الأصل حمل نصوص القرآن العامة على عموم لفظها ما لم يرد نص بالتخصيص، فكان السلف رضوان الله عليهم يطلبون دليل الخصوص لا دليل العموم (^٣).
ولهذا فمعرفة العام والخاص مهم في فهم الآية ودلالتها.
قال الزركشي: (قال القفال: ومن ضبط هذا الباب أفاد علمًا كثيرًا) (^٤).
والخاص المتأخر يؤثر في العام المتقدم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والخاص المتأخر يقضي على العام المتقدم باتفاق علماء المسلمين) (^٥).
وعلى هذا فالبحث في العام والخاص، والتتبع لأدلة التخصيص من الأهمية بمكان.
ولقد أولى ابن عقيل هذا الباب عناية كبيرة، وبسط الكلام فيه في صفحات كثيرة (^٦).
ومن الأمثلة التي تدل على اهتمامه بالخاص والعام ما يلي:
_________________
(١) الواضح ٢/ ٣٨٢.
(٢) الواضح ٤/ ٧.
(٣) ينظر: العدة ٢/ ٤٩٢، الواضح ٣/ ٣١٧.
(٤) البرهان ٢/ ١٩.
(٥) دقائق التفسير ٢/ ١٥، وينظر: مجموع الفتاوى ١٣/ ١١٩.
(٦) ينظر: الواضح ٣/ ٣١٣ - ٤٩٩.
[ ٨٢ ]
قال ابن عقيل: (﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] والمراد به كل الحرائر من المطلقات بوائن أو رجعيات، وقال في آخرها: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ يرجع إلى الرجعيات، فالأول على عمومه، والآخر خاص في الرجعيات اهـ) (^١).
وقال أيضًا: (قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾ [هود:٤٥] تمسكًا بقوله تعالى: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ [المؤمنون:٢٧]، وقوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلَّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود:٤٠] فأجابه الباري سبحانه عن ذلك جواب تخصيص لا جواب نكير عليه ما تعلق به العموم، فقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]، فدل على أن اللفظة عموم، ولولا دليل أخرج ابنه من أهله؛ لكان داخلًا تحت اللفظ اهـ) (^٢).
وقال أيضًا: (لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨] قال ابن الزِّبعرى: لأخصمن محمدًا، فجاء إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: قد عُبِدت الملائكة، وعُبِد المسيح، أفيدخلون النار؟! فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء:١٠١]، فاحتج بعموم اللفظ، ولم ينكر النبي - ﷺ - تعلقه بذلك، وأنزل الله سبحانه جواب ذلك، مما دل على تخصيصٍ، لا منكرًا لتعلقه، فعلم أن العموم مقتضى هذه الصيغة اهـ) (^٣).
والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ينظر: الواضح ٣/ ٤٣٣.
(٢) الواضح ٣/ ٣١٤.
(٣) الواضح ٣/ ٣١٤.
[ ٨٣ ]