَ أشْرَفْناكلانا فدعا. . . اللَّهَ ربا جُهْدَه فاسْمَعَا
بالخير خيرات وإنْ شَرا فآى. . . ولا أريد الشر إلا أن تآءَ
وأنشد النحويون:
بالخير خيرات وإن شرا فا. . . ولا أريد الشر إلا إن تَا
يريدون: إن شَرا فَشَر، ولا أريد الشر إلا أن تَشَاء.
أنشد جميع البصريين ذلك
فهذا الذي أختاره في هذه الحروف واللَّه أعلم بحقيقتها.
فأما (ص) فقرأ الحسن: صادِ والقرآن، فكسر الدال، فقال أهل
[ ١ / ٦٣ ]
اللغة: معناه صاد القرآن بعملك، أي تَعَمَّدْهُ، وسقطت الياءُ للأمر ويجوز أن
تكون كسرت الدال لالتقاءِ السَّاكنين إذَا نَويتَ الوصلَ.
وكذلك قرأ عبد الله بن أبي إِسحاق: " صادِ والقرآن "، وقرأ أيضًا " قافِ والقرآن المجيد).
فالكسرُ فى مذهب بن أبي إسحاق لالتقاءِ السَّاكنين.
وقَرأ عيسى بن عمر: " صادَ والقرآنِ " - بفتح الدّال - وكذلك قرأ
"نونَ والقلم " و" قافَ والقرآنِ " - بالفَتح أيضًا - لالتقاءِ السَّاكنين.
قال سيبويه: إذَا نَاديتَ أسْحار والأسْحَارُّ اسمُ نَبْتٍ - مشدد الراءِ - قلت في ترخيمه: يا أسْحار أقْبل، ففتَحْتَ لالتقاءِ الساكِنين كما اخْتَرتَ الفتحَ في قولك عضَّ يا فتى فاتباع الفتحةِ الفَتْحُةَ كاتباع الألفِ الفَتْحَةَ ويجوز: يا أسحار أقْبِل، فتَكْسِر لالتقاء الساكنَيْن.
وقال أبو الحسن الأخفش: يجوز أن يكون صادَ وقافَ، ونونَ أسماءً
للسور منصوبةً إلا أنها لا تُصْرف كما لا تصرف جملة أسْماءِ المؤَنث.
والقولُ الأول أعني التقاءَ السَّاكنين، والفتحَ والكسر من أجل الْتقائها أقيسُ، لأنه يزعم أنه ينْصب هذه الأشياء كأنه قال: أذكر صادَ).
وكذلك يجيز في (حم)،
[ ١ / ٦٤ ]
و" طس "، النصبَ و" ياسين " أيضًا على أنها أسماءٌ للسور.
ولوكان قرئ بها لكان وجهُه الفتحَ لالتقاءِ السَّاكنين.
فأما (كهيعص) " فلا تُبينُ فيها، النون مع الصاد في القراءَة
وكذلك (حم عسق) لا تبين فيها، النون مع السين.
قال الأخفش وغيره من النحويين: لم تبَين النون لقرب مخرجها من
السين والضادِ.
فأما " نُونْ والقَلم " فالقراءَة فيها تَبْيين النون مع الواو التي في " والقلم ".
وبترك التبيين.
إِنْ شئتَ بينْتَ وإِن شئْتَ لَمْ تُبيِّنْ، فقلت " نُونْ والقَلم "
لأن النون بعدت قليلًا عن الواو.
وأما قوله ﷿ (المَ) اللَّه ففي فتح الميم قولان أحدهُما لِجماعة من
النحويين وهو أن هذه الحروف مبنية على الوقف فيجب بعدها قطع ألف
الوصل فيكون الأصل: أ. ل. م. اللَّهُ لا إِله إِلا هو.
ثمً طرِحتْ فَتْحةُ الهمزَةِ على الميم، وسقطت الهمزة كما تقول: واحدْ إثْنَان، وإن شئت قلت: واحدِ اثْنَان فألقَيْتَ كسرة اثنين على الدال.
وقال قوم من النحويين لا يسوغ في اللفظ أن ينطق بثلاثة أحرف سواكنَ
فلا بد من فتحة الميم في ألم اللَّه لالتقاءِ السَّاكنين (يعني الميم واللام والتي
بعدها).
وهذا القول صحيح لا يمكن في اللفظ غيره.
[ ١ / ٦٥ ]