ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن ابن عقيل: (أنه يميل للتجهم، وآخر عمره إلى السنة المحضة) (^٥).
وقال ابن حجر (^٦): (إنه خالف السلف، ووافق المعتزلة في عدة بدع ) إلى أن قال: (نعم كان معتزليًا، ثم أشهد على نفسه أنه تاب عن ذلك، وصحت توبته، ثم صنف في الرد عليهم، وقد أثنى عليه أهل عصره، ومن بعدهم) (^٧).
وقد سبقت الإشارة إلى قصة رجوعه إلى السنة (^٨).
إذا تبين هذا فابن عقيل تأثر في أول حياته ببعض من انتسب للاعتزال ومن أشهر مشايخه في هذا:
_________________
(١) المنتظم ٩/ ٢١٣، الذيل ٨/ ١٤٣.
(٢) الكسر: هو إبداء الحكمة بدون الحكم، ينظر: روضة الناظر ٢/ ٣٧١، الإحكام ٣/ ٢٣٠.
(٣) الجدل ص ٦٥.
(٤) ينظر: المنتظم ٩/ ٨٨.
(٥) مجموع الفتاوى ٤/ ١٦٤.
(٦) هو شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي الكناني العسقلاني ثم المصري الشافعي، شارح صحيح البخاري، وله من المصنفات: الدرر الكامنة، الإصابة في تمييز أسماء الصحابة وغيرها، مات سنة ٨٥٢ هـ، له ترجمة في: طبقات الحفاظ ص ٥٥٢، شذرات الذهب ٧/ ٢٧٠.
(٧) لسان الميزان ٤/ ٢٨٣.
(٨) ينظر: ص ١٩.
[ ٣٠ ]
١ - أبو الوليد، وهو أبو علي محمد بن أحمد بن عبدالله بن الوليد المعتزلي، نص عليه ابن عقيل حيث يقول: (وفي الأصول: أبو الوليد، وأبو القاسم بن التبان) (^١).
والمصادر تكاد تتفق على أن المراد بأبي الوليد هنا: أبو علي ابن الوليد المعتزلي (^٢)، كما قال الذهبي حين ترجم لابن عقيل: (وأخذ الكلام من أبي علي بن الوليد وأبي القاسم بن التبان صاحب أبي الحسين البصري شيخ المعتزلة) (^٣).
وقال ابن رجب: (كان أصحابنا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد، وابن التبان شيخي المعتزلة، وكان يقرأ عليهما في السر علم الكلام) (^٤).
٢ - ابن التبان، وهو علي بن أحمد بن محمد بن أحمد أبو القاسم الوزان، نص ابن عقيل أنه من شيوخه في الأصول (^٥)، ويؤيد هذا النصوص السابقة، ونقل عنه ابن عقيل في فنونه (^٦).
وقد رجع ابن عقيل عن هذا الخطأ وأعلن براءته من مذاهب مبتدعة الاعتزال وغيره، ومن صحبة أربابه، وتعظيم أصحابه، والترحم على أسلافهم، والتكثر بأخلاقهم (^٧).
_________________
(١) ينظر: المنتظم ٩/ ٢١٢، الذيل ١٤٢.
(٢) ينظر: المنتظم ٩/ ٢٠، البداية والنهاية ١٦/ ٢٤٢، لسان الميزان ٥/ ٦٥.
(٣) معرفة القراء الكبار ١/ ٣٨٠.
(٤) ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٤٤.
(٥) ينظر: المنتظم ٩/ ٢١٢، الذيل ١/ ١٤٢.
(٦) ينظر: الفنون ١/ ٢٤٠.
(٧) ينظر: تحريم النظر في علم الكلام ص ٣٣، الذيل ١/ ١٤٤، ص ١٩ من هذا البحث.
[ ٣١ ]
ونقل شيخ الاسلام عن ابن عقيل قوله في ذم الكلام وأهله: (فإني أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا ذلك - أي الجوهر والعرض - ولا تذاكروه، فإن رضيت أن تكون مثلهم بإيمان ليس فيه معرفة هذا فكن، وإن رأيت طريقة المتكلمين اليوم أجود من طريقة أبي بكر وعمر والجماعة فبئس الاعتقاد والرأي، قال: ثم هذا علم الكلام قد أفضى بأربابه إلى الشكوك وأخرج كثيرًا منهم إلى الإلحاد بشم روائح الإلحاد من فلتات كلامهم) (^١).
ولكن قد يبقى شيئ عالق في الذهن بسبب تأثره السابق بالاعتزال ومشايخه، ولذا يقول ابن رجب: (إن أصحابنا كانوا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد وابن التبان شيخي المعتزلة، وكان يقرأ عليهما في السر علم الكلام، ويظهر منه في بعض الأحيان نوع انحراف عن السنة، وتأول لبعض الصفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات ﵀) (^٢).
ثم رجع ابن عقيل بعد توبته إلى عدد من العلماء وأيد أقواله في الصفات بأقوالهم، حيث يقول: (ووجدنا رواة أخبار الصفات أئمة المسلمين وصدورهم والمرجوع إليهم في الفتاوى وجميع أمور الإسلام كسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والحمادين (^٣)، وسفيان
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٨/ ٤٨، وينظر: تلبيس إبليس ص ٨٥.
(٢) الذيل ١/ ١٤٤.
(٣) حماد بن سلمة، وحماد بن زيد.
[ ٣٢ ]
ابن عيينة، والأوزاعي، والليث بن سعد، وعبدالله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، والشافعي، ويحيى بن معين، وأبي عبيد بن سلام، والحميدي، وأبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهوية، وأبي داود السجستاني، والبخاري، ومسلم، ومحمد بن يحيى الذهلي، وعبدالله بن أحمد، وأبي زرعة الدمشقي، وأبي عبدالرحمن النسائي، وأبي عيسى الترمذي، وإبراهيم الحربي، وعثمان الدارمي، والمروذي، والأثرم، وأبي بكر بن أبي عاصم، وابن خزيمة، وعبدالله بن داود، وعبدالرحمن بن أبي حاتم، وأبي بكر الأنباري، وأبي سليمان البستي، والدارقطني، وعبدالله الطبري، وغير هؤلاء من الحفاظ الأثبات، هم والله سرج البلاد ونور العباد) (^١).
وقال ابن عقيل مبينًا ضرر المتكلمين والصوفية على الدين: (ما على الشريعة أضر من المتكلمين والمتصوفين، فهؤلاء يفسدون العقول بتوهمات شبهات العقول، وهؤلاء يفسدون الأعمال، ويهدمون قوانين الأديان، وقد خبرت طريق الفريقين: غاية هؤلاء الشك، وغاية هؤلاء الشطح، والمتكلمون عندي خير من الصوفية؛ لأن المتكلمين قد يردون الشك، والصوفية يوهمون التشبيه والإشكال، الثقة بالأشخاص ضلال، ما لله طائفة أجل من قوم حدَّثوا عنه وما أحدثوا، وعوَّلوا على ما رووا لا على ما رأوا) (^٢).
_________________
(١) جزء في الأصول ص ٨٣.
(٢) الآداب الشرعية ١/ ٢٢٨.
[ ٣٣ ]