موجود في هل، فكأن التقدير أو هل إِلا أن ألف الاستفهام وهَلْ لا يجتمعان
لأغناء هل عن الألف.
وقوله ﷿: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)
يعني به النبي - ﷺ - لأن الذي جاءَ به مصَدّق التوْرَاةَ والِإنجيلَ، و(لَمَّا) يقع بها الشيء لوقوعِ غيره (مُصَدِّقٌ) رفع صفة لرسول، لأنهما نكرتان.
ولو نصب كان جائزاَ، لأن (رَسُولٌ) قد وصف بقوله (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) فلذلك صار النصب يحسن، وموضع " ما " في " (مِصدّق لما معهم) جَر بلام الإِضافة، و" مَعَ " صلة لها، والناصب لمع الاستقرار.
المعنى لما استقر معهم.
وقوله ﷿: (نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ).
(الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) يعني به إليهود، والكتاب هنا التوراة و(كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) فيه قولان: جائز أن يكون القرآن وجائز أن يكون التوراة، لأن الذين كفروا بالنبي قد نبذوا التوراة.
وقوله ﷿: (كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ).
أعْلَمَ أنهم علماء بكتابهم، وأنهم رفضوه على علم به، وعداوةً للنبي
ﷺ. وأعْلَمَ أنَّهم نَبذوا كتاب اللَّه.
* * *
وقوله ﷿: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)
[ ١ / ١٨٢ ]
ما كانت تتلوه، والذي كانت الشياطين تلته في ملك سليمان كتاب من
السحر فَلِبهتِ اليهود وكَذِبِهم ادعَوْا أن هذا السحر أخذوه عن سليمان وأنه اسم الله الأعظم، يتكسَّبُون بذلكَ، فأعلم اللَّه - ﷿ - أنهم رفضوا كتابه واتبعوا السحر، ومعنى على (ملك سليمان)، على عهد ملك سليمان
(عَلَيْهِم) فبرأ اللَّه - ﷿ - سليمانَ من السحر، وأظهر محمدًا - ﷺ - عَلَى كذبهم
وقال: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ).
لأن اللَّه جعل الإتيان من سليمان بالسحر كفرًا فبرَّأهُ منه، وأعلم أن الشياطين كفروا فقال: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا)
(يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)
فمن شدد (لَكِنَّ) نصب الشياطين، ومن خفف رفع
فقال: (وَلَكِنِ الشيَاطِينُ كَفَرُوا) وقد قرئ بهما جميعًا.
وقوله ﷿: (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ).
وقد قريءَ على الملِكَيْنِ، و(المَلَكَيْنِ) أثْبتُ في الرواية والتفسير
جميعًا، المعنى يعلمون الناس السحرَ ويعلمون ما أنزلَ على الملكين فموضع
(ما) نصب، نَسق على السحْر، وجائز أن يكونَ واتبعوا ما تَتْلُو الشياطين واتَبعوا ما أنزل على الملكين، فتكون ما - الثانية عطفًا على الأولى.
وقوله: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ).
فيه غير قول: أحدها - وهو أثبتها أن الملكين كانا يعلمان الناس
السحر. وعلمتُ، وأعْلَمْتُ جميعًا في اللغة بمعنى واحد. (كانا يعلمان) نَبأ
السحر ويأمران باجتنابه - وفي ذلك حكمة لأن سائلًا لو سأل: ما الزنا وما
[ ١ / ١٨٣ ]
القذف لوجب أن يوقف ويُعَلَّمَ أنه حرام، فكذلك مجاز إعلام الملكين الناس
وأمرهما باجتنابه بعد الإعلام يدل على ما وصفنا، فهذا مستقيم بين، ولا
يكون على هذا التأويل تعلم السحر كفرًا، إنما يكون العمل به كفرًا، كما أن من عَرَفَ الزنا لم يأثَمْ بأنه عرفه، وإنما يأثم بالعمل به.
وفيه قَوْل آخر، جائز أن يكون اللَّه ﷿ امتحن بالملكين الناس في ذلك الوقت، وجعل المحنة في الكفر والِإيمان أن يقبل القابل تعلم السحر، فيكون بِتَعلُّمِه كافرًا، وبتْرَكِ تعَلمه مؤمنًا، لأن السحر قد كان كثر وكان في كل أمة، والدليل على ذلك أن فرعون فزع في أمر موسى - ﷺ - إلى السحر - فقال: (ائتوني بكل ساحر عليم)
وهذا ممكن أن يمْتَحِن اللَّه به كما امتحن بالنهر في قوله
(إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ).
وقد قيل إن السحر ما أنزل على الملكين، ولا أمرا به ولا أتى به
سليمانُ ﵇. فقال قوم: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ)، فيكون " ما " جحْدًا، ويكون هاروت وماروت من صفة الشياطين، على تأويل هؤلاء، كان التأويل عندهم على مذهب هؤلاءِ: كان الشياطين هاروت وماروت، ويكون معنى قولهمَا على مذهب هؤلاءِ (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ) كقول الغاوي والخليع: أنا في ضلال فلا تَرِدْ ما أنا فيه.
فهذه ثلاثة أوجه، والوجهان الأولان أشبه بالتأويل وأشبه بالحق عند كثير
من أهل اللغة، والقول الثالث له وجه، إلا أن الحديث وما جاءَ في قِصَّةِ
الملكين أشبه وأولى أن يؤخذ به
[ ١ / ١٨٤ ]
وإنما نذكر مع الإعراب المعنى والتفسير، لأن كتاب اللَّه ينبغي أن يتبين
ألا ترى أن اللَّه يقول (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) (فحُضِضْنَا) على التدبر
والنظر، ولكن لا ينبغي لأحد أن يتكلم إلا على مذهب اللغة، أو ما يوافق نقلة أهل العلم، واللَّه - أعلم بحقيقة تفسير هذه الآية.
فإن النحويين قد ترك كثير منهم الكلام فيها لصعوبتها، وتكلم جماعة منهم وإنما تكلمنا على مذاهبهم.
وقال بعض أهل اللغة: إن الذي أنزل على الملكين كلام ليس بسحر
إلا إنَّه يفرق به بين المرء وزوجه فهو من باب السحر في التحريم وهذا
يحتاج من الشرح إلى مثل ما يحتاج إليه السحر.
وقوله ﷿: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا).
ليس (يَتَعَلَّمُونَ) بجواب لقوله (فلا تكفر) وقد قال أصحاب النحو في هذا
قولين - قال بعضهم: إِن قوله يتعلمون عطف على قوله (يُعلِّمونَ) وهذا
خطأ، لأن قوله منهما دليل ههنا على أن التعلم من الملكين خاصة وقيل -
(فَيَتَعَلَّمُونَ) عطف على ما يوجبه معنى الكلام.
المعنى: إنما نحن فتنة فلا تكفر: فلا تتعلم ولا تعمل بالسحر، فيأبون فيتعلمون، وهذا قول حسن.
والأجود في هذا أن يكون عطفًا على يعلمان فيتعلمون واستغنى عن ذكر
يعلمان بما في الكلام من الدليل عليه.
[ ١ / ١٨٥ ]
وقوله ﷿: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ).
الإذن هنا لا يبهون الأمر من الله ﷿: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ).
ولكن المعنى إِلا بعلم الله.
* * *
وقوله ﷿: (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ).
المعنى إنَّه يضرهم في الآخرة وِإدْ تعجلوا به في الدنيا نفعًا.
وقوله ﷿: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ).
الخلاق النصيب الوافر من الخير، ويعني بذلك الذين يعلمون السحر
لأنهم كانوا من علماءِ إليهود.
وقوله ﷿: (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).
فيه قولان: قالوا: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ): يعني به الذين يُعَلًمُونَ السحْر.
والذين علموا أن العالم به لا خلاق له هم المعلمون. .
قال أبو إسحاق والأجود عندي أن يكون (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) راجعًا إلى
هُؤلاء الذين قد علموا أنه لا خلاق لهم في الآخرة).
أي لمن عُلِّمَ السحرَ ولكن قيل (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) وأي لو كان علمهم ينفعهم لسُمُّوا عالمين، ولَكِنَّ عِلْمَهُم نبذوه وراء ظهورهم، فقيل لهم (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أي ليس يوفون العلم حقه، لأنَّ العالِمَ، إِذا ترك العَمَلَ بِعِلْمِه قيل له لست بعالم ودخول اللام في لقد على جهة القسم والتوكيد.
وقال النحويون في (لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ) قولين:
جعل بعضهم " مَنْ " بمعنى
[ ١ / ١٨٦ ]