معرفة أسباب النزول من الأمور المهمة في فهم الآيات ووضوحها، ومعرفة تاريخها، والترجيح بين معانيها.
قال الواحدي (^٢): (أسباب النزول هي أوفى ما يجب الوقوف عليها، وأولى ما تصرف العناية إليها، لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها، وبيان سبب نزولها) (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب) (^٤).
واعتماد العلماء في معرفة سبب النزول على صحة الرواية عن النبي - ﷺ - أو عن الصحابة لمشاهدتهم أحوال نزول القرآن.
قال الواحدي: (لا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها وجدُّوا في الطلب) (^٥).
_________________
(١) الواضح ١/ ٢٥١.
(٢) هو أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي النيسابوري، صنف: البسيط والوسيط والوجيز في التفسير وأسباب النزول، مات سنة ٤٦٨ هـ، له ترجمة في: طبقات السيوطي ص ٦٦، طبقات الداوودي ١/ ٣٩٤.
(٣) أسباب النزول ص ١٦.
(٤) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٣٩، مقدمة التفسير ص ٤٥.
(٥) أسباب النزول ص ١٦.
[ ٧٩ ]
وذهب السيوطي إلى أن قول التابعي إذا كان صريحًا في سبب النزول فإنه يقبل، ويكون مرسلًا إذا صح المسند إليه، وكان من أئمة التفسير واعتضد بمرسل آخر (^١).
ولما كان لأسباب النزول هذه المكانة العالية اعتنى فيه العلماء والباحثون ومنهم ابن عقيل الذي لم يغفل هذا الجانب، ومن أمثلة اهتمامه بأسباب النزول ما يلي:
قال ابن عقيل في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود:١١٤]: (نزلت في الرجل الذي سأل النبي - ﷺ - عن استمتاعه من المرأة الأجنبية بكل ما يستمتع به الرجل من زوجته إلا الجماع؛ فأنزل الله هذه الآية اهـ) (^٢).
وقال أيضًا: (لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨] قال ابن الزِّبعرى: لأخصمن محمدًا، فجاء إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: قد عُبِدت الملائكة، وعُبِد المسيح، أفيدخلون النار؟! فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء:١٠١]، فاحتج بعموم اللفظ، ولم ينكر النبي - ﷺ - تعلقه بذلك، وأنزل الله سبحانه جواب ذلك، مما دل على تخصيصٍ، لا منكرًا لتعلقه، فعلم أن العموم مقتضى هذه الصيغة اهـ) (^٣).
_________________
(١) لباب النقول ص ١٥.
(٢) الواضح ٥/ ٢٦.
(٣) الواضح ٣/ ٣١٤.
[ ٨٠ ]