قوله تعالى: "وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) " وقال بعد: "استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين "
يسأل عما أعقب به فى كل الموضعين وما وجه تخصيصه وهل يجوز وقوع كل منهما فى موضع الآخر؟
والجواب: ان قوله تعالى: "وانها لكبيرة
الآية.
وقوله فى الآية الثانية: "إن الله مع الصابرين ".
كلا الإخبارين مناسب لقوله: "واستعينوا بالصبر والصلاة " فلا سؤال فى هذا وإنما يسأل عن تخصيص كل من الموضعين بما خص به اتباعا؟
والجواب عن ذلك أن قوله تعالى: "وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين " مشير إلى التثاقل عنها والتكاسل الجاريين فى الغالب والأكثر مع ضعف اليقين وقلة الإخلاص وذلك مناسب لحال بنى إسرائيل ممن ذكرت فى الآيات قبل ألا ترى قوله تعالى فى المنافقين وإنما أكثرهم من يهود: "ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ".
وقوله: "وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى " فلما كان قوله تعالى فى الآية الأولى: "واستعينوا بالصبر والصلاة " مكتنفا بأمر بني إسرائيل ونهيهم ناسب هذا قوله تعالى: "وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين " ولما كانت الآية الثانية معقبا بها أمر المؤمنين فى قوله تعالى: "يا أيها الذين ءآمنوا استعينوا بالصبر والصلاة " وحال من وسم بالإيمان حال رضى واستقامة ناسبهم وصفهم بالصبر إذ بالصبر على الطاعات حصول الدرجات فجاء كل على ما يناسب ولم يكن ليلائم واحدا من الموضعين غير ما أعقب به. والله أعلم بما أراد.
الآية العاشرة:
قوله تعالى: "واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل " ووقع بعد: "ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها
[ ١ / ٣٢ ]
شفاعة "، فأخر ذكر الشفاعة فى هذه الآية وقدم فى الأولى يسأل عن ذلك.
ووجه ذلك والله أعلم أنه لما تقدم فى الآية الأولى قوله تعالى: "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم " والمأمور بالبر قد يأخذ به ويتمسك بموجبه فيسلم من العصيان وتكون فى ذلك نجاته وإذا أمكن هذا فقد وقع الاهتداء بأمر هؤلاء الذين قيل لهم: "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم " فهو مظنة عندهم لرجائهم أن ينفع عند مشاهدة الجزاء الإحسانى للمأمورين بالبر حين قبلوا وامتثلوا أخذًا بظاهر حال الأمرين وإن كانوا يبطنون خلاف ما يظهرون وهذا جار على مألوف طمع اليهود، وقد ورد فى ذكر المنافقين تعلقهم فى القيامة بقولهم للمؤمنين: "ألم نكن معكم " فطمع من زاد على كونه مع المتعلق به أنه أمره فاقتدى بأمره واهتدى المأمور لما بخلوصه أخذا بظاهر ما صدر عن الآمر وان كان الآمر يبطن خلاف ما أمر به غيره إلا أن هذا أمكن من التعلق بالكينونة فى الدنيا مع الناجين وإذا تعلق هؤلاء بمجرد كونهم كانوا مع المؤمنين فتعلق من أمر بالبر زائد إلى كونه من المأمورين، وإن كان أمرة تظاهرا وراءا أمكن، إلا أن كل ذلك لا ينفع ما لم يكن إيمان مخلص فلتوهم هؤلاء إمكان الشفاعة من أمرهم بالبر وطمعهم فى ذلك كان آكد شئ نفى الشفاعة لهم لإمكان توهمها ولم يتقدم فى الآية الأخرى ما يستدعى هذا فقدم فيها ذكر الفئة التى هى أولى وأحرى فى كمال التخلص على ما عهد فى الدنيا لو أمكنت والله أعلم بما أراد.