من أوجه إعجاز القرآن بلاغته التي وصلت إلى مرتبة لم يعهد لها مثيل (^٥).
ومن الأمثلة المستنبطة من كلام ابن عقيل ما يلي:
- قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة:٦٢].
_________________
(١) سيأتي تخريجهما في موضعه.
(٢) الواضح ٤/ ٥٠.
(٣) الواضح ١/ ١٥٠.
(٤) الواضح ١/ ١٥١.
(٥) ينظر: إعجاز القرآن للباقلاني ص ٣٠ وما بعدها.
[ ٦٣ ]
قال ابن عقيل: (﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ولم يقل يرضوهما وطلب رسول الله - ﷺ - ما ذكره الله في كتابه، وهاء الكناية في التثنية والجمع أبلغ من الجمع بالواو اهـ) (^١).
- قوله سبحانه: ﴿دَخَلَ وَنَحْنُ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ [يوسف:٣٦].
قال ابن عقيل: (﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ يريد به ما يصير خمرًا، وإنما يعصر عصيرًا) (^٢).
- قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣].
قال ابن عقيل: (حقيقة في اللمس، إلا أنه يطلق على الجماع مجازًا؛ فيحمل عليهما جميعًا، ويوجب الوضوء منهما جميعًا، فنقول: كل معنيين جاز إرادتهما بلفظ يصلح لهما فهما كالمعنيين المتفقين اهـ) (^٣).
- قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾ [يوسف:٨٢].
قال ابن عقيل: (﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ معناه: سل أهل، فحذف أهلها المراد سؤالهم، وأقام القرية اهـ) (^٤).
- قوله تعالى: ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة:١١٧].
_________________
(١) الواضح ٣/ ٣٠٥.
(٢) الواضح ٢/ ٣٨٥.
(٣) الواضح ٤/ ٥١.
(٤) الواضح ٢/ ٣٨٥.
[ ٦٤ ]
قال ابن عقيل: (فلعمري إنها مزية وحجة في البداية بذكرهم، لكن ما أراد به الترتيب بدليل أنه قد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال يوم بنيان المسجد وهو يحمل اللبن: " لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة " (^١)، ولو عقل منها الترتيب، لما خالف ترتيب القرآن) (^٢).
- قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩].
قال ابن عقيل: (وتخصيص سليمان بالفهم دلالة على أحد أمرين: إما بالسلب للفهم في حق داود، أو إصابة الحق بفهمه دون داود، وإلا سقطت فائدة التخصيص بالتفهيم) (^٣).
- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ [الفرقان:٦٨ - ٦٩].
قال ابن عقيل: (فظاهر هذه الآية مقابلة ما ذكره من العقاب في مقابلة ما عدَّدَه من الذنوب والجرائم، لا سيما مع قوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ﴾، فذكر المضاعفة إنما وقع لمكان مضاعفة جرائمهم جريمة بعد جريمة؛ لأن قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ يعود إلى الجمل المتقدمة كلها، وما ذكر المضاعفة إلا مقابلة اهـ) (^٤).
- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٥].
_________________
(١) سيأتي تخريجه في موضعه.
(٢) الواضح ٣/ ٣٠٧.
(٣) الواضح ٥/ ٣٥٨.
(٤) الواضح ٣/ ١٣٤.
[ ٦٥ ]
قال ابن عقيل: (لأن الجبهة تنزوي بالتعبيس في وجه الفقير، والجنب يلوى به عن الفقير، والظهر يُستدبر به الفقير، ولكل عضو من هجران الحقوق حظ؛ فله من الوعيد مثله) (^١).
ومما يلاحظ في تفسير ابن عقيل باللغة ما يلي:
١ - تضلعه في اللغة العربية في عامة أبوابها، ويتبين هذا من خلال اهتمامه بمعاني الكلمات، ومعاني الحروف، ومرجع الضمائر، ونحوها.
٢ - احتجاجه بلغة العرب في الترجيح، فيقول مثلًا: (وعلى هذا لغة العرب، لا نعرف سوى ذلك) (^٢).
٣ - ذكر الأوجه البلاغية في الآيات، والترجيح بقوله مثلًا: (واستعمال كذا أبلغ من كذا) (^٣).
٤ - الإشارة إلى بعض لطائف التفسير، والوعظ من خلال التفسير (^٤).
٥ - النقل عن أئمة اللغة، أو الإشارة إلى أقوالهم (^٥).
٦ - لفت النظر إلى فهم خاطئ لبعض الآيات، وبيان المعنى الصحيح لها (^٦).
٧ - دقة عباراته مع اختصارها وقوة الأسلوب.
_________________
(١) الفنون ٢/ ٤٧٨.
(٢) ينظر: الواضح ٣/ ٢٧٢.
(٣) ينظر: الواضح ٣/ ٣٠٥.
(٤) ينظر: الفنون ٢/ ٤٧٨.
(٥) ينظر: الواضح ٣/ ٤٨٨.
(٦) ينظر: الفنون ١/ ٣٥٥.
[ ٦٦ ]