أن النبي - ﷺ - أمِّيّ وأن أهل الكتاب يعلمون - وهم يخالفونه - أن ما أخبر به من هذه الأقاصيص حق.
(قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا)، فانتفى موسى من الهِزؤِ، لأن الهازىء جاهل
لاعب فقال: (أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) فلما وضَح لهم أنه من عند
الله (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ)
وإِنَّما سألوا ما هي لأنهم لا يعلمون أن بقرةً يحيا بضرب بعضها ميت.
(قَالَ إنَهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ).
ارتفع (فَارِضٌ) بإضمار هي ومعنى (لا فَارِضٌ): لا كبيرة، (ولا بكرٌ) لا
صَغِيرة).
أي ليست بكبيرة ولا صغيرة.
(عَوَانٌ) العَوَانُ دون المُسِنَة وفوق الصغيرة.
ويقال من الفارض فرضت تَفْرِض فُروضًا ومن العوان قد عوَّنَتْ
تُعَوِّن، ويقال حرب عوَان، إذا لم تكن أول حرب، وكانت ثانية.
قال زهير:
إذا لَقِحَتْ حربٌ عَوانٌ مُضِرَّةٌ. . . ضَروسٌ تُهِرُّ الناسَ أنيابُها عُصْلُ
ومعنى (بَيْنَ ذَلِكَ) بين البِكْر والفَارِض، وبين الصغيرة والكبيرة وإِنما
جَازَ بين ذلك، و" بين " لا يكون إِلا مع اثنين أو أكثر لأن ذلك ينوب عن
الخمَل، فتقول ظننت زيدًا قائمًا، فيقول القائل " ظننت ذلك ".
وقوله ﷿: (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إنَهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)
[ ١ / ١٥٠ ]
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إنَهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)
موضع (ما) رفع بالابتداء، لأن تأويله الِإستفهام كَقَولك: أدع لنا ربك
يبين لنا أيَّ شيَءٍ لونها ومثله (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا).
ولا يجوز في القراءَة (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا)، على أن يجعل (ما) لغوًا ولا يقرأ القرآن إِلا كَمَا قراتِ القُرَّاء المجمَع عَلَيْهِمْ في الأخذ عنهم.
قَالَ إِنه يَقول إِنها: ما بعد القول من باب إن مكسور أبدًا، كأنك تذكر
القول في صدر كلامك، وإِنما وقعت قلت في كلام العرب أن يحكى بها ما
كان كلامًا يقوم بنفسه قبل دخولها فيؤَدي مع ذكرها ذلك اللفظ، تقول: قلت زيد منطلق. كأنك قلت: زيد منطلق، وكذلك إن زيدًا منطلق، لا اختلاف بين النحوين في ذلك، إِلا أن قومًا من العرب، وهم بَنو سُلَيم يجعلون باب قلت أجمع كباب ظننت، فيقولون: قلت زيدًا منطلقًا، فهذه لغة لا يجوز أن يُوجَد شيءٌ مِنْهَا في كتاب الله ﷿، ولا يجوز قال أنه يقول إِنها، لا يجوز إِلا الكسر.
وأمَّا قوله ﷿: (صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا)
(فَاقِعٌ) نعت للأصفر الشديد الصفرة، يقال أصفر فاقع وأبيض ناصع وأحمر قانٍ، قال الشاعر: ْ
يَسْقِي بها ذو تومتين كأنما. . . قنأتْ أنامِله من الفرصاد
[ ١ / ١٥١ ]